صوت الفلاسفة وكبار المفكرين الغائب.. زمن الكورونا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 22 ماي 2020

تابعونا على

May.
25
2020

في هذه اللحظة المتسمة بالقلق والحيرة

صوت الفلاسفة وكبار المفكرين الغائب.. زمن الكورونا

الجمعة 22 ماي 2020
نسخة للطباعة
◄ ننتظر بادرة تجمع كبار فلاسفتنا وكبار مثقفينا تعدّل البوصلة وتصحّح المسار ◄ الدفع بالطفيليات إلى الصدارة وفرض «الحجر» على أهل العلم والمعرفة هو قرار بحرمان البلاد من طاقاتها الخلاقة
باستثناء القلائل الذين يكتبون تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي وأساسا على موقع الفايسبوك، لا نكاد نستمع إلى صوت الفلاسفة والمفكرين الذين تزخر بهم البلاد، والحال أنه من المفروض أن يكون هذا الزمن، أي زمن الكورونا،  هو زمنهم بامتياز؟ 
فالوضع اليوم هو وضع مقلق ومثير للحيرة والإنسان عاجز عن فهم ما يجري من حوله ويحتاج إلى مساعدة من  يملك القدرة على تحليل الاوضاع ومن له الأدوات التي تخول له تحليل الظواهر وتفكيكها وفهم أسبابها ومسبباتها واستخلاص النتائج. 
ومن، غير المفكر والفيلسوف، اليوم بقادر على التحليل وعلى استيعاب حالة القلق وعلى الفهم وعلى ادراك  حقيقة الاشياء وكنهها وتوضيح  ما هو ملتبس ومستعصي على الفهم بالنسبة لعامة الناس؟  
وإننا، وإذ نستغرب من الصمت المطبق في ساحة الفلاسفة والمفكرين في هذه الفترة التي بلغ فيها الخوف أقصى مداه بسبب تفشي فيروس كورونا في العالم وتهديده لحياة الملايين، ونستغرب بالخصوص من غياب أي مبادرة يعبر فيها هؤلاء عن تحملهم لمسؤوليتهم إزاء المجتمع وإزاء البلاد، فإننا نعترف أننا في تونس نجني ثمار ما زرعناه منذ عقود من الزمن. فقد غيبنا   رجالات الفكر والمعرفة من المشهد العام وفرضنا عليهم التقوقع في قلاعهم. ولم يقع تغييبهم وتحييدهم فحسب، وإنما ارسينا ثقافة جديدة تقوم على معاداة المثقف وتحط من المفكر وتحكم على بضاعته بأنها تجاوزت  فترة صلوحيتها.  
وقد تم مقابل ذلك، فرض كائنات أخرى هجينة، ولا تمت للثقافة بشيء وهي فاقدة لكل الأدوات والإمكانيات التي تخول لها الفهم حتى يمكنها أن تساعد الآخرين على الفهم. وقد   تقمصت هذه الكائنات بدون تردد، دور  المحلل والمنظّر وطفقت تتحدث في كل الأمور وتناقش كل القضايا وتبدي رأيها في كل شيء وتوجه الرأي العام.  وقد أغرق المشهد الاعلامي بهذه النوعية من المتحدثين الذين أغلبهم لا زاد ثقافي له ولا معارف، ولا تمكن ولا منطق ولا حكمة ولا أي شيء يمكن أن يبرر وجودهم في بلاتوهات تلفزيونية وفي ستوديوهات اذاعية، لمناقشة قضايا تهمّ دين الناس ودنياهم ولا يترددون في الادلاء بدلوهم وحتى الافتاء في بعض المسائل المعقدة والشائكة والدقيقة التي نحتاج في فهمها،  إلى علم وتجربة وثقافة واسعة وبصيرة وحكمة. 
تغييب ممنهج وتحييد واضح لأهل العلم والمعرفة
والحقيقة، لقد تم استسهال الامور واستفحل الأمر بعد تحرر الاعلام. فقد  أصبحت القنوات التلفزيونية تستقطب شخصيات من نوعية معينة، لها من الثقة في النفس ما يخول لها الاعتقاد بأن التهريج وتمييع للقضايا والمجاهرة بالجهل،   والاستهتار بالقيم واقتراف لكل أنواع الاساءة ضد الذوق العام، هو البديل المطلوب، بل هو التجديد بعينه.  
وقد اغرقت قنواتنا التلفزيونية ومحطاتنا الإذاعية المشهد بطفيليات وبكائنات ظلت طريقها نحو الاعلام، فيكفي مثلا أن يظهر أحدهم  مرة أو بضعة مرات في التلفزيون أو شارك في عرض أزياء أو قدم دورا تمثيليا صغيرا، حتى يتحول إلى عنصر قار في برنامج   تلفزيوني، يحلل ويناقش ويجادل حول كل كبيرة وصغيرة وبثقة تامة  لا نجدها حتى عند أكثر الناس علما ومعرفة ودراية وتسلحا بالزاد الثقافي. 
وفي الوقت الذي تكتسح فيه الطفيليات المشهد الاعلامي، تم تغييب المفكر والعالم والفيلسوف.  وحتى وإن صادف وتمت استضافة شخصية من عالم العلم والثقافة والمعرفة، فإنه يتم التعامل معها بأسلوب لا يليق بها وكثيرا ما تجد نفسها في وضع بائس وفي حالة ازدراء. وقد كنا شهود عيان على قصة من هذا النوع حدثت للمفكر الكبير الراحل محمد الطالبي الذي تم التنكيل به واستصغار شأنه واستغلال كبر سنه، لتقزيم العلماء والمفكرين وترويج فكرة سلبية عنهم وتحويلهم إلى مصدر للتندر. 
ونحن إذ لا نعفي رجالات الفكر والثقافة الذين فضلوا الصمت والبقاء في العتمة، من مسؤولية ما يجري في بلادنا، حتى عمت الرداءة كل المجالات وتفشى الجهل الذي كثيرا ما يكون مرفوقا بالأحكام المسبقة والوثوقية المرضية، (بمعنى المرض)  في كل مكان، فإننا نقرّ كذلك بأن المسألة تتجاوزهم رغم قناعتنا بأن سلبيتهم وانسحابيتهم ساعدت على فرض الأمر الواقع. 
مشروع هدفه افراغ كل شيء من جوهره 
فتونس وكما بدا للعيان اليوم كانت ضحية مشروع أو مخطط يهدف إلى افراغ كل شيء من جوهره وتحييد الطاقات الخلاقة في كل المجالات واستبدالها بكائنات فاقدة للقيم والاحساس بالانتماء.  وهي كائنات غالبا ما تكون متسلقة ومستعدة لكل شيء من اجل تحقيق مآربها. ومن العلامات الدالة على وجود مثل هذه المشاريع هو تغييب المثقف تماما واقناع الناس بأنه لا جدوى منه أو لا أهمية لحضوره، بل أن حضوره مزعج وضار وليس بنافع. 
وها قد وقفنا اليوم وفي ظل الأزمة الصحية التي عاشتها بلادنا ( والعالم من حولنا) بسبب تفشي فيروس الكورونا، على حجم الدمار الذي خلفته مثل هذه السياسيات التي تغيب الكفاءات. لا أحد استطاع تقريبا أن يشرح للتونسيين ماذا يحدث   وماذا ينتظرنا. ولا أحد استطاع أن يبدد الحيرة التي استبدت بالناس وجعلتهم يشككون حتى في مستقبل وجود الإنسان على الأرض. وبطبيعة الحال لا يمكن التعويل كثيرا على السادة السياسيين على التوضيح، لأن تعقيد الأمور فن يحذقونه جيدا وهو من   جوهر أعمالهم.  اسئلة كثيرة يطرحها الناس من وحي الأزمة الصحية، ومن بينها بالخصوص هل أن الحياة بعد الكورونا ستكون مختلفة عما كانت عليه قبل أن يتفشى هذا الوباء الذي تسبب إلى حد اليوم في وفاة عشرات الآلاف في العام وإصابة الملايين به؟ 
وقد عادت الاسئلة حول دور الأديان في مثل هذه الظروف لتطرح بقوة وعادت الهواجس القديمة ومعها الخوف  من المستقبل والشعور بعدم الاستقرار وبعدم الاطمئنان لأي شيء.
 ويعتبر هذا المناخ على قسوته من افضل السياقات التي يمكن للمفكر وللفيلسوف الذي يتأمل كل الظواهر والأفكار والسلوكيات أن يشتغل فيها، وأن يفرض وجوده وأن يعلو صوته. لكن وإلى حد اليوم، فإننا لم نلاحظ ارادة أو رغبة في اقتناص الفرصة لاستعادة الدور المفقود. 
وباستثناء بعض المبادرات الفردية وبعض المساهمات في الفايسبوك، فإننا لم نلاحظ مبادرة هامة من فلاسفة تونس ومن مفكريها ومن علمائها تبين أنهم على استعداد لتحمل مسؤوليتهم في هذه المرحلة الصعبة. 
فلم يصدر عنهم عريضة أو بيان مشترك أو خارطة طريق ( نستعمل هذه التسمية رغم استهلاكها من السياسيين حد النخاع، لكنها تبقى معبرة في هذه اللحظة) يؤكد  أهل العلم والفكر والتنوير من خلالها عن رفضهم لأن يواصل السياسيون احتكار القرار والانفراد بالراي. 
فما هو واضح ومع هو شبه مؤكد، أن الحياة في تونس التي هي همنا بدرجة أولى، لا يمكن لها ان تستمر كما كانت عليه في السابق.  ولا يمكن بالخصوص أن يتواصل مخطط استبلاه الناس واستيلابهم وتحويل وجهاتهم عن القضايا الحقيقية بالتعويل على كل من هو فاشل ورديء وفاقد للذوق، وبمواصلة تحييد أهل العلم والمعرفة ورجالات الثقافة ممن افنوا العمر في محاولة فهم الانسان وفهم كل ما يتعلق بالوجود البشري على الأرض. 
وما هو واضح ومؤكد أن تونس اليوم في حاجة إلى  سماع صوت هشام جعيط وعبد المجيد الشرفي ومحمد محجوب وفتحي التريكي وسليم دولة وأنس الشابي وهدى الكافي وفتحي المسكيني وعمر الشارني وناجية الوريمي وزهية جويرو..  والأكيد أن القائمة تطول لتشمل أسماء اخرى من عالم الفكر والمعرفة تحتاجها  بلادنا في هذا الظرف. فهي تملك من الشرعية والمشروعية ما يجعلها تطالب بدور في تقرير مصير هذا البلد الذي ظل طويلا محروما من خدمات ابنائه الأكفاء بقرار رسمي وعن سابق اضمار.   
فدفع الطفيليات إلى الصدارة وفرض «الحجر» على أهل العلم والمعرفة هو ترجمة لذلك، ولا يمكن أن نفهمه إلا على أنه   قرار بحرمان البلاد من طاقاتها الخلاقة.  
◗ حياة السايب

إضافة تعليق جديد