هناك أزمة زعامة في تونس.. الزعيم من يعرف متى يدخل ومتى يغادر المشهد وأتمنى أن يكون الغنوشي من هذا الصنف.. - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 8 أوت 2020

تابعونا على

Aug.
10
2020

عبد الحميد الجلاصي لـ"الصباح":

هناك أزمة زعامة في تونس.. الزعيم من يعرف متى يدخل ومتى يغادر المشهد وأتمنى أن يكون الغنوشي من هذا الصنف..

السبت 20 جوان 2020
نسخة للطباعة
استمرار حرب التموقعات سيدفع البلاد إلى الانفلات والفوضى

تونس- الصباح

شكك عبد الحميد الجلاصي في إمكانية عقد مؤتمر النهضة الحادي عشر في موعده وقال "اعتقد انه لن يتم في وقته ولن يتم التداول القيادي، "كما حذر الجلاصي في حديث شامل خص به "الصباح" من أن استمرار معارك التموقعات سيضع البلاد أمام حالة من الانفلات قد تؤدي إلى انتخابات سابقة لأوانها أو ربما تؤدي إلى حالة من الفوضى التي لا تجد لها حلولا مؤسساتية, ودعا الجلاصي  في حديث شامل خص به "الصباح" حركة النهضة إلى التخلي عن الإشارات الملتبسة والتوضيح إن كانت مع  الحكومة ام لا. وقال "منذ 2013 أصبح لدي نوع من الأسئلة حول طريقة الإدارة للشأن الداخلي للحركة وطريقة إدارة الموارد البشرية وإسناد المواقع في علاقة بالكفاءة أو بالقرب من مراكز النفوذ، وفيما يلي نص الحوار:

يذكر أن عبد الحميد الجلاصي خريج المدرسة الوطنية للمهندسين بقابس في( 1982-1988)، أشرف على فرع حركة الاتجاه الإسلامي التي ستتحول إلى حركة النهضة  قبل أن يصبح المسؤول الطلابي للحركة وينتدب عضوا في المكتب التنفيذي...

 اعتقل في 1991 وعندما يتحدث عن تجربته السجنية القاسية فانه يؤكد أن الحفاظ على المعنويات العالية أفضل سلاح لمواجهة السجان وظروف السجن.. يقول انه وجد نفسه أكثر من مرة وجها لوجه مع الجلاد ولم يطلب منه أكثر من الاعتراف بالحقيقة وبما كان يحدث في السجون.. وفيما يلي نص هذا الحديث أو ما خرجنا به خلال جلسة استمرت نحو ثلاث ساعات..

 

أجرت الحوار: اسيا العتروس

 

 

*بعد أربعة أشهر على إعلان القيادي في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي الانفصال عن الحركة التي انضم إليها طوال أكثر من أربعة عقود كيف ينظر

إلى المشهد السياسي الراهن والى ما يحدث في مجلس نواب الشعب  من صراعات عبثية ومعارك ولوائح؟

-واقعيا ليست أمامنا خيارات  كثيرة وهذا ما يحدث عندما نكون في سياق ديموقراطي, المشهد  يظل نتيجة انتخابات 2019 وهو مشهد  مشتت في مكوناته الكثيرة, هناك أصوات شعبوية وأخرى غير ديموقراطية. ولكن نقول أن برلمان 2019 هو نتيجة لإرباكات وفشل للمشهد السابق أي انتخابات 2014 -2019 كان الشعار الأساسي خلالها تحقيق النقلة الاقتصادية والاجتماعية ولكن هذا لم يحدث على مدى خمس سنوات برغم المكاسب السياسية التي تحققت. نحن إزاء فشل في المنجز الاقتصادي وفشل المنظومة الحزبية والمؤسساتية وهو فشل أيضا في التوافق.. صحيح أن خيار التوافق نهضة نداء كان مهما ولكنه كان عقيما. كانت أيضا حرب تموقعات خاصة الحزب الأول نداء تونس حيث أصبحت البلاد تبحث عن حلول والحزب الثاني النهضة لم يكن لديها الجرأة الكافية لتنبيه الشريك لمعاجلة مشكلاته بعيدا عن مؤسسات الدولة لضمان النجاح. الناخب التونسي وجه رسالة في الانتخابات المحلية في ماي 2018 وعبر عن نوع من النفور وبحث عن بديل في إطار القائمات المستقلة. وكان يفترض فهم الرسالة من كل الأحزاب للأسف هذا أيضا لم يحدث. الانتخابات البلدية 2018 كانت مجرد محطة حيث تفاقم النفور وأدى إلى ما رأيناه في الانتخابات الرئاسية مع صعود مرشحين لا نمطيين فقد مثل سعيد التواضع ونظافة الأيدي خارج "السيستام" وفي المقابل مثل القروي في نظر الكثيرين العدالة الاجتماعية المفقودة. وفي الانتخابات التشريعية كان هناك معاقبة للطبقة السياسية والنتيجة أن جزءا من الأحزاب اضمحلت من المشهد وتمكنت النهضة من الحد من الخسائر. نحن الآن أمام خيارين بعد الكورونا فالوضعية معقدة وهناك مشكلات اجتماعية واقتصادية  النسيج الاقتصادي مهدد بالإفلاس والبطالة ستتجاوز المليون والشباب الذي تصور أن الانتخابات ستأتي بحلول أحبط ومع ذلك اعتقد أن هناك فرصا وانه لا يزال بالإمكان الاستثمار في النجاح التونسي في محاصرة الجائحة.

التطورات الحاصلة في ليبيا قد تفتح فرصة أمام تونس فالنزاع العسكري سيتجه أكثر شرقا نحو الحدود المصرية. وفي انتظار حل سياسي قد لا يتحقق قبل ثلاث سنوات. سيكون الغرب الليبي المتاخم لتونس في استقرار نسبي وسيحتاج إلى إعادة الأعمار وصورة التونسي جيدة وعلى الجانب التونسي الرسمي الاستثمار في هذه النقطة.

دوليا العالم يتغير وتونس تحتاج إلى إعادة التموقع وتعزيز موقعها إقليميا. هناك أيضا إمكانية فشل كل هذه التوقعات بما يعني انه على الحكومة البحث عن الفرص والعمل عليها. هل هذا ممكن في ظل المعارك العبثية في المجلس وغياب الرئيس عن المشهد وتعقيدات معركة الصلاحيات بين باردو والقصبة وباردو وقرطاج؟ هذه مسألة أخرى.

 

*و لكن حركة النهضة لها رأي آخر بشأن حكومة الفخفاخ ورئيس الحركة راشد الغنوشي دعا إلى توسيع الائتلاف بعد تفاقم معركة اللوائح ؟

-استمرار معارك التموقعات سيضعنا أمام حالة من الانفلات قد تؤدي إلى انتخابات سابقة لأوانها أو ربما تؤدي إلى حالة من الفوضى التي لا تجد لها حلولا مؤسساتية فتتغلب الفوضى. بلغة الأرقام ليس أمامنا الكثير من الحلول وتثبيت حكومة الفخفاخ يتطلب الاشتغال على بناء الثقة بين مكوناتها. وهذا أيضا يحتاج من حركة النهضة التخلي عن الإشارات الملتبسة فهل هي مع الحكومة أو لا. ليس هناك خيار آخر وعلى النهضة أن تستقر على حال ولكن لابد أيضا من طمأنة  النهضة. موقع رئاسة البرلمان ليس محل تشكيك وهذا أيضا يتطلب الاشتغال على العلاقة بين مكونات الائتلاف النهضة التيار والشعب.. ثم لا بد أيضا لرئيس الجمهورية أن يخرج عن صمته ويقوم بدوره الأساسي باعتباره مجمعا للتونسيين من انتخبه ومن عارضه. وربما يكون من المهم أن يجري اتصالات مع عدد من الشخصيات والحكماء لإزالة الشبهة أمام ما يروج بان رئيس الجمهورية يستثمر في حالة التعفن السياسي لتحشيد الشارع ضد المؤسسات.

شخصيا لا أتصور هذا ولكن من المهم إزالة المخاوف، من حقه أن تكون له وجهة نظر بل هذا واجبه وان كانت له مبادرات وتشريعات هناك مسلك مؤسساتي يجب إتباعه وهو ممثل لـ"السيستام".

 

*هناك من يعتبر أن تونس مستهدفة من الخارج؟

-تونس ليست مستهدفة لا إقليميا ولا دوليا, المعادلة التونسية بسيطة الموضوع، الرئيس موضع ثقة بهذا المعنى يمكن تحسين الأداء السياسي والاستفادة من الأخطاء الحاصلة في البرلمان كما انه على مكتب المجلس أن يحسن أداءه.

 

*هل تعتقد أن المشكلة اليوم مرتبطة بالقانون الانتخابي؟

-هناك قضايا مطروحة للنقاش في المجلس وهي قضايا عاجلة تتعلق بالنظام الداخلي وقانون الأحزاب والقانون الانتخابي وإصلاحات أخرى مطلوبة. ومن هنا تأتي أهمية القيادة السياسية وقدرتها على التعاطي مع الأولويات وترتيبها واختيار السياق والمنهجية المناسبة لطرحها وأي قضية مهما كانت مصيرية تطرح في سياق التجاذبات سيكون مآلها الفشل.

 

*كيف يقيم عبد الحميد الجلاصي تجربة الإسلام السياسي في تونس وهل يمكن الحديث عن مستقبل لهذا التوجه في تونس؟

-هذا موضوع كبير, ونحن في تونس لدينا مكاسب كبيرة يمكن أن نفخر بها لنا حركة نقابية وهي مكسب لكل البلاد ولنا حركة طلابية ناسف جدا أنها انتكست وحركة حقوقية وحركة سياسية ليبرالية يسارية وقومية وإسلامية واعتقد أن التجربة في تونس من المكاسب الوطنية بكل ما فيها من اجتهادات فكرية وسياسية. طبعا الأخطاء موجودة وكثيرة في السياق العام وتجربة الإسلام السياسي يجب النظر لها كمكسب، من داخلها هي تحتاج للمراجعة. في اعتقادي أن الاتحاد كان أكثر قدرة على التفاعل والمراجعة. المؤتمر العاشر للنهضة كان مهما سجل الكثير من الأفكار ولكن هل وجدت كل الشعارات طريقها إلى التطبيق أم بقيت سجينة الرفوف. عموما المسائل المتعلقة بالإسلام السياسي والإسلام والديموقراطية لا تزال تطرح في تونس. هل يتعين الانتقال إلى مرحلة أخرى؟ هنا النقاش  مستمر, الدين مصدر أساسي لمجموعة من القيم ولكن هناك حاجة أيضا إلى التجديد الديني والتثقيف الديني اعتقد أن النظرية جددت من حيث الصياغات النظرية توجهاتها ولكن خشيتي أن يكون ما يحكم الخلفية السياسية وعي ما قبل المؤتمر العاشر وليس ما بعده، وقناعتي أن القضايا ذات الطبيعة الفكرية يتعين أن تتكفل بها مؤسسات البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني أكثر من الأحزاب السياسية.

 

*هل هذه دعوة من عبد الحميد الجلاصي المستقيل من النهضة لمراجعة النظام الأساسي؟

-أود الإشارة إلى أنه لا علاقة لي اليوم بالحركة، منذ 4 مارس الماضي.

 

*هل هي القطيعة وهل يعني ذلك انك لن تكون بين الحاضرين في المؤتمر القادم حتى كضيف إن كتب لهذا المؤتمر الانعقاد؟

-كضيف هذا جانب بروتوكولي يمكن أن يحدث ولكن ليس أكثر من ذلك، اليوم الوضع مختلف انا لست ضد النهضة ولست في موقع تصفية حسابات. لدي تجربتي وأتحمل مسؤولية أخطائي طوال عشر سنوات كان هناك قوى للثورة في سياق ثورات الربيع العربي. في هذه المرحلة هناك مواضيع رئيسية تتعلق بالعلاقة بين الدين والفضاء العام وبين الدين والسياسة تحتاج للطرح وهي قضية تونسية وعربية أيضا وقضية إنسانية وفلسفية ما بعد الحداثة أعادت وستعيد طرح ما كان والموضوع لا يجب أن تحتكره الأحزاب. الدين في فضاء المعتقدات قدر من الإلزام الفردي وعلينا أن نتذكر أن الناخب سيحاسبك على انجازاتك وليس بالضرورة على الأرضية الفكرية والثقافية التي  تنتمي لها.علينا أن نتعلم انه في السياسة التبشير يكون بالجنة الأرضية.

 

*ألم يكن هذا شعار النهضة في 2011 مع الترويج لحملة انتخبوا إلي يخافوا ربي؟

-سياسة النهضة بدأت تنحو نحو المدنية، الانتخابات تسير وفق قاعدة ماذا أنجزت وكيف..

 

*لو نتوقف عند استقالة القيادي عبد الحميد الجلاصي من النهضة بعد أكثر من أربعة عقود هل هي  مرتبطة بمعركة مواقع لم تجد فيها شخصك أم هي نتيجة الإحساس بالغبن وعدم الرضا على ما يحدث داخل الحركة؟

-هناك أنواع من الاستقالات بين الاستقالة الصامتة أو استقالة التراشق والمعارك. انا وجهت 3رسائل الأولى في 4 مارس ثم في 7 مارس ثم في 11 مارس. للتوضيح في السبعينات لم يكن بالإمكان ممارسة السياسة والتنافس على الحكم وتقديم البرامج، الأرضية لم تكن مهيأة. كان لدينا حلم أو مشروع واستمر هذا الأمر حتى ما بعد الثورة، الإشكال بين الأمس واليوم لا يهمني التموقع الشخصي لعبد الحميد الجلاصي طالما هو يشتغل ضمن مشروع مشترك مقتنع به. ولكن ما حدث انه منذ 2013 أصبح لدي نوع من الأسئلة حول طريقة الإدارة للشأن الداخلي للحركة وطريقة إدارة الموارد البشرية وإسناد المواقع في علاقة بالكفاءة أو بالقرب من مراكز النفوذ والموضوع لم يكن سرا عبرت عن ذلك بالتدرج داخل الحركة ومنذ2014 أصبح هناك نوع من الربط بين طريقة الإدارة الداخلية والسياسة وبين المنجز الوطني واعتبرت ان الخيار السياسي للنهضة اي التوافق كان سليما لكن طريقة إدارة الخيار أضرت بالعملية السياسية في أخلاقها ومنجزها وفي علاقة بالجمهور الناخب. أصبحت طريقة الإدارة سيئة وبالتالي كانت النتائج سيئة، التوافق أصبح نوعا من تبادل التامين وهذا أصاب النهضة في معادلتها كحركة مناضلة. هناك عملية تطبيع واندماج في الدولة ولكنها فقدت بصمتها. خلاصتي أن الدولة أو "السيستام" نجح في ترويض النهضة وهي بذلك يمكن أن تستمر ولكن لا تستطيع أن تتقدم من حيث الوفاء لجمهور الناخبين. كان هناك حراك داخل مؤسسات الحركة ثم اتسع وأصبح علنيا. من حيث المكونات الحركة تتوفر على ما يتوفر عليه اي حزب في البلاد لديه قاعدة تنظيمية مخلصة وطاقم قيادات كبيرة وخبرة في إدارة مختلف الأزمات. في اعتقادي أن المؤتمر 11 يمكن أن يكون فرصة للتغيير والتعديل إذا تم ولكن اعتقد انه لن يتم في وقته ولن يتم التداول القيادي باعتبار ان هناك استحقاقا قادما بعد دورتين. التغيير له بعد أخلاقي أيضا وعندما يغيب التجديد يصبح هناك نوع من المرض. المؤتمر لن يحصل في وقته ولن يحصل فيه تداول قيادي وان حصل سيكون شكليا لإعادة توزيع الأدوار والحركة ستتوغل أكثر وأكثر وتصبح جزءا من المنظومة ولكن دون آفاق أو تغيير. احترم أصدقائي في الحركة ولكن لا أخوض المعارك الخاطئة والمعارك حول البديهيات.

 

*لكن اليوم الاستقالات تكررت وشملت أكثر من جيل بين قيادات في المهجر وأخرى عرفت السجون وثالثة شابة ومنها على سبيل الذكر لا الحصر حمادي الجبالي ورياض الشعيبي وزياد العذاري وهشام العريض وزياد بومخلة... أليس ذلك عنوان على أن الحركة تأكل نفسها من الداخل؟

-الاستقالات لئن تكررت فان مضامينها ليست نفسها في هذه اللحظة اعتبر أن هناك كيانات كبيرة في نفس النهضة كما اتحاد الشغل والكيانات الكبيرة حاجتها الداخلية لا تخصها وحدها. جربنا في 71و 74 المخاض الديموقراطي في الحزب الاشتراكي الدستوري بين مؤتمري المنستير وكانت له انعكاسات  لا على زعيم الحزب والحزب ولكن على كل البلاد وهذا أيضا ما حصل مع نداء تونس في 2014 الانعكاسات تجاوزت الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي وامتدت إلى تونس. انظر إلى ما حدث وأرجو أن يهتدي العقلاء إلى حلول تتماشى مع روح العصر الديموقراطية في منظومة متكاملة. نعم لدي الكثير من الانشغال وأملي أن نهدي الناس ونهدي العالم نماذج ناجحة.

 

*لو أعيد طرح حل التجمع اليوم هل كنت ستؤيد القرار اليوم؟

-نعم كنت سأدعم ذلك في ذلك الوقت لأنه لو ظل التجمع على حاله لرأينا الكثير من الماسي ولكن في المقابل سجلنا عديد التجارب من ذلك ان هناك من اقر بالخطإ وهناك من أعاد تقييم التجربة واذكر محمد الغرياني وكمال مرجان الدستوري الأصيل مع الاعتراف بالأخطاء ومكاسب الثورة، آمل أن القوى الوسطية والعقلاء سيصلون إلى مصالحة وطنية شاملة. لقد علمنا التاريخ انه عندما نكون تحت الضغط السياسي فان المباراة لا تسجل نقاطا ايجابية.

 

*ولكن الدستوري الحر دخل البرلمان بأصوات الناخبين أيضا؟

-الديموقراطية وصفة اقوي من خصومها وأعدائها ما حصل نتيجة ارتباكات العقلانيين وفشلهم ولو أن حصيلة انتخابات 2014 – 2019 كانت أكثر معقولية لأغلق الباب أمام القوى المتطرفة والشعبوية. أنا اليوم منشغل بتقييم الأخطاء التي ارتكبناها والتي استفادت منها قوى تلعن الثورة ولكنها تستفيد من دستورها.

 

*هل يمكن أن تلتقي عبير موسي والغنوشي يوما على نفس الخط؟

لا استبعد شيئا التاريخ علمنا أن الحركات الشعبوية أمامها ثلاثة خيارات على الأقل إما الاستمرار في نفس الخطاب بما يؤدي إلى انفجار في داخلها أو تبقى حركات أقلية أو أنها تستفيد من التجربة وتضع رجليها على الأرض وتقر بالحقائق وبصندوق الاقتراع وهي أمثلة لها مصداقية في التاريخ.

 

*و ماذا عن ائتلاف الكرامة وماذا تقول لمن يعتبرونه أداة النهضة للمفاضلة بينها وبين تطرف الائتلاف؟

-موضوعيا النهضة والائتلاف سيتنافسان على نفس القاعدة الانتخابية ولا اعتقد أن ائتلاف الكرامة سيقبل بدور وظيفي لدى النهضة. هناك تحولات في خطاب عديد الأسماء في ائتلاف الكرامة ونظرتهم للدولة والسياسة وخطابهم قبل الحملة الانتخابية مختلف عن خطاب بعد الانتخابات. رحلة السياسيين نحو العقلانية تبقى بابا مفتوحا والعقول السليمة تجد معادلاتها بين أن تكون خارج اللعبة أو داخلها وهي عندما تكون داخل اللعبة تضع في اعتبارها الناخبين. يمكن القول أن أزمة تونس اليوم أزمة أخلاقية وأزمة ثقة وأزمة قيادة أيضا.

 

*هل تعتقد ان تونس تعيش أزمة قيادة اليوم؟

-بالتأكيد هناك أزمة زعامة، القيادة منظومة في وقت من الأوقات كانت الزعامة مرتبطة ببورقيبة وعبد الناصر وتيتو ولكن الزعامة يمكن ان تصبح منظومة حيث تقترب مجموعة من الشخصيات في الخصال والتوازن وفي العقلية والكفاءة والقدرة على العمل الجماعي وهذا هو النظام الجيد، لكن الشخصيات السياسية ليس لها نفس الوزن، الباجي مثلا زعيم وشخصية وطنية محظوظة ولكنه فشل ولم يستغل المنظومة كما ينبغي.

 

*وماذا عن الغنوشي؟

-زعيم له أوجه مختلفة فقليل هم الزعماء الذين يجمعون بين السياسة والتنظيم. التاريخ علمنا أن هناك نوعين من الزعماء هناك زعماء عرفوا كيف يدخلون وكيف ومتى  يغادرون ليظلوا في التاريخ, وقيادات عرفت كيف تدخل ولكن لا تعرف كيف تغادر..

 

*أين يقف الغنوشي بين هؤلاء؟

-موضوعيا وبقطع النظر عن النوايا آمل أن  يكون الغنوشي من الصنف الأول وهذا مهم بالنسبة له ولتاريخه ولتونس وللنهضة حتى لا تدخل في المناكفات بتاريخها.

 

*أشرت في بداية الحديث إلى جهود لعقد لقاءات مع قيادات وطنية هل يتوجه عبد الحميد الجلاصي إلى تأسيس حزب جديد بعد الطلاق مع النهضة وهل هناك توجه لجمع المنسحبين الذين سبقوك؟

-أبدا الأمر لا يتعلق بعمل حزبي ولكن في اعتقادي انه من أهم الأشياء في هذا الوضع الصعب كيف يمكن الاستفادة من كل القيادات والشخصيات الوطنية والكفاءات في مواجهة الانهيار الحاصل. اشعر فعلا بالغبن إزاء هذا الوضع وآمل أن يتجه رئيس الحكومة إلى جمع رؤساء الحكومات السابقين فهناك مرحلة التنافس الانتخابي وهناك مرحلة يجب أن يكون الجميع فيها على ذمة الدولة وهذا ما أسعى إليه مع الكثير من الأصدقاء ومع مراكز بحثية الايجابي إن الكثير يتفاعلون وهذا مهم.

 

*هل تعتقد أن الوصول إلى دستور 2014 كان ثمنه باهظا وانه ربما كان الأفضل عدم الانطلاق من الصفحة البيضاء خاصة وأن الاتفاق حول الفصل الأول استوجب تسعة أشهر من المفاوضات إلى أن سالت الدماء؟

-جراحات الماضي ليست بالأمر السهل والمسالة مرة أخرى مسالة ثقة وإذا لم نشتغل على مصالحة وطنية شاملة ونتعلم تقبل الآخر اليساري والعلماني والإسلامي على قاعدة الدستور. أحيانا اشعر وان هناك من ينظر إلى أنصار النهضة كمواطنين من الدرجة الثانية وهو ما يعني أن القوانين وحدها لا تكفي وان الثقافة تعني أيضا تغيير العقليات والقبول بالآخر والتعايش بين الجميع.

 

*هل تعتقد أن حركة النهضة أخطأت في 2011 وكيف ذلك؟

-ارتكبنا أخطاء كثيرة في 2011 والأمر لا يتوقف عند حركة النهضة بل ينسحب على اغلب الأحزاب. ربما كان أفضل سيناريو للتقدم بالثورة لو أننا بنينا على مكتسبات 18 أكتوبر فهذا الحراك لم يكن لقاء الحد الأدنى من العمل السياسي بل كان تجربة واسعة شملت حرية الضمير وحقوق المرأة والهوية وعلاقة الدين بالدولة. لا أقول أن النهضة لم ترتكب أخطاء ولكن اعتقد أن الخطأ الأول كان من جانب نجيب الشابي في 13 جانفي حيث كان يعتقد ان بن علي وضع في الزاوية وقدم نفسه كوريث لبن علي وربما كان على استعداد للعمل معه.

اليسار التونسي غلب الايدولوجيا على الاجتماعي وكل هذا منح للقوى القديمة فرصة إعادة تنظيم صفوفها والعودة إلى الساحة. وأقول أن النهضة أيضا ربما اغترت في تلك الفترة بموقعها.

 

*هناك نقطة ستلاحق النهضة طالما لم يتم تداولها صراحة أحداث باب سويقة وقد كنت قياديا في التنظيم؟

-يمكنني القول وقد كنت قياديا ولا انفي ذلك أن ما حدث كان خطا ولم يكن بنية التسبب في الأذى لأحد وخاصة حارس بسيط لا حول له ولا قوة. الأمن يعرفني جيدا ويعرف أني لا اضعف ولست ممن يقدم أي معلومة. كانت أخبار كثيرة ومتداولة عن انتهاكات كبيرة يتعرض لها أنصار الحركة من سجن وتعذيب واعتقالات  واغتصاب وكان الهدف من عملية باب سويقة الحصول على تلك الوثائق والمستندات التي كانت تدون عن عناصر الحركة وكنا حريصون على رفض إراقة أي قطرة دم. العملية قام بها شباب متحمس غايته الوثائق لا غير ولكن ما حدث في الأثناء تماس كهربائي أدى إلى حرق المكتب هذا ما حصل والعملية خطأ تطور إلى ما كان.

 

*لو نعود إلى انطلاق موسم الربيع العربي كيف تقيم ذلك بعد عقد من الزمن؟

-أولا أن قراءة تاريخ الانتقالات الديموقراطي في أوروبا الشرقية يعزز القناعة بأنه كان لها حاضنة إقليمية ودولية دعمتها معنويا وسياسيا واقتصاديا وهذا لم يحدث بالنسبة للثورات العربية. الربيع العربي ثورات في المنطقة الخطأ في التوقيت الخطأ لان هناك شيء اسمه الإسلام والثقافة والحضارة وهناك شيء اسمه الكيان الإسرائيلي. عشنا سنة ونصفا من الترويض وفي 2013 كان هناك محاولات لاحتواء وإجهاض تلك الثورات بوصفات مرتبطة بالداخل كما في مصر عبر الانقلاب العسكري أو بالصراعات كما في اليمن وسوريا، في تونس الوضع اختلف بالنظر إلى موقع تونس الجغرافي بحيث أن الضغط كان اقل لم تكن دولة مركزية مؤثرة على الأحداث. الموجة الأولى للثورات لم تجد الدعم والتشجيع هذا هو الإطار العام ثم كان هناك التفاعلات الداخلية لكل بلد.

القراءة الأولى الإستراتيجية هل كان للربيع العربي أن ينتصر؟ كان بالإمكان ان تكون النتائج أفضل ولكن لم يكن له المقومات والشروط البوصلة الأساسية في منطقتنا هي فلسطين والانتصار لمنطق المقاومة وهذا كفيل بعرقلة  وإجهاض الربيع العربي..

 

*كيف يعيش عبد الحميد الجلاصي؟

-تكويني هندسي قضيت في السجن 17 عاما دخلته ولم تولد ابنتي وغادرته وقد بلغت السابعة عشرة من العمر فلا أنا تدربت على الأبوة ولا هي عرفت معنى وجود الأب. نشرت ثلاثة كتب واستعد لنشر كتاب جديد يجمع 550 رسالة حصيلة ما تبادلته مع أفراد عائلتي خلال السجن وستكون حصاد الغائب. أقرأ كثيرا واكتب كثيرا واهم شيء في السجن الحفاظ على المعنويات العالية التجربة قاسية وكنا نتغلب عليها بالقراءة وبالكتب التي لم يكن من الهين الحصول عليها لم أعمل في الإدارة التونسية وليس لي بالتالي تقاعد ولكني أواصل الكتابة لمواقع كثيرة

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد