كورونا يفرض مصطلحاته في القاموس الديبلوماسي.. - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 13 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
13
2020

الدبلوماسية «السحابية».. الوافد الجديد في تحديد العلاقات الدولية..

كورونا يفرض مصطلحاته في القاموس الديبلوماسي..

الجمعة 29 ماي 2020
نسخة للطباعة
في أحدث تصريح لمسؤول صيني كشف وزير الخارجية الصيني وانغ يي إن الدبلوماسية الصينية لم تتوقف لحظة رغم أزمة فيروس كورونا وأشار الى أن الديبلوماسية الصينية تحولت إلى نمط «الدبلوماسية السحابية» في أشكال مكالمات هاتفية وتبادل المراسلات وعقد مؤتمرات فيديو... ورصد المسؤول الصيني اكثر من خمسين اجتماعا افتراضيا للرئيس الصيني مع نظرائه في العالم...
..وقد وجب التوقف للاتقاط الرسالة وفهم هذا المصطلح الجديد او الوافد الجديد الذي سيرتبط بالديبلوماسية الصينية وبالعلاقات الدولية خلال وبعد كورونا وهو مصطلح ستتذكره دول العالم قريبا عندما تقف على قدرة الديبلوماسية الصينية على الاستفادة من هذه المرحلة والاستثمار في اختبار كورونا لتعزيز علاقاتها مع الدول الصديقة وغير الصديقة ايضا.. فالصين تدرك جيدا ان رصد الوباء لاول مرة على اراضيها يعطيها الاسبقية في فهم الفيروس وطرق التصدي له ويمنحها ايضا فرصة تقديم خبرتها على مختلف المستويات مع بقية الدول التي تواجه الفيروس وتكابد للحد من العدوى..
تماما كما ادركت الصين مبكرا اهمية ديبلوماسية الكمامات في مرحلة سابقة عندما وقفت على حاجة مختلف الدول للكمامات الطبية ولكن ايضا  الكمامات الواقية التي ستلازم كل البشر وستعرض من لا كمامة له للعقاب ولدفع خطية.. وفي كل الحالات فان قاموس الديبلوماسية وربما احكام القانون الدولي يشهد اضافة مصطلح وافد قد يتحول الى مصطلح ملزم لجميع الانظمة والحكومات التي تبحث عن تجاوز محنة كورونا واعادة تحديد مصالحها واولوياتها..
ولاشك انه سيتعين على  خبراء القانون الدولي تعزيز ثقافتهم ومرجعيتهم للقانون الدولي بالتوسع في تحديد مفاهيم وابعاد الديبلوماسية السحابية التي اطلقتها الصين والتي لن تكون اول بلد يسجل على ارضه ظهور وانتشار فيروس كورونا ولكنه سيكون ايضا اول بلد يسعى لفرض ديبلوماسية الكورونا ..
وقد حددت الصين خمسة اهداف للديبلوماسية السحابية واولها بناء شراكات أقوى، والبقاء على الالتزام بالتعددية، والتوسيع الفعال للتعاون الدولي... ولاشك ان الصين التي واجهت منذ ظهور الفيروس اتهامات بتحمل المسؤولية وهي اساسا اتهامات من الادارة الامريكية ومن الرئيس ترامب الذي ظل متمسكا بان الفيروس صيني وتم تسريبه من احد المخابر الصينية وذلك برغم تنصل الصين من كل الاتهامات  وبرغم نفي الاستخبارات الامريكية وجود ما يعزز هذه الاتهامات.. والحقيقة ان السجال الحاصل بين واشنطن وبيكين سابق لكورونا ومراحل الحرب التجارية بين البلدين تجاوزت في محطات كثيرة درجة الحرب الكلامية لتصل مرحلة التهديدات والعقوبات...والملاحظ أنه كلما احتدمت المعركة الكلامية الا وعززت الصين حضورها في العالم عبر تقديم المساعدات والمنح فكانت تملا بذلك الفراغ وتقدم البدائل وهذا ما حدث عندما خذل الاتحاد الاوروبي ايطاليا المنكوبة التي وجدت نفسها تواجه خطر الفيروس بمفردها ولم تخرج ايطاليا من حالة العزلة الا عندما قامت الصين بارسال مساعداتها الطبية الى هذا البلد المنكوب لتلتحق بها مساعدات اخرى من كوبا وتونس التي ارسلت وفدا طبيا الى هذا البلد الاوروبي.. وقد تكرر الحضور الصيني في المطارات الاوروبية التي كانت تنتظر وصول الكمامات المنقذة لتوزعها على مواطنيها بعد ان عجزت حكوماتها عن ذلك..وفي كل خطوة كان واضحا ان الصين تلتزم بثوابت الديبلوماسية التي رسمها الزعيم الراحل دنغ سياوبينغ، او ما يعرف بديبلوماسية الظل والتي تدفع بيكين الى أن تخفي  قوتها وتتمهل..ولكن يبدو اليوم ان الصين لم تعد تتحرج او تنزعج من اظهار قوتها بل هي حريصة على ان تقول للجميع وتحديدا لواشنطن انها قادمة ..
وعندما خرج الرئيس الامريكي متوعدا منظمة الصحة العالمية مهددا بقطع المساعدات عن المنظمة اعلنت بيكين انها ستضاعف تمويلها للمنظمة حتى يتوفر للعالم اللقاح المطلوب.
 السلاح الناعم 
..المساعدات الصينية والهبات الموجهة شرقا وغربا تبقى السلاح الناعم للتمدد الصيني والانتشار عبر القارات دون اطلاق رصاصة واحدة.  
لا خلاف ان الصورة قد تكون احيانا ابلغ تعبيرا من الف مقال كما انه لا خلاف ان لقطة قد تختزل  وتحتمل ما يمكن ان يتضمنه كتاب احيانا..ولاشك اليوم ان الصور القادمة من الصين في كل خطوة تخطوها منذ اعلانها الحرب على كرونا تحتمل اكثر من قراءة واكثر من اشارة حول توجهات العملاق الصيني الذي يبدو أنه حريص على الاستفادة من دروس كورونا وهي كثيرة لاستباق الاحداث والتوجه نحو اعادة تحديد اولوياته والاستعداد لرسم علاقاته اقليميا ودوليا بناء على الخبرة التي اكتسبها الجانب الصيني في التعاطي مع الوباء الخطير ..
ولاشك ان الصور المتكررة للطائرات الصينية وهي تفد على مطارات العالم محملة بالكمامات والوفود الطبية والمساعدات بانواعها ما يكشف النوايا الصينية وتوجهات حكومتها التي لم تنتظر زوال الوباء من العالم و اختفاءه للاستثمار في المشهد الجديد والتوجه لرسم الديبلوماسية الصينية لمرحلة ما بعد كورونا لان في الانتظار رهان على المجهول واضاعة للوقت وللفرص وهو ما لا تقبله المدرسة الصينية والديبلوماسية الصينية المتوارثة عن الكونفيسوش..
خمسون مليار كمامة خرجت من المصانع الصينية التي لاتهدأ اصوات آلاتها ولا يتوقف  نشاط عمالها تحت أي سبب كان وهو رقم مهول ليس بامكان بلد غير الصين  تحقيقه.. واذا كانت الصين تعتمد في ذلك على مقومات ديبلوماسية التضامن مع دول العالم خلال  الاوقات العسيرة وفي الاوبئة والكوارث والجوائح فانها تسعى أيضا الى اعادة توازنات تتطلع اليها في العلاقات الدولية وفرض مكانتها في الساحة ولا شك أن الصين تملك من الاسباب والدوافع والامكانيات ما يمكنها من ذلك وهي العملاق الاقتصادي والعسكري الذي بات يزعج القوى الاقتصادية التقليدية..
طبعا سيكون من السابق لاوانه الحديث عن ملامح وخارطة النظام العالمي الجديد لما بعد كورونا ولكن الارجح أن هذا النظام بدأ يتشكل وقد لا يكون افضل من النظام العالمي السائد أو اكثر عدالة أو اقل ظلما ونفاقا وعنصرية... وحتى الان لا يمكن ايضا الحسم بان لعبة المصالح بين القوى الكبرى تتجه الى الانحسار بل على العكس من ذلك فحتى في اوج انتشار فيروس كورونا فان لعبة المصالح لم تتوقف ولم تتجمد واذا كانت المطارات والموانئ والبورصات والاسواق المالية  سجلت حالة من الشلل العابر للحدود فان ديبلوماسية الصفقات التجارية وصفقات السلاح وبرامج المشاريع النووية استمرت ولم تتوقف بل ان اخبار السباق للهيمنة لم تشهد ما شهدته خلال هذه المرحلة من تنافس بين واشنطن وبيكين .. 
أكثر من خمسة أشهر تمر منذ الاعلان عن اكتشاف فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية التي تمكنت من الانتصار على الفيروس بعد معركة طبية حاسمة فقدت معها الصين وفق الارقام الرسمية  اكثر من اربعة الاف من مواطنيها...والارجح ان الصين التي كانت اول من ابتلي بالوباء واول من خاض الاختبار واول من كشف للعالم عن اكثر الوسائل فعالية في تطويق والحد من امتداد العدوى ستكون ايضا اول من سيسعى الى الاستثمار والاستفادة من تداعيات الفيروس لاعادة تحديد الاولويات ورسم العلاقات والتعاطي مع بقية دول العالم ولم لا الظهور بمظهر الحكيم والديبلوماسي خلال وبعد هذه الحرب...وأول من يستثمر في   الارقام والاحصائيات اليومية المرعبة لضحايا ومصابي فيروس كورونا المستجد عبر العالم وما فرضته من تحولات في المعاملات الاجتماعية والمبادلات التجارية وفي العلاقات بين الحكومات والدول تنشط في الكواليس وترصد وتتابع المشهد الراهن وتستثمر في الفرص التي افرزتها كورونا اقتصاديا وعلميا وديبلوماسيا وانسانيا وهي بذلك تعيد رسم خارطة العلاقات الدولية ..والارجح ان الديبلوماسية الصينية  ستواجه في خضم جائحة كورونا وبعدها صراعات واهتزازات داخلية متعددة مرتبطة بمسائل سيادية بدأت من خلال بوادر الازمة في تايوان وعودة الاحتجاجات الى مقاطعة هونغ كونغ وربما ايضا امتداها في مقاطعة سينتيان.. 
الحديث عن الديبلوماسية الصينية في ظل جائحة كورونا يفرض نفسه على العالم الذي سيتعين عليه اعادة ترتيب اولوياته والاستعداد لازمات وملفات وتعقيدات وجوائح ما بعد كورونا الاقتصادية والامنية فقد كشفت التجارب التاريخية ان اغلب الاوبئة التي عرفتها الشعوب في محطات تاريخية مختلفة غالبا ما تكون متبوعة بمجاعات قد تجرف معها اضعاف ما جرفه الوباء ذاته..
◗ اسيا العتروس

إضافة تعليق جديد