في ظلال الزعيمين بورقيبة وبن يوسف.. أحزاب تقتات من فتات التاريخ ! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 28 ماي 2020

تابعونا على

May.
29
2020

سياسة نبش القبور تنتعش في غياب الإنجازات

في ظلال الزعيمين بورقيبة وبن يوسف.. أحزاب تقتات من فتات التاريخ !

الخميس 21 ماي 2020
نسخة للطباعة

في‭ ‬مشهد‭ ‬عبثي،‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬أدنى‭ ‬مسؤولية‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬وعي‭ ‬بالرهانات‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الدولة‭ ‬ولا‭ ‬بالأزمات‭ ‬المتدحرجة‭ ‬ككرة‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات،‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وسياسيا،‭ ‬عمد‭ ‬رئيس‭ ‬كتلة‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬الحزب‭ ‬الأغلبي‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان‭ ‬واكثر‭ ‬تمثيلا‭ ‬داخل‭ ‬الحكومة،‭ ‬نور‭ ‬الدين‭ ‬البحيري‭ ‬الى‭ ‬وضع‭ ‬صورة‭ ‬الزعيم‭ ‬الوطني‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬برلمانية،‭ ‬مع‭ ‬جملة‭ ‬مكتوبة‭ ‬بوضوح‭: "‬نريد‭ ‬معرفة‭ ‬المجرم‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭"‬،‭ ‬وقد‭ ‬حذا‭ ‬حذوه‭ ‬رئيس‭ ‬كتلة‭ ‬ائتلاف‭ ‬الكرامة‭ ‬–الفرع‭ ‬السياسي‭ ‬لحركة‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬المعارضة‭- ‬سيف‭ ‬الدين‭ ‬مخلوف‭..‬

يأتي‭ ‬ذلك‭ ‬احتجاجا‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الزعيم‭ ‬الحبيب‭ ‬بورقيبة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تفارق‭ ‬مكانها،‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬هذه‭ ‬العهدة‭ ‬البرلمانية،‭ ‬أمام‭ ‬زعيمة‭ ‬ورئيسة‭ ‬كتلة‭ ‬الحزب‭ ‬الدستوري‭ ‬الحر‭ ‬عبير‭ ‬موسي‭..‬

وخلف‭ ‬صورة‭ ‬بورقيبة‭ ‬وصورة‭ ‬صالح‭ ‬بين‭ ‬يوسف،‭ ‬أحزاب‭ ‬تتخفى‭ ‬خلف‭ ‬التاريخ‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬انتساب‭ ‬لأمجاد‭ ‬قديمة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬نفسها‭ ‬كقوى‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬ومن‭ ‬الأفكار‭ ‬ما‭ ‬يؤهلها‭ ‬للحكم‭ ‬أو‭ ‬للاستعداد‭ ‬الى‭ ‬الحكم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المعارضة‭..‬

ومنذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬يتواصل‭ ‬هذا‭ ‬العبث‭ ‬بسير‭ ‬الزعماء‭ ‬الوطنيين‭ ‬دون‭ ‬رادع‭ ‬أخلاقي‭.. ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬مناقب‭ ‬الموتى‭.. ‬نبش‭ ‬في‭ ‬القبور‭ ‬وبحثا‭ ‬عن‭ ‬انتساب‭ ‬واهم،‭ ‬للأجداد‭ ‬والأباء‭ ‬الذين‭ ‬تبقى‭ ‬انجازاتهم‭ ‬وإخفاقاتهم‭ ‬واخطاؤهم‭ ‬في‭ ‬ذمة‭ ‬التاريخ‭ ‬ومن‭ ‬اختصاص‭ ‬المؤرخين‭..‬

وقد‭ ‬بالغت‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية،‭ ‬في‭ ‬غلوها‭ ‬وفي‭ ‬اعتدائها‭ ‬على‭ ‬الزعماء‭ ‬الوطنيين‭ ‬مثل‭ ‬الثعالبي‭ ‬وبورقيبة‭ ‬وصالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المحاولات‭ ‬الاحتكارية‭ ‬المتكررة‭ ‬لتاريخ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الزعماء‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬يمثلون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الوطني‭ ‬والذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لأي‭ ‬فرد‭ ‬ان‭ ‬يحتكرها‭ ‬لنفسه‭ ‬ويجعل‭ ‬منها‭ ‬اصلا‭ ‬تجاريا‭ ‬في‭ ‬معاركه‭ ‬السياسية‭ ‬والايديولوجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحريف‭ ‬الوقائع‭ ‬أو‭ ‬العبث‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬وتوظيف‭ ‬الوقائع‭ ‬لخاصة‭ ‬نفسه‭..‬

فكل‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭ ‬تحترم‭ ‬تاريخها‭ ‬بإنجازاته‭ ‬وانتكاساته‭ ‬الا‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬أعجزتها‭ ‬الحيلة‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬بصمتها‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭ ‬وفي‭ ‬ادارة‭ ‬الدولة،‭ ‬ذهبت‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬علها‭ ‬تجد‭ ‬لنفسها‭ ‬تاريخا‭ ‬تنتسب‭ ‬اليه‭ ‬في‭ ‬تنكيل‭ ‬واضح‭ ‬بهذا‭ ‬التاريخ‭ ‬وبزعمائه‭.‬

البحث‭ ‬عن‭ ‬النسب‭ ‬الرفيع‭..‬

منذ‭ ‬بداية‭ ‬العهدة‭ ‬البرلمانية‭ ‬عمدت‭ ‬رئيسة‭ ‬الحزب‭ ‬الدستوري‭ ‬الحر،‭ ‬عبير‭ ‬موسي‭ ‬ومنذ‭ ‬اول‭ ‬يوم‭ ‬الى‭ ‬وضع‭ ‬صورة‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬الحبيب‭ ‬بورقيبة‭ ‬أمامها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جلسة‭ ‬عامة‭..‬

موسي‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬هي‭ ‬وحزبها‭ ‬الانتساب‭ ‬الى‭ ‬الفرع‭ ‬البورقيبي‭ ‬في‭ ‬ادارة‭ ‬خلاف‭ ‬الدولة‭ ‬حول‭ ‬النمط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الهويات‭ ‬المتشنجة‭ ‬والأفكار‭ ‬المتدافعة‭ ‬تسعى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صورة‭ ‬الزعيم‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬خصومها‭ ‬وليس‭ ‬انصاف‭ ‬الزعيم‭.. ‬فحزب‭ ‬التجمع‭ ‬الدستوري‭ ‬الديمقراطي‭ ‬لم‭ ‬ينصف‭ ‬بورقيبة‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬ولم‭ ‬يمنع‭ ‬التنكيل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬بن‭ ‬علي‭..‬

لكن‭ ‬اليوم‭ ‬حضور‭ ‬صورة‭ ‬بورقيبة‭ ‬أمام‭ ‬عبير‭ ‬موسي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ضمن‭ ‬قيادة‭ ‬حزب‭ ‬التجمع‭ ‬المنحل‭ ‬واليوم‭ ‬تقود‭ ‬حزب‭ ‬الدستوري‭ ‬الحر‭ ‬الذي‭ ‬حاولت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسميته‭ ‬بذلك‭ ‬الاسم‭ ‬استحضار‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬مع‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الثعالبي،‭ ‬تحاول‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬النهضة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬واضحة‭ ‬لخصومها‭ ‬من‭ ‬الاسلاميين‭ ‬واساسا‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬وائتلاف‭ ‬الكرامة،‭ ‬حمالة‭ ‬معان،أبرزها‭ ‬قد‭ ‬يتنزل‭ ‬تحت‭ ‬يافطة‭  "‬ذكرهم‭ ‬ونغص‭ ‬عليهم‭"  ‬خاصة‭ ‬وان‭ ‬الزعيم‭ ‬الحبيب‭ ‬بورقيبة‭ ‬عُرف‭ ‬بدفاعه‭ ‬المستميت‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬وعدم‭ ‬اعترافه‭ ‬بالإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬كتيار‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬او‭ ‬ادارة‭ ‬الدولة‭ ‬وتوجسه‭ ‬الدائم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬التيارات‭ ‬الرجعية‭ ‬وانبهاره‭ ‬بمدنية‭ ‬الدولة‭ ‬وانفتاحها‭ ‬وحداثتها‭ ‬وفق‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭.. ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬الخصومة‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬بورقيبة‭ ‬وحركة‭ ‬الاتجاه‭ ‬الاسلامي‭ ‬أو‭ ‬النهضة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬وعدم‭ ‬تردده‭ ‬في‭ ‬قمعها‭ ‬والتضييق‭ ‬عليها‭ ‬وعلى‭ ‬نشاطها‭.. ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬كل‭ ‬زعماء‭ ‬الحركة‭ ‬الاسلامية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وأبرزهم‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭ ‬يناصبون‭ ‬بورقيبة‭ ‬العداء‭ ‬ويجاهرون‭ ‬بعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭ ‬زعيما‭ ‬وطنيا‭ ‬ومؤسسا‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬حتى‭ ‬ان‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭ ‬رفض‭ ‬الترحم‭ ‬عليه‭ ‬ويرفض‭ ‬الى‭ ‬اليوم‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬ذكرى‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭.‬

النهضة‭ ‬ومتلازمة‭ ‬بورقيبة‭..‬

اليوم،وفي‭ ‬سياق‭ ‬المناخات‭ ‬السياسية‭ ‬المتشنجة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأحزاب،ومحاولة‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬الخصوم‭ ‬بكل‭ ‬الأشكال،‭ ‬وضع‭ ‬نواب‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬صورة‭ ‬الزعيم‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬مطالبين‭ ‬بمعرفة‭ ‬المجرم‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭! ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬القاتل‭ ‬معروف‭ ‬والجهة‭ ‬التي‭ ‬أمرت‭ ‬بتنفيذ‭ ‬الاغتيال‭ ‬معروفة‭ ‬والجلادون‭ ‬والقتلة‭ ‬والضحايا‭ ‬جميعهم‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ذمة‭ ‬التاريخ‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تنبش‭ ‬في‭ ‬القبور‭ ‬ليس‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬او‭ ‬انصافا‭ ‬للضحايا‭ ‬ولكن‭ ‬اقتصاصا‭ ‬من‭ ‬الخصوم‭ ‬وثأرا‭ ‬من‭ ‬بورقيبة‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬الى‭ ‬متلازمة‭ ‬نفسية‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬او‭ ‬تجاوزها‭..‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أمس‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬تحاول‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬العودة‭ ‬الى‭ ‬معركتها‭ ‬التاريخية‭ ‬القديمة‭ ‬مع‭ ‬بورقيبة،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬استغل‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬لجعل‭ ‬قضية‭ ‬اغتيال‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬احد‭ ‬ملفات‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية،حيث‭ ‬احالت‭ ‬هيئة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكرامة‭ ‬ملف‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬على‭ ‬انظار‭ ‬الدائرة‭ ‬القضائية‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬والتي‭ ‬نظرت‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أفريل‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية‭ ‬واستمعت‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬لطفي‭ ‬بن‭ ‬يوسف،‭ ‬نجل‭ ‬الزعيم‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬والذي‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬اغتيال‭ ‬والده‭ ‬في‭ ‬13‭ ‬أوت‭ ‬1961‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬فنادق‭ ‬مدينة‭ ‬فرنكفورت‭ ‬الألمانية‭. ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النبش‭ ‬في‭ ‬قبور‭ ‬الموتى‭ ‬هو‭ ‬تشويه‭ ‬المسيرة‭ ‬السياسية‭ ‬لبورقيبة‭ ‬والانقاص‭ ‬من‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬أبدا‭ ‬اماطة‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬الاغتيال‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬ان‭ ‬بورقيبة‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬تصفية‭ ‬صديقه‭ ‬اللدود‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬لأن‭ ‬السلطة‭ ‬وقتها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحتملهما‭ ‬معا‭.. ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬اختفاء‭ ‬احدهما‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬للآخر‭ ‬مواصلة‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬فيه‭.‬

فحركة‭ ‬النهضة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تم‭ ‬اتهامها‭ ‬بنسبها‭ ‬المستورد‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬حسن‭ ‬البنا‭ ‬وسيد‭ ‬قطب‭ ‬وبقية‭ ‬الحركات‭ ‬الاخوانية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وطالما‭ ‬تم‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬تونسيتها‭ ‬كحركة‭ ‬وطنية‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬تطلعات‭ ‬التونسيين‭ ‬ومن‭ ‬أفكارهم،‭ ‬ظلت‭ ‬تحاول‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬انتساب‭ ‬تاريخي‭ ‬لها،‭ ‬فاذا‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الاخيرة‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬واجهة‭ ‬تاريخية‭ ‬تتخفى‭ ‬خلفها‭ ‬وتجعل‭ ‬منها‭ ‬قميص‭ ‬عثمان‭ ‬تشهره‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬خصومها‭ ‬من‭ ‬الندائيين‭ ‬بالأمس‭ ‬ومن‭ ‬التجمعيين‭ ‬والدستوريين‭ ‬اليوم،‭ ‬فانها‭ ‬حاولت‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬الانتساب‭ ‬الى‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الثعالبي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصة‭ ‬الجد‭ ‬المشترك‭..‬

وكان‭ ‬من‭ ‬المثير‭ ‬في‭ ‬اواخر‭ ‬2015‭ ‬والنهضة‭ ‬تستعد‭ ‬لالتقاء‭  "‬الخطان‭ ‬المتوازيان‭"  ‬مع‭ ‬حزب‭ ‬نداء‭ ‬تونس،‭ ‬تفطن‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭ ‬الى‭ ‬أنه‭ ‬سليل‭ ‬شجرة‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الثعالبي‭ ‬قائلا‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬صحفية‭ ‬ان‭ ‬الاسلاميين‭ ‬والدستوريين‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لهم‭ ‬جد‭ ‬مشترك‭ ‬هو‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الثعالبي‭ ‬رائد‭ ‬الحركة‭ ‬الاصلاحية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومؤسس‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬الغنوشي‭ ‬في‭ ‬اعلان‭ ‬هذا‭ ‬الانتساب‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬يدعي‭ ‬انهم‭ ‬ابناء‭ ‬عمومته‭ ‬من‭ ‬الدستوريين‭ ‬كانوا‭ ‬يعادونه‭ ‬وحركته‭ ‬لاكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬الغنوشي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬كتاباته‭ ‬لم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬انجازات‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬او‭ ‬الاصلاحية‭ ‬التونسية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينتقدها‭ ‬ويبحث‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬في‭ ‬أفكار‭ ‬حسن‭ ‬البنا‭ ‬وأبو‭ ‬الأعلى‭ ‬المودودي‭!‬

السلطة‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬رجلين‭ ‬في‭ ‬القيادة‭..‬

عدة‭ ‬كتب‭ ‬وعدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المؤرخين،قدموا‭ ‬روايات‭ ‬تاريخية‭ ‬مسنودة‭ ‬بأدلة‭ ‬وبراهين‭ ‬حول‭ ‬الخلاف‭ ‬اليوسفي‭- ‬البورقيبي‭.. ‬وقد‭ ‬اثبتت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المراجع‭ ‬ان‭ ‬الرجلين‭ ‬وبعد‭ ‬الخلاف‭ ‬الحاد‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬الاستقلال‭ ‬الداخلي‭ ‬وانهاء‭ ‬معركة‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬شهوة‭ ‬السلطة‭ ‬والقيادة‭ ‬تحتمل‭ ‬وجودهما‭ ‬معا،‭ ‬فصهر‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬العميد‭ ‬فتحي‭ ‬زهير‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ "‬الوساطة‭ ‬الضائعة‭ ‬في‭ ‬الخلاف‭ ‬البورقيبي–‭ ‬اليوسفي‭" ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف‭ ‬وحدته‭..‬

خلاف‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والقيادة‭ ‬أمام‭ ‬تمسك‭ ‬كلا‭ ‬الزعيمين‭ ‬بوجاهة‭ ‬رأيه‭ ‬وانقسام‭ ‬الحزب‭ ‬والحركة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وكان‭ ‬خيار‭ ‬بورقيبة‭ ‬تصفية‭ ‬صديقه‭ ‬اللدود‭ ‬ورفيق‭ ‬نضاله‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف،‭ ‬قرار‭ ‬كان‭ ‬سقطة‭ ‬مدوية‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬وتاريخ‭ ‬الزعيم‭ ‬لكن‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬سياقاته‭ ‬واكراهاته،‭ ‬وبدوره‭ ‬يؤكد‭ ‬محمد‭ ‬الرزقي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ "‬الرسائل‭ ‬الخطية‭ ‬لصالح‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭"‬،‭ ‬أن‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬كان‭ ‬بدوره‭ ‬يخطط‭ ‬لتصفية‭ ‬بورقيبة‭ ‬بالسم‭ ‬او‭ ‬بمسدس‭ ‬كاتم‭ ‬للصوت‭.. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬كلا‭ ‬منهما‭ ‬يتحين‭ ‬الفرصة‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬الاخر‭ ‬وكان‭ ‬بورقيبة‭ ‬الاسرع‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.. ‬ومن‭ ‬الابتذال‭ ‬توظيف‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف‭ ‬التاريخي‭ ‬بين‭ ‬زعيمين‭ ‬تاريخيين‭ ‬في‭ ‬تصفية‭ ‬حسابات‭ ‬سياسية‭ ‬راهنة‭.. ‬فسياسة‭ ‬نبش‭ ‬القبور‭ ‬لن‭ ‬تؤدي‭ ‬الا‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الفرقة‭ ‬والتدافع‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

◗‭ ‬منية‭ ‬العرفاوي

إضافة تعليق جديد