الفقراء... والعلماء: لا بواكي لهم! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 13 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
14
2020

رأي

الفقراء... والعلماء: لا بواكي لهم!

الأربعاء 27 ماي 2020
نسخة للطباعة
بقلم: د. أسعد عبد الرحمن*

كل‭ ‬يوم‭ ‬أو‭ ‬أسبوع‭ ‬أو‭ ‬شهر،‭ ‬نسمع‭ ‬بموت‭ ‬عالم‭ ‬فذ،‭ ‬أو‭ ‬طبيب‭ ‬بارع،‭ ‬أو‭ ‬مخترع‭ ‬مرموق‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك؛‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬بصمتهم‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يصيبوا‭ ‬ثراء،‭ ‬أو‭ ‬يحوزوا‭ ‬موقعا‭ ‬عاليا‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع؛‭ ‬بسبب‭ ‬حظوظهم‭ ‬أو‭ ‬أخلاقياتهم‭ ‬الصارمة‭ ‬وتفرغهم‭ ‬للعطاء‭ ‬والإبداع‭. ‬والحال‭ ‬كذلك،‭ ‬نحن‭ ‬نعلم‭ ‬بخبر‭ ‬موتهم‭ ‬عبر‭ ‬إعلانات‭ ‬نعي‭ ‬متواضعة‭ ‬الأحجام‭ ‬والأعداد‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الصحف،‭ ‬أو‭ ‬كخبر‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المواقع‭ ‬الإخبارية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يهتم‭ ‬لموت‭ ‬هذا‭ ‬المبدع‭ ‬سوى‭ ‬الشريحة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬وما‭ ‬عداهم،‭ ‬فلا‭ ‬تسمع‭ ‬له‭ ‬بينهم‭ ‬ذكرا‭. ‬والسبب‭ ‬ببساطة‭ ‬شديدة‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬افتقد‭ ‬لما‭ ‬يقدمه‭ ‬أهل‭ ‬الغنى‭ ‬والمال‭ ‬والجاه‭ ‬أو‭ ‬أهل‭ ‬السلطة‭ ‬والنفوذ‭ ‬والذي‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬معيارا‭ ‬للتعاطف‭/ ‬وللتعزية‭! ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المتلازمات‮»‬‭ ‬متحكمة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬وأعداد‭ ‬الإعلانات،‭ ‬وفي‭ ‬كبر‭ ‬حجم‭ ‬الجنازة،‭ ‬وفي‭ ‬بذاخة‭ ‬المآتم‭ ‬ونوعية‭ ‬وحجوم‭ ‬مرتاديها‭! ‬ولعل‭ ‬الإمام‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬حنبل،‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬أيام‭ ‬‮«‬المحنة‮»‬‭ ‬لخصمه‭ ‬القاضي‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬دؤاد‭: ‬‮«‬بيننا‭ ‬وبينكم‭ ‬الجنائز‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬يعوّل‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬الجماهير‭ ‬بتقييم‭ ‬الرجال،‭ ‬وإدراكهم‭ ‬لقيمة‭ ‬وإبداع‭ ‬الشخصية‭ ‬وما‭ ‬تقدمه‭ ‬للناس،‭ ‬وبالفعل،‭ ‬شهد‭ ‬جنازة‭ ‬الإمام‭ ‬أحمد‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬بينما‭ ‬اتضح‭ ‬لاحقا‭ ‬أن‭ ‬القاضي‭ ‬أحمد‭ - ‬صاحب‭ ‬الموقع‭ ‬والتأثير‭ - ‬لم‭ ‬يسر‭ ‬في‭ ‬جنازته‭ ‬سوى‭ ‬نفرٌ‭ ‬يسير‭.‬

ما‭ ‬أعظم‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭! ‬وحقا،‭ ‬يؤلمني‭ ‬كثيرا‭ ‬الفارق‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬جنازة‭ ‬الغني‭ ‬والمتنفذ‭... ‬وجنازة‭ ‬رجل‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬الفقير‭. ‬أهكذا‭ ‬دب‭ ‬التفاوت‭ ‬الطبقي‭ ‬وطغى‭ ‬حتى‭ ‬توغل‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬المقابر؟‭ ‬فجعل‭ ‬بين‭ ‬سكان‭ ‬الأبدية‭ ‬سيدا‭ ‬ومسودا،‭ ‬وهم‭ ‬عند‭ ‬خالقهم‭ ‬سواء،‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬غنيهم‭ ‬وفقيرهم‭ ‬ولا‭ ‬علو‭ ‬بمكانتهما‭ ‬في‭ ‬ملكوته‭ ‬السرمدي‭ ‬إلا‭ ‬بمقدار‭ ‬تقوى‭ ‬وصلاح‭ ‬وعطاء‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬للناس‭ ‬وللمجتمع‭.‬

إن‭ ‬المآتم‭ ‬المسرفة‭ ‬ومراسم‭ ‬الجنازات‭ ‬الباهظة‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬دليل‭ ‬احترام‭ ‬للمتوفين؛‭ ‬فالكثير‭ ‬يريدون‭ ‬غالبا‭ ‬أن‭ ‬يظهروا‭ ‬للآخرين‭ ‬أنهم‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمكانة‭ ‬اجتماعية‭ ‬عالية‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تدل‭ ‬بالضرورة‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬التقوى‭ ‬الدينية‭ ‬أيضا،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬تحويل‭ ‬مناسبة‭ ‬جدية‭ ‬كهذه‭ ‬الى‭ ‬مجرد‭ ‬استعراض‭. ‬والإنفاق‭ ‬الباذخ‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬لا‭ ‬تنفع‭ ‬إلا‭ ‬الأحياء‭ ‬أصلا‭ ‬لناحية‭ ‬‮«‬تبيض‮»‬‭ ‬وجوههم‭ ‬أمام‭ ‬المعازيم‭/ ‬المعزين‭ ‬ولا‭ ‬تنفع‭ ‬الأموات‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬لأنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬للإنسان‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬سعى‭..‬‮»‬،‭ ‬ولو‭ ‬حولنا‭ ‬هذه‭ ‬المبلغ‭ ‬إلى‭ ‬صدقة‭ ‬جارية‭ (‬بناء‭ ‬جامع‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ضروريا،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬مشفى‭ ‬أو‭ ‬مدرسة‭ ‬وهذا‭ ‬دوما‭ ‬ضروري‭) ‬لكان‭ ‬أفضل‭ ‬وأفعل‭.‬

ندعو‭ ‬لتضافر‭ ‬جهود‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬يقضي‭ ‬بجعل‭ ‬المآتم‭ (‬والأعراس‭/ ‬الأفراح‭ ‬أيضا‭) ‬أكثر‭ ‬تواضعا؛‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تعميم‭ ‬وثيقة‭ ‬وآلية‭ ‬ملزمة‭ ‬وشاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد،‭ ‬وتنظم‭ ‬مراسم‭ ‬مناسبة‭ ‬للموت‭ ‬والزواج‭. ‬ودوما،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تداعيات‭ ‬ودروس‭ ‬جائحة‭ ‬فيروس‭ ‬الكورونا‭ ‬المستجد‭ ‬بعض‭ ‬الرشد‭ ‬والاتزان‭ ‬والحكمة‭ ‬إلى‭ ‬عقولنا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إلى‭ ‬عاداتنا؟‭!‬

‭*‬عضو‭ ‬المجلس‭ ‬التشريعي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬السابق

إضافة تعليق جديد