لكي لا تواصل إسرائيل تجاهل الممكن والبحث عن المستحيل - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 11 أوت 2020

تابعونا على

Aug.
12
2020

رأي

لكي لا تواصل إسرائيل تجاهل الممكن والبحث عن المستحيل

الثلاثاء 28 جويلية 2020
نسخة للطباعة
بقلم: هاني مبارك

قد‭ ‬لا‭ ‬يُستصاغ‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬كهذا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬الكلية‭ ‬العقلانية‭ ‬لسلوك‭ ‬الدولة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وان‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬عدوانيتها‭ ‬انما‭ ‬هي‭ ‬اسقاطات‭ ‬من‭ ‬يحكمون‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬النفاذ‭ ‬لامكانية‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬واحد‭ ‬اهم‭ ‬اركان‭ ‬وجودها،‭ ‬ولكن‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬نُبرئ‭ ‬الجامد‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬دنس‭ ‬ميولاتنا‭ ‬العدوانية،‭ ‬اومحدودية‭ ‬رؤيتنا‭ ‬للمتغيرات‭ ‬فيه‭. ‬

فبمقاييس‭ ‬القوة‭ ‬والضعف‭ ‬التقليدية،‭ ‬اسرائيل‭ ‬دولة‭ ‬قوية‭ ‬او‭ ‬هكذا‭ ‬نريدها‭ ‬في‭ ‬مخيالنا‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬المعادل‭ ‬الذي‭ ‬يمكننا‭ ‬من‭ ‬استئناف‭ ‬الصراع‭ ‬وادارته‭ ‬وفقا‭ ‬لارادة‭ ‬تحقيق‭ ‬الانتصار‭ ‬بادوات‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تجرنا‭ ‬اليها‭ ‬اسرائيل‭ ‬كادوات‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬عنها‭. ‬

ولان‭ ‬الدولة‭ ‬عاقلة‭ ‬وعقلانية‭ ‬فان‭ ‬سلوكها‭ ‬يصبح‭ ‬كذلك‭ ‬عندما‭ ‬تتفق‭ ‬خيارات‭ ‬قادتها‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬تنمية‭ ‬قوتها‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬اصبحت‭ ‬عقل‭ ‬قادتها،‭ ‬ودافعهم‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المتطلبات،‭ ‬كما‭ ‬نشاهد‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬القيادي‭ ‬الصيني‭ ‬الذي‭ ‬يتنزل‭ ‬اتصال‭ ‬الرئيس‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬الاسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬محمود‭ ‬عباس‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬صداقة‭  ‬شخصية‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الرجلين‭ ‬وان‭ ‬كانت‭ ‬امكانية‭ ‬ذلك‭ ‬واردة‭.‬فسلوك‭ ‬الدولة‭ ‬العاقلة‭ ‬تحدده‭ ‬فقط‭ ‬الرغبة‭ ‬الواعية‭ ‬لدى‭ ‬قادتها‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تنمية‭ ‬قوتها‭ ‬وزيادة‭ ‬نفوذها‭. ‬

ايضا‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الطرح‭ ‬غيرمتوازن‭ ‬ويفتقد‭ ‬لحجة‭ ‬الاقناع،‭ ‬ففلسطين‭ ‬واقصد‭ ‬هنا‭ ‬مناطق‭ ‬السلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬ظاهريا‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬اتصال‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬بنظيره‭ ‬عباس‭ ‬عاديا‭ ‬وبروتوكوليا‭ ‬وفي‭ ‬افضل‭ ‬احواله‭ ‬رسالة‭ ‬لجهة‭ ‬ما‭ ‬ينوي‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬مكسبا‭ ‬ما‭. ‬

لنتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬الاضعف‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اكبر‭ ‬حيث‭ ‬يكفي‭ ‬ان‭ ‬نتأكد‭ ‬ان‭ ‬مجرد‭ ‬اعتبار‭ ‬فلسطين‭ ‬ورقة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬ان‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬تفاعلاتها‭ ‬داخل‭ ‬الاقليم‭ ‬لنصل‭ ‬الى‭ ‬قناعة‭ ‬اننا‭ ‬قوة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬انواع‭ ‬اخرى‭ ‬لم‭ ‬نكتشفها‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬نعيد‭ ‬تركيب‭ ‬الصراع‭ ‬واستئنافه‭ ‬داخل‭ ‬مربعات‭ ‬تفتقر‭ ‬لها‭ ‬اسرئيل‭ ‬حتما‭ ‬لانه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬مثيلا‭ ‬لها‭ ‬لما‭ ‬بحثت‭ ‬الصين‭ ‬عنها‭ ‬لدينا‭. ‬

والعارفون‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬يدركون‭ ‬اهمية‭ ‬ان‭ ‬يبادر‭ ‬الرئيس‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬للاتصال‭ ‬بالرئيس‭ ‬ابو‭ ‬مازن‭ ‬كما‭ ‬يدركون‭ ‬ما‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الاتصال‭ ‬من‭ ‬اهداف،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يقال‭ ‬ان‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬اكد‭ ‬لنظيره‭ ‬الفلسطيني‭ ‬تمسك‭ ‬بلاده‭ ‬بحل‭ ‬الدولتين‭ ‬ودعمها‭ ‬لمقترح‭ ‬الرئيس‭ ‬عباس‭ ‬أمام‭ ‬مجلس‭ ‬الامن‭ ‬الدولي‭ ‬لعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬دولي‭ ‬للسلام‭ ‬وانها‭ ‬مستعدة‭ ‬للعب‭ ‬دور‭ ‬بناء‭ ‬وداعم‭ ‬لجهود‭ ‬الرباعية‭ ‬الدولية‭. ‬

وفي‭ ‬خطوة‭ ‬للتأكيد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬اليه‭ ‬الرئيس‭ ‬جين‭ ‬فان‭ ‬سفيره‭ ‬لدى‭ ‬السلطة‭ ‬قوه‭ ‬وي‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬وكالة‭ ‬وفا‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬تكراره‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الرئيس‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬بلاده‭ ‬لحل‭ ‬الدولتين،‭ ‬فانه‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬ستواصل‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬مع‭ ‬فلسطين‭ ‬دون‭ ‬تحفظ،‭ ‬وستفعل‭ ‬ما‭ ‬بوسعها‭ ‬لتوفير‭ ‬الدعم‭ ‬المادي‭ ‬والفني‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الدفع‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وتحسين‭ ‬المستوى‭ ‬المعيشي‭ ‬للمواطنين‭.‬

وبدون‭ ‬العودة‭ ‬لتاريخ‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬بقضايا‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الوسطفانه‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يلحظ‭ ‬بوضوح‭ ‬أنها‭ ‬علاقات‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬المصالح‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الالتزام‭ ‬بالعقائد،‭ ‬وأن‭ ‬خط‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬متوازن،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬التحفظ‭ ‬وتحيُّن‭ ‬الفرص‭ ‬وعدم‭ ‬الانجرار‭ ‬وراء‭ ‬المواقف‭ ‬العاطفية‭ ‬والقفز‭ ‬في‭ ‬الفراغ‭.‬

فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬انخراطها‭ ‬منذ‭ ‬اواخر‭ ‬اربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بالانحياز‭ ‬اكثر‭ ‬لقضايا‭ ‬التحرر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬غير‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عن‭ ‬نظرتها‭ ‬لاسرائيل‭ ‬كلاعب‭ ‬اساسي‭ ‬فأبقت‭ ‬على‭ ‬شعرة‭ ‬معاوية‭ ‬معها‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬التموضع‭ ‬داخل‭ ‬خارطة‭ ‬تفاعلات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬

ولكن‭ ‬المؤسف‭ ‬ان‭ ‬انهيارات‭ ‬النظام‭ ‬الاقليمي‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ ‬واستمرت‭ ‬الى‭ ‬يوما‭ ‬هذا‭ ‬وترافقت‭ ‬مع‭ ‬تغيرات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬اعاد‭ ‬لشعرة‭ ‬معاوية‭ ‬تلك‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الحيوية‭ ‬تناسبت‭ ‬وحجم‭ ‬هذه‭ ‬الانهيارات‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والتغيرات‭ ‬النوعية‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الامريكية‭ ‬منذ‭ ‬وصول‭ ‬ترامب‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬الابيض‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الثانية‭. ‬

فقد‭ ‬احيت‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬فكرة‭ ‬بن‭ ‬غوريون‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬بالدور‭ ‬العالمي‭ ‬للصين‭ ‬المستقبلية‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬علاقة‭ ‬خدمية‭ ‬معها‭ ‬اثارت‭ ‬قلق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودفعت‭ ‬بومبيو‭ ‬لزيارة‭ ‬اسرائيل‭ ‬وتحذيرها‭ ‬من‭ ‬مخاطرعدم‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصينية‭ ‬ووجهتإنذارا‭ ‬واضحا‭ ‬بعدم‭ ‬السماحبزحف‭ ‬الأعمال‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬اهمموانئ‭ ‬اسرائيل‭ ‬حيث‭ ‬وقّعت‭ ‬مجموعة‭ ‬موانئ‭ ‬شانغهاي‭ ‬الدولية‭ ‬عقدا‭ ‬لبناء‭ ‬جناح‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬حيفا‭ ‬الذي‭ ‬يستخدمه،‭ ‬الأسطول‭ ‬السادسمع‭ ‬استئجارالمنشأة‭ ‬لاحقا‭ ‬لمدة‭ ‬25‭ ‬عاما‭.‬كما‭ ‬لوحظ‭ ‬نزوعا‭ ‬صينيا‭ ‬مماثلانحو‭ ‬مدينة‭ ‬أشدود‭ ‬الساحلية‭. ‬

واذا‭ ‬صح‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تداولته‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والأمريكية‭ ‬حول‭ ‬نجاح‭ ‬نتنياهو‭ ‬باقناع‭ ‬بومبيو‭ ‬بضرورة‭ ‬استمرار‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الصني‭ ‬لابقاء‭ ‬التمدد‭ ‬الصيني‭ ‬تحت‭ ‬العين‭ ‬المشتركة‭ ‬لهما‭ ‬فان‭ ‬مبادرة‭ ‬الرئيس‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬للاتصال‭ ‬بالرئيس‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭ ‬وحماسته‭ ‬لتبني‭ ‬مواقفة‭ ‬ودعوته‭ ‬لمؤتمر‭ ‬دولي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬لفلسطين‭ ‬في‭ ‬تفاعلات‭ ‬صين‭ ‬المستقبل‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وضرورة‭ ‬اقلاع‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬التشبث‭ ‬بالمستحيل‭ ‬والانصياع‭ ‬لمستلزمات‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬المستقبلي‭ ‬الذي‭ ‬يقتضي‭ ‬سلوكا‭ ‬إسرائيليا‭ ‬عاقلا‭ ‬وعقلانيا‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬الممكنويعترف‭ ‬بالحقوق‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كما‭ ‬اقرتها‭ ‬قرارات‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭.‬

ويبقى‭ ‬على‭ ‬القيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سبل‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الصينية‭ ‬والدفع‭ ‬بها‭ ‬لتتحول‭ ‬الى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬آلية‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬اختياراتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لسياسات‭ ‬اسرائيل‭ ‬بتجاهل‭ ‬هذا‭ ‬الممكن‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬المستحيل‭.‬

‭ ‬أستاذ‭ ‬الاعلام‭ ‬والاتصال

إضافة تعليق جديد