توصية مهمة من كاتب صيني شهير: لا تدعوا بكين تُعيد كِتابة تاريخ وباء الكورونا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 3 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
3
2020

​قالها في درسه الافتتاحي في الإبداع الأدبي عن بعد

توصية مهمة من كاتب صيني شهير: لا تدعوا بكين تُعيد كِتابة تاريخ وباء الكورونا

الثلاثاء 30 جوان 2020
نسخة للطباعة

 

توجه‭ ‬الكاتب‭ ‬الصيني‭ ‬يان‭ ‬ليانكي‭ ‬Yan Lianke‭ ‬في‭ ‬درسه‭ ‬الافتتاحيّ‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الأدبيّ‭ ‬المُعطى‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬بسبب‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬‭ ‬من‭ ‬بكين‭ ‬إلى‭ ‬الطلبة‭ ‬داعياً‭ ‬إيّاهم‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬ذكرياتهم‭ ‬عن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحاليّة،‭ ‬بوصفها‭ ‬الحَجَر‭ ‬الأساس‭ ‬لحقيقةٍ‭ ‬يعود‭ ‬إليهم‭ ‬أمر‭ ‬نقلها‭. ‬ولأن‭ ‬التوصية‭ ‬نعتبرها‭ ‬مهمة‭ ‬لأنها‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬شاهد‭ ‬عيان‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الحدث،‭ ‬فإننا‭ ‬ننقل‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭. ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬مؤسسة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬ومقرها‭ ‬بيروت‭ ‬وهي‭ ‬مؤسسة‭ ‬مستقلة‭ ‬وغير‭ ‬ربحية‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬وتطوير‭ ‬الوعي‭ ‬بالمنطقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والمعرفة‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬جعلها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحدث‭. ‬

وقد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬التوصية‭ ‬ما‭ ‬يلي‭: ‬

طلّابي‭ ‬الأعزّاء‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا؛‭ ‬اليوم،‭ ‬يبدأ‭ ‬درسنا‭ ‬الأوّل‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭. ‬

الذاكرة‭ ‬هي‭ ‬التربة‭ ‬التي‭ ‬تتجذَّر‭ ‬فيها‭ ‬الذكريات‭ ‬وتتكاثر‭. ‬الذاكرة‭ ‬والذكريات‭ ‬يصنعان‭ ‬الفَرْق‭ ‬الأساسي‭ ‬بين‭ ‬النَّوع‭ ‬البشري‭ ‬والأنواع‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬والنباتات‭. ‬إنّهما‭ ‬أساسيّان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬لكي‭ ‬نكبر‭ ‬ونُصبح‭ ‬راشدين‭. ‬أعتبر‭ ‬أنّهما‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬أكثر‭ ‬أهمّيّة‭ ‬من‭ ‬الأكل‭ ‬أو‭ ‬الكسوة‭ ‬أو‭ ‬التنفُّس‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬فقدان‭ ‬الذاكرة‭ ‬يعني‭ ‬أيضاً‭ ‬خطر‭ ‬فقدان‭ ‬الأدوات‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الطبخ‭ ‬أو‭ ‬الزرْع‭. ‬لماذا‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬كلّه‭ ‬اليوم؟‭ ‬لأنّ‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬والعالَميّة‭ ‬الأبعاد،‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬احتواؤه‭ ‬حقّاً‭ ‬بعد‭. ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬فصول‭ ‬العدوى‭ ‬بعد‭. ‬

وعلى‭ ‬الرّغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وفيما‭ ‬دموع‭ ‬العائلات‭ ‬المكسورة‭ ‬تتساقط‭ ‬بفعل‭ ‬المرض،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توقّف،‭ ‬في‭ ‬مُقاطعة‭ ‬هوبي‭ ‬Hubei‭ ‬في‭ ‬ووهان‭ ‬wuhan‭ ‬وفي‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬الصين،‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬قد‭ ‬استعدّ‭ ‬لإطلاق‭ ‬صرخة‭ ‬النصر‭ ‬وقرْع‭ ‬الطبول‭ ‬وإطلاق‭ ‬الأبواق‭ ‬لمجرّد‭ ‬أنّ‭ ‬الأرقام‭ ‬باتت‭ ‬أفضل‭. ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬دخل‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬فارقوا‭ ‬الحياة‭ ‬حتّى‭ ‬الآن،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬خارجها،‭ ‬حتّى‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يكُن‭ ‬الوقتُ‭ ‬مُتاحاً‭ ‬أمامنا‭ ‬لكي‭ ‬نُحقِّق‭ ‬حول‭ ‬المسألة؛‭ ‬والوقت‭ ‬يمرّ،‭ ‬وقد‭ ‬يستمرّ‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لغزاً‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

‭ ‬للأجيال‭ ‬المُقبلة،‭ ‬سنترك‭ ‬سجلَّ‭ ‬وفياتٍ‭ ‬غامضاً‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مؤكَّد،‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬لذاكرتنا‭ ‬أن‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭. ‬وعلى‭ ‬الرّغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬بعد‭ ‬الوباء‭ ‬أن‭ ‬نتوقّف‭ ‬عن‭ ‬ترداد‭ ‬ما‭ ‬ردّدته‭ ‬يانغ‭ ‬لين‭ ‬xiang‭ ‬lin‭ [‬في‭ ‬قصّة‭ ‬الكاتب‭ ‬الصيني‭ ‬لو‭ ‬شيون‭ (‬Lu Xun‭ (‬1936‭ -‬1881‭ ‬المُعنْوَنة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬ضحيّة‭ ‬العام‭ ‬الجديد‮»‬‭] ‬بقولِها‭: ‬‮«‬أعرف‭ ‬فقط‭ ‬أنّه‭ ‬حين‭ ‬تثلج،‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬الحيوانات‭ ‬المُفترِسة‭ ‬ما‭ ‬تأكله‭ ‬في‭ ‬الجبل،‭ ‬ويُخشى‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭. ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحيوانات‭ ‬تلك‭ ‬ستتواجد‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬أيضاً‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتصرّف‭ ‬أيضاَ‭ ‬وأيضاّ‭ ‬مثل‭ ‬أه‭ ‬ك‭ ‬Ah Q‭ [‬شخصيّة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬قصّة‭ ‬أخرى‭ ‬للكاتِب‭ ‬لو‭ ‬شيون‭]‬،‭ ‬الذي‭ ‬استمرَّ،‭ ‬وهو‭ ‬المضروب،‭ ‬والمذلول‭ ‬حتّى‭ ‬الموت،‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأنّه‭ ‬رجلٌ‭ ‬صلبٌ‭ ‬فخورٌ‭ ‬وبأنّه‭ ‬هو‭ ‬المُنتصِر‭.‬

لماذا‭ ‬إذاً،‭ ‬في‭ ‬حيواتنا‭ ‬الحاليّة‭ ‬والماضية،‭ ‬تتوالى‭ ‬الدراميّات‭ ‬والكوارث‭ ‬لدى‭ ‬الأفراد‭ ‬والأسر‭ ‬والمجتمع‭ ‬أو‭ ‬الدولة؟‭ ‬لماذا‭ ‬يُفترَض‭ ‬بحُفَرِ‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬تمتلئ‭ ‬دائماً‭ ‬بألوف‭ ‬الموتى؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يُفترض‭ ‬بتراجيديّات‭ ‬عصرنا‭ ‬أن‭ ‬تتحقَّق‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬حياةٍ‭ ‬وحياةٍ‭ ‬من‭ ‬حيواتنا؟‭ ‬ثمّة‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬للغاية‭ ‬يُمكننا‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬صوغها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مخوَّلين‭ ‬بذلك‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬محاولتنا‭ ‬القيام‭ ‬به،‭ ‬لكنّنا‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬نفاد‭ ‬الذاكرة‭. ‬ذكرياتنا‭ ‬الفرديّة‭ ‬باتت‭ ‬خاضعة‭ ‬للتخطيط،‭ ‬ومُستبدَلَة،‭ ‬ومَمحيَّة‭. ‬لا‭ ‬نتذكَّر‭ ‬إلّا‭ ‬ما‭ ‬يريدون‭ ‬منّا‭ ‬أن‭ ‬نتذكّره،‭ ‬وننسى‭ ‬ما‭ ‬يدفعوننا‭ ‬دفعاً‭ ‬إلى‭ ‬نسيانه‭. ‬من‭ ‬الآن‭ ‬فصاعداً،‭ ‬تغدو‭ ‬ذكرياتُ‭ ‬فردٍ‭ ‬ما‭ ‬أداة‭ ‬الزّمن‭ ‬الرّاهن،‭ ‬حيث‭ ‬تُملي‭ ‬ذكرياتُ‭ ‬جماعةٍ‭ ‬أو‭ ‬أمّةٍ‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬مقدار‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬عليه‭ ‬نسيانها‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬عليه‭ ‬حفْظها‭.‬

زَبَدُ‭ ‬الزَّمن‭. ‬لندَع‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬حقّاً‭ ‬تقليبها‭ ‬جانباً،‭ ‬ولْنأخذ‭ ‬بعَيْن‭ ‬الاعتبار‭ ‬السنوات‭ ‬العشرين‭ ‬الأخيرة‭ ‬فقط‭. ‬إنّ‭ ‬أوبئة‭ ‬السيدا‭ [‬مع‭ ‬فضيحة‭ ‬المُزارعين‭ ‬المُصابين‭ ‬بمرض‭ ‬السيدا‭ ‬أو‭ ‬فيروس‭ ‬نقص‭ ‬المناعة‭ ‬المُكتسَبة‭ ‬في‭ ‬هاينان،‭ ‬الذين‭ ‬باعوا‭ ‬دمهم‭ ‬الملوَّث‭ ‬في‭ ‬تسعينيّات‭ ‬القرن‭ ‬الفائت‭]‬،‭ ‬وسارس‭ [‬بين‭ ‬2002‭-‬2003‭]‬،‭ ‬واليوم‭ ‬مرض‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬هي‭ ‬كوارث‭ ‬وطنيّة‭ ‬يتذكّرها‭ ‬كلّ‭ ‬الشباب‭ ‬أمثالكم‭ ‬المولودين‭ ‬في‭ ‬ثمانينيّات‭ ‬القرن‭ ‬الفائت‭ ‬وتسعينيّاته‭. ‬فهل‭ ‬هذه‭ ‬الأمراض‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬ذات‭ ‬أصل‭ ‬بشريّ‭ ‬أو‭ ‬إنّها‭ ‬مصائب‭ ‬طبيعيّة،‭ ‬مثل‭ ‬الهزّات‭ ‬الأرضيّة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬تانغشان‭ [‬في‭ ‬العام‭ ‬1976‭ ‬في‭ ‬شمالي‭- ‬شرقي‭ ‬الصين‭] ‬وفي‭ ‬سيتشوان‭ [‬في‭ ‬العام‭ ‬2008‭]‬،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يقوى‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬عمل‭ ‬شيء‭ ‬حيالها؟‭ ‬لماذا‭ ‬تبدو‭ ‬العوامل‭ ‬البشريّة‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى‭ ‬مُتطابِقة‭ ‬دائماً؟‭ ‬واليوم‭ ‬يدفع‭ ‬مَسار‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬كثيراً‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بطبعةٍ‭ ‬جديدة،‭ ‬من‭ ‬المُخرِج‭ ‬نفسه،‭ ‬من‭ ‬دراما‭ ‬وباء‭ ‬سارس‭ ‬العائد‭ ‬إلى‭ ‬سبع‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭ ‬خَلت‭. ‬ونحن،‭ ‬الذين‭ ‬لسنا‭ ‬سوى‭ ‬غُبار‭ ‬صغير،‭ ‬لا‭ ‬نقوى‭ ‬على‭ ‬التقدُّم‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬لمَعرفة‭ ‬مَن‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬المُخرِج،‭ ‬لكنْ‭ ‬ليست‭ ‬لدينا‭ ‬المَعارِف‭ ‬اللّازِمة‭ ‬للقيام‭ ‬بمُراجعة‭ ‬كاملة‭ ‬للأفكار‭ ‬المُرتبطة‭ ‬بسيناريو‭ ‬كهذا‭. ‬ولكن‭ ‬فيما‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬مُواجَهة‭ ‬هذه‭ ‬الدراما‭ ‬القاتلة،‭ ‬بمقدورنا‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬أين‭ ‬ذهبت‭ ‬كلّ‭ ‬ذكرياتنا‭ ‬عن‭ ‬الحلقة‭ ‬المأسويّة‭ ‬السابقة‭. ‬على‭ ‬يد‭ ‬مَن‭ ‬تمّ‭ ‬محو‭ ‬ذاكرتنا؟‭ ‬مَن‭ ‬انتزعها؟

نهاية‭ ‬زمن‭ ‬الأجسام‭ ‬البشريّة

إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نحن،‭ ‬الذين‭ ‬يمنحهم‭ ‬حبُّ‭ ‬الكتابة‭ ‬معنى‭ ‬للحياة‭ ‬التي‭ ‬سنعيشها‭ ‬طوال‭ ‬حياتنا،‭ ‬وإذا‭ ‬كنتم‭ ‬أنتم،‭ ‬الطلّاب‭ ‬الذين‭ ‬تحضرون‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وكلّ‭ ‬خرّيجي‭ ‬درْس‭ ‬الكتابة‭ ‬الإبداعيّة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تخلَّينا‭ ‬نحن‭ ‬جميعنا‭ ‬عن‭ ‬ذكرياتنا‭ ‬الشخصيّة‭ ‬المُسجَّلة‭ ‬على‭ ‬جلدنا‭ ‬وفي‭ ‬مصيرنا،‭ ‬فأيّ‭ ‬معنى‭ ‬سيكون‭ ‬للكتابة‭ ‬إذن؟‭ ‬وأيّ‭ ‬قيمة‭ ‬ستكون‭ ‬للأدب؟‭ ‬وما‭ ‬عسى‭ ‬المجتمع‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬الكُتّاب؟‭ ‬أيّ‭ ‬فَرْقٍ‭ ‬سيكون‭ ‬بين‭ ‬الذي‭ ‬يُروِّض‭ ‬الريشة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توقُّف‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬وبين‭ ‬دُميةٍ‭ ‬يشدّ‭ ‬الآخرون‭ ‬خيوطها؟‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الصحافي‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬ما‭ ‬يراه،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الكاتِب‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬ذكرياته،‭ ‬وما‭ ‬أثّر‭ ‬منها‭ ‬فيه،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يعمل‭ ‬القادرون‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬والذين‭ ‬يجيدونه‭ ‬في‭ ‬مُجتمع‭ ‬معيّن‭ ‬إلّا‭ ‬على‭ ‬ترتيل‭ ‬أشياء‭ ‬حفظوها‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب‭ ‬مع‭ ‬ضبْط‭ ‬النغمة،‭ ‬مَن‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬سيبقى‭ ‬ليقول‭ ‬لنا‭ ‬إنّنا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالَم،‭ ‬وليقول‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬الفرد‭ ‬وحقيقة‭ ‬حياةٍ‭ ‬مكوَّنة‭ ‬من‭ ‬لحمٍ‭ ‬ودم؟

انتبهوا‭ ‬جيّداً‭ ‬ولاحِظوا‭ ‬ما‭ ‬سأقوله‭: ‬ماذا‭ ‬كنّا‭ ‬سنفهم‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكُن‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬ووهان‭ ‬اليوم‭ ‬الكاتِبة‭ ‬فانغ‭ ‬فانغ،‭ ‬المُمسكة‭ ‬بالريشة‭ ‬لتدوِّنَ‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬ذكرياتها‭ ‬ومَشاعرها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ألوف‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬مثلها‭ ‬هاتفَهم‭ ‬لينقلوا‭ ‬إلينا‭ ‬صرخاتهم‭ ‬ونداءاتهم‭ ‬لنجدة‭ ‬المَوتى؟

سماع‭ ‬الإنذار‭. ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬ذاكرة‭ ‬وذكريات‭ ‬شخصيّة،‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يسعنا‭ ‬تغيير‭ ‬العالَم‭ ‬والواقع،‭ ‬فإنّه‭ ‬يُمكننا‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬أن‭ ‬نهمس‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬في‭ ‬مُواجَهة‭ ‬وقائع‭ ‬باتت‭ ‬موحَّدة‭ ‬وخاضِعة‭ ‬لقواعد‭ ‬واحدة‭: ‬‮«‬ألم‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭!‬‮»‬‭ ‬حين‭ ‬ينحني‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬حقّاً‭ ‬وسط‭ ‬الابتهاج‭ ‬الكبير،‭ ‬سنكون‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬سماع‭ ‬أصوات‭ ‬النواح‭ ‬والشهقات‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬والعائلات‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حدودنا،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬تذكُّر‭ ‬ذلك‭.‬

الذكريات‭ ‬الشخصيّة‭ ‬لا‭ ‬يُمكنها‭ ‬تغيير‭ ‬العالَم،‭ ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬بأن‭ ‬نمتلك‭ ‬قلباً‭.‬

الذكريات‭ ‬الشخصيّة‭ ‬لا‭ ‬يُمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتغيَّر‭ ‬دائماً‭ ‬لتغدو‭ ‬قوّةً‭ ‬قادرةً‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع،‭ ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬تُساعدنا‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬على‭ ‬وضْع‭ ‬علامات‭ ‬استفهام‭ ‬في‭ ‬أذهاننا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الأكاذيب‭. ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬يوماً‭ ‬أن‭ ‬أردنا‭ ‬تحقيق‭ ‬‮«‬قفزة‭ ‬عظيمة‭ ‬للأمام‮»‬‭ [‬حملة‭ ‬جماعيّة‭ ‬أطلقها‭ ‬ماو‭ ‬تسي‭ ‬تونغ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1958‭]‬،‭ ‬سنكون‭ ‬أقلّه‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يُمكننا‭ ‬صنْع‭ ‬الفولاذ‭ ‬من‭ ‬الرمل،‭ ‬وأنّ‭ ‬حقلاً‭ ‬بمساحة‭ ‬666‭ ‬متراً‭ ‬مربّعاً‭ ‬لا‭ ‬يُمكنه‭ ‬أن‭ ‬يُنتج‭ ‬50‭ ‬طنّاً؛‭ ‬إنّها‭ ‬أشياء‭ ‬معروفة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬البشريّة،‭ ‬وليست‭ ‬هراءً‭ ‬أيديولوجيّاً‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عرفنا‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬ثورة‭ ‬كارثيّة‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ [‬شأن‭ ‬الثورة‭ ‬الثقافيّة‭ ‬المُمتدّة‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1966‭ ‬الى‭ ‬العام‭ ‬1976‭]‬،‭ ‬يُمكننا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬حينئذٍ‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬بأنّنا‭ ‬لن‭ ‬نرى‭ ‬آباءنا‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المِشنقة‭.‬

الطلّاب‭ ‬الأعزّاء،‭ ‬نحن‭ ‬جميعنا،‭ ‬أصحاب‭ ‬التكوين‭ ‬الأدبي،‭ ‬مُنقادون‭ ‬طوال‭ ‬حياتنا‭ ‬إلى‭ ‬التصدّي‭ ‬للحقيقة‭ ‬وللذكريات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اللّغة‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نزعم‭ ‬أنّ‭ ‬آلاف‭ ‬الذكريات‭ ‬الفرديّة‭ ‬يُمكنها‭ ‬أن‭ ‬تكوِّن‭ ‬أو‭ ‬تُنشئ‭ ‬الذكريات‭ ‬الخاصّة‭ ‬بجماعةٍ،‭ ‬أو‭ ‬بأمّةٍ،‭ ‬أو‭ ‬بشعبٍ،‭ ‬لأنّ‭ ‬ذكريات‭ ‬الجماعة‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬تاريخنا،‭ ‬على‭ ‬إخفاء‭ ‬الذكريات‭ ‬الفرديّة‭ ‬وتغييرها‭. ‬اليوم،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يبتعد‭ ‬فيه‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتجمّد‭ ‬في‭ ‬ذكرى،‭ ‬ويحيط‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مكان‭ ‬وفي‭ ‬البلاد‭ ‬كلّها،‭ ‬بتنا‭ ‬نسمع‭ ‬الآن‭ ‬صرخات‭ ‬الاستبشار‭. ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬السبب‭ ‬تحديداً‭ ‬تراني‭ ‬كلّي‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكونوا‭ ‬أنتم‭ ‬الطلّاب‭ ‬ونحن‭ ‬جميعنا،‭ ‬الذي‭ ‬عرفنا‭ ‬مَوجة‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬رجالاً‭ ‬بذاكرة،‭ ‬أي‭ ‬رجالاً‭ ‬تقوم‭ ‬الذاكرة‭ ‬لديهم‭ ‬بتغذية‭ ‬الذكريات‭.‬

إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نعجز‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مُطلقي‭ ‬إنذار‭ ‬شأن‭ ‬لي‭ ‬وينليانغ‭ [‬طبيب‭ ‬ووهان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أوّل‭ ‬مَن‭ ‬بلَّغ‭ ‬عن‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬والذي‭ ‬توفّى‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬فيفري‭]‬،‭ ‬فلْنكن‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬أشخاصاً‭ ‬يسمعون‭ ‬الإنذار‭!‬

إذا‭ ‬كنّا‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬بصوتٍ‭ ‬عالٍ‭ ‬وقويّ،‭ ‬فلْنكن‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يهمسون‭ ‬في‭ ‬الأذن‭! ‬وإذا‭ ‬كنّا‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الهمْس‭ ‬في‭ ‬الأذن،‭ ‬فلْنكن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الكتل‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬ذاكرة‭ ‬وذكريات‭! ‬في‭ ‬مُواجهة‭ ‬آلاف‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬هُم‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬أن‭ ‬يحتفلوا‭ ‬بالنصر‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬ضدّ‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬دعونا‭ ‬نقف‭ ‬بصمت‭ ‬ولْنحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬هذه‭ ‬الأضرحة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬القلب؛‭ ‬ولْنكُنْ‭ ‬أناساً‭ ‬مدموغين‭ ‬بحديد‭ ‬الذاكرة‭ ‬الحامي‭ ‬وقادرين‭ ‬يوماً‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬لنقْل‭ ‬ذكرياتهم‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬المُقبلة‭.‬

ولنا‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التوصية‭ ‬المهمة‭ ‬والمؤثرة‭ ‬التي‭ ‬تخاطب‭ ‬في‭ ‬الشباب‭ ‬الصيني‭ ‬وعيهم‭ ‬وتضعهم‭ ‬أمام‭ ‬الحقيقية‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬اليوم‭ ‬خاضع‭ ‬للتلاعب‭. ‬قد‭ ‬قالها‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬منطقة‭ ‬ووهان‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬وكانت‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭ ‬ثم‭ ‬تفشى‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬اذ‭ ‬تشير‭ ‬الارقام‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حوالي‭ ‬نصف‭ ‬مليار‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬مصابون‭ ‬بالفيروس‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬قصف‭ ‬أرواح‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬عبر‭ ‬انحاء‭ ‬العالم‭. ‬

◗‭ ‬س‭ ‬ت

إضافة تعليق جديد