نكبة فلسطين... ليست ذكرى فقط!! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 1 أكتوبر 2020

تابعونا على

Oct.
1
2020

رأي

نكبة فلسطين... ليست ذكرى فقط!!

الأحد 17 ماي 2020
نسخة للطباعة
بقلم: صبحي غندور

نكبة‭ ‬فلسطين‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬يوم‭ ‬15‭ ‬ماي‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1948،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬ذكرى‭ ‬فقط‭. ‬النكبة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وتستمرّ‭ ‬الآن‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬عام‭.‬

فلقد‭ ‬سبق‭ ‬إعلان‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬اليهودي‭ ‬الصهيوني‮»‬‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬لدولة‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬14‭/‬‏‏5‭/‬‏‏1948‭ ‬ومطالبته‭ ‬لدول‭ ‬العالم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالدولة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الوليدة‭ ‬عشيّة‭ ‬انتهاء‭ ‬الانتداب‭ ‬البريطاني،‭ ‬سبق‭ ‬ذلك،‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬التهيئة‭ ‬اليهودية‭ ‬الصهيونية‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬أسماه‭ ‬العرب‭ ‬والفلسطينيون‭ ‬بيوم‭ ‬النكبة‭.‬

وكان‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬منظّمة‭ ‬صهيونية‭ ‬عالمية‭ ‬تعمل‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسها‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1897‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬الجبهات،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬‮«‬وعد‭ ‬بلفور‮»‬‭ ‬الشهير‭ ‬ونظّمت‭ ‬هجرة‭ ‬يهودية‭ ‬كبيرة‭ ‬للأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود،‭ ‬مروراً‭ ‬بحربين‭ ‬عالمتين‭ ‬استثمرت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬نتائجهما‭ ‬لصالح‭ ‬‮«‬خطّة‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬ربطت‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬بمصالح‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭ ‬بسطت‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭.‬

عام‭ ‬1897،‭ ‬قال‭ ‬تيودور‭ ‬هرتزل‭ ‬مؤسّس‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬العالمية،‭ ‬مخاطباً‭ ‬أعضاء‭ ‬المؤتمر‭ ‬الصهيوني‭ ‬الأوّل‭ ‬الذي‭ ‬انعقد‭ ‬في‭ ‬سويسرا،‭ ‬‮«‬إنّكم‭ ‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاماً‭ ‬ستشهدون‭ ‬ولادة‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬كلام‭ ‬هرتزل‭ ‬سبباً‭ ‬لاستهزاء‭ ‬بعض‭ ‬أعضاء‭ ‬المؤتمر،‭ ‬لأنّ‭ ‬المسافة‭ ‬الزمنية‭ ‬التي‭ ‬تحدّث‭ ‬عنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بنظر‭ ‬هذا‭ ‬البعض‭ ‬كافيةً‭ ‬لإحداث‭ ‬تغييراتٍ‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وفي‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬لتظهر،‭ ‬كحصيلة‭ ‬لهذه‭ ‬المتغيّرات،‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭.‬

وبالفعل،‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬نهاية‭ ‬العقد‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬إعلان‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وبدء‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬وانتقالاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬للمنظّمة‭ ‬الصهيونية‭ ‬العالمية‭ ‬دولة‭ ‬اعترفت‭ ‬بها‭ ‬الأمم‭ ‬المتّحدة‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬لهذه‭ ‬الدولة‭ ‬خارطة‭ ‬تبيّن‭ ‬حدودها‭ ‬الدولية‭ ‬النهائية،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬كذلك‭ ‬حتّى‭ ‬الآن‭.‬

وفي‭ ‬أواسط‭ ‬الخمسينات‭ ‬تبادل‭ ‬بن‭ ‬غوريون‭ (‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيل‭ ‬السابق‭) ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬خارجيتها‭ ‬آنذاك‭ ‬موسى‭ ‬شاريت،‭ ‬عدّة‭ ‬رسائل‭ ‬تحدّثت‭ ‬عن‭ ‬الأسلوب‭ ‬المناسب‭ ‬اعتماده‭ ‬لإنشاء‭ ‬دويلة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الشمالية‭ ‬مع‭ ‬لبنان‭ ‬تكون‭ ‬تابعة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬ومدخلاً‭ ‬لها‭ ‬للهيمنة‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬والشرق‭ ‬العربي‭ ‬كلّه‭.‬

وكان‭ ‬الحلّ‭ ‬في‭ ‬خلاصة‭ ‬أفكار‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭: ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ضابط‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬اللبناني‭ ‬يعلن‭ ‬علاقته‭ ‬بإسرائيل‭ ‬ثمّ‭ ‬يدخل‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ويحتلّ‭ ‬المناطق‭ ‬الضرورية‭ ‬وتقوم‭ ‬دولة‭ ‬متحالفة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

هذا‭ ‬العرض‭ ‬المختصر‭ ‬للمخطّط‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬يعني‭ ‬أنّه‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬الزمن‭ ‬ومهما‭ ‬تغيّرت‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طبيعتها‭ ‬وأشخاصها،‭ ‬فإنّ‭ ‬تنفيذ‭ ‬المخطط‭ ‬يبقى‭ ‬مستمرّاً‭ ‬حتّى‭ ‬يحقّق‭ ‬أهدافه‭ ‬الكاملة‭.‬

فلا‭ ‬ترتبط‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬والخطط‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بحزبٍ‭ ‬معيّن‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬ولا‭ ‬بشخصٍ‭ ‬محدّد،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬مؤسّسات‭ ‬وأجهزة‭ ‬وأدوات‭ ‬تتابع‭ ‬التنفيذ،‭ ‬منذ‭ ‬مؤتمر‭ ‬‮«‬بال‮»‬‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭ ‬عام‭ ‬1897‭ ‬مروراً‭ ‬بتأسيس‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬ثمّ‭ ‬حروبها‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭.‬

أيضاً،‭ ‬كانت‭ ‬المشكلة‭ ‬وستبقى،‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬حاصلٌ‭ ‬فلسطينياً‭ ‬وعربياً‭ ‬من‭ ‬انقسامات‭ ‬وصراعات‭ ‬يبني‭ ‬عليها‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ومن‭ ‬يدعمه‭.‬المشكلة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬تنازلات‭ ‬عربية‭ ‬وفلسطينية‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬والاتّفاقيات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

المشكلة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭/‬‏‏‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬تقزيمٍ‭ ‬له‭ ‬أساساً‭ ‬بالقول‭ ‬إنّه‭ ‬‮«‬صراع‭ ‬فلسطيني‭/‬‏‏‭ ‬إسرائيلي‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬تقزيمٍ‭ ‬أكبر‭ ‬بوصفه‭ ‬صراع‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬منظّمات‭ ‬مسلّحة‮»‬‭!. ‬كذلك،‭ ‬فإنّ‭ ‬سقوط‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬أمريكي‭ ‬‮«‬نزيه‭ ‬ومحايد‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يرافقه‭ ‬تحسين‭ ‬الواقع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والعربي،‭ ‬وتغيير‭ ‬للنهج‭ ‬المعتمَد‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

مشكلة‭ ‬الانقسام‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ازدادت‭ ‬حدّةً‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬اتّفاقيات‭ ‬‮«‬أوسلو‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬ثبت،‭ ‬بعد‭ ‬28‭ ‬عاماً،‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬تأمين‭ ‬الحقوق‭ ‬المشروعة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭. ‬وتستفيد‭ ‬إسرائيل‭ ‬طبعاً‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬العربية،‭ ‬ومن‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يدعم‭ ‬الآن‭ ‬حكومة‭ ‬نتانياهو‭ ‬وسياستها‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬قضايا‭ ‬الملفّ‭ ‬الفلسطيني‭.‬

فالمواقف‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬كلّها‭ ‬تتبنّى‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إليه‭ ‬نتانياهو‭ ‬من‭ ‬أجندة‭ ‬وقرارات‭ ‬بشأن‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلّة‭ ‬وحقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬لكن‭ ‬المصيبة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬فقط‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواقف‭ ‬الدولية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فالأوضاع‭ ‬العربية‭ ‬مسؤولة‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬ويعيشها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

فعناصر‭ ‬المواجهة‭ ‬العربية‭ ‬والفلسطينية‭ ‬للاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬حتّى‭ ‬الآن‭ ‬غائبة،‭ ‬ووحدة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬هي‭ ‬العنصر‭ ‬الأهمّ‭ ‬المفقود‭ ‬حالياً،‭ ‬وكذلك‭ ‬الحدّ‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬الرسمي‭ ‬العربي‭ ‬ضدّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬والسياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الداعمة‭ ‬لها‭. ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الواقع‭ ‬الآن،‭ ‬فكيف‭ ‬لا‭ ‬تستفيد‭ ‬حكومة‭ ‬نتانياهو‭ ‬وإدارة‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬العربي،‭ ‬وكيف‭ ‬يأمل‭ ‬البعض‭ ‬بتغيير‭ ‬المواقف‭ ‬الأمريكية‭ ‬والدولية‭ ‬لصالح‭ ‬الحقوق‭ ‬الوطنية‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني؟

كفى‭ ‬الأمَّة‭ ‬العربية‭ ‬والقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬ومن‭ ‬التنازلات،‭ ‬وكفى‭ ‬أيضاً‭ ‬الركون‭ ‬لوعودٍ‭ ‬أمريكية‭ ‬ودولية‭ ‬يعجز‭ ‬أصحابها‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬يريدون‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأنفسهم،‭ ‬فكيف‭ ‬بما‭ ‬يتوجّب‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬فعله‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬والعرب؟‭!‬

إضافة تعليق جديد