30 حالة انتحار ومحاولة خلال شهر أفريل.. و87 ٪ منها لدى الذكور - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 22 ماي 2020

تابعونا على

May.
25
2020

هربا من «صدمة» كورونا.. إجبارية الحجر الصحي والتباعد

30 حالة انتحار ومحاولة خلال شهر أفريل.. و87 ٪ منها لدى الذكور

الأحد 17 ماي 2020
نسخة للطباعة
تنامت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬ظاهرة‭ ‬الانتحار‭ ‬ومحاولات‭ ‬الانتحار‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أفريل‭ ‬الفارط‭ ‬تسجيل‭ ‬30‭ ‬حالة‭ ‬انتحار‭ ‬ومحاولة‭ ‬انتحار‭ ‬أغلب‭ ‬ضحاياها‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬بنسبة‭ ‬87‭ ‬بالمائة‭ ‬حسب‭ ‬تقرير‭ ‬أعده‭ ‬المنتدى‭ ‬التونسي‭ ‬للحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬وحسب‭ ‬تقرير‭ ‬المنتدى‭ ‬فان‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬26‭ ‬و35‭ ‬سنة‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬36‭ ‬و45‭ ‬سنة‭ ‬الأكثر‭ ‬إقداما‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬ومحاولة‭ ‬الانتحار‭ ‬بنسبة‭ ‬ناهزت‭ ‬66‭ ‬بالمائة‭ ‬وترتكز‭ ‬طرق‭ ‬الانتحار‭ ‬ومحاولته‭ ‬على‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬عبر‭ ‬قطع‭ ‬شرايين‭ ‬اليد‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تسجيل‭ ‬تسعة‭ ‬حالات‭ ‬تمثل‭ ‬نسبة‭ ‬30‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬أشكال‭ ‬الانتحار‭ ‬المرصودة،‭ ‬يليها‭ ‬الانتحار‭ ‬حرقا‭ ‬بنسبة‭ ‬27‭ ‬بالمائة‭ ‬ثم‭ ‬الانتحار‭ ‬شنقا‭ ‬بنسبة‭ ‬23‭ ‬بالمائة‭ ‬وإلقاء‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬علو‭ ‬شاهق‭ ‬بنسبة‭ ‬10‭ ‬بالمائة‭.‬

وتأتي‭ ‬ولاية‭ ‬سليانة‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬بتسجيلها‭ ‬ست‭ ‬حالات‭ ‬انتحار‭ ‬ومحاولات‭ ‬انتحار‭ ‬تليها‭ ‬ولايات‭ ‬المهدية‭ ‬وصفاقس‭ ‬وتونس‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬بمجموع‭ ‬12عملية‭ ‬انتحار‭ ‬ومحاولة‭.‬

ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬‮«‬نزيف‮»‬‭ ‬الانتحار‭ ‬على‭ ‬شهر‭ ‬افريل‭ ‬فقط‭ ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬الشهر‭ ‬الجاري‭ ‬كذلك‭ ‬عمليات‭ ‬انتحار‭ ‬متتالية‭ ‬ومن‭  ‬ابرز‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تسجيلها‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬ماي‭ ‬الجاري‭ ‬اقدام‭ ‬معلم‭ ‬عمره‭ ‬57‭  ‬عاما‭ ‬اصيل‭ ‬الحمامات‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬حرقا‭ ‬وذلك‭ ‬بسكب‭ ‬البنزين‭ ‬على‭ ‬جسده‭ ‬بالطريق‭ ‬الوطنية‭ ‬عدد‭ ‬1،‭ ‬كما‭ ‬أقدمت‭ ‬معلمة‭ ‬نائبة‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬حرقا‭ ‬بمدينة‭ ‬قبلي‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬الافطار‭ ‬بقليل‭ ‬بسبب‭ ‬تدهور‭ ‬ظروفها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كما‭ ‬انتحرت‭ ‬خلال‭ ‬الشهر‭ ‬الجاري‭ ‬كذلك‭ ‬امرأة‭ ‬متزوجة‭ ‬ولها‭ ‬ابناء‭ ‬حيث‭ ‬رمت‭ ‬بنفسها‭ ‬من‭ ‬شرفة‭ ‬منزلها‭ ‬بجربة‭ ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬فتاة‭ ‬عمرها‭ ‬18‭ ‬سنة‭ ‬بالانتحار‭ ‬شنقا‭ ‬بمنزل‭ ‬عائلتها‭ ‬بسجنان‭.‬

وانتحر‭ ‬طفل‭ ‬عمره‭ ‬14‭ ‬سنة‭  ‬شنقا‭ ‬بمنزل‭ ‬عائلته‭ ‬ببوسالم‭ ‬بولاية‭ ‬جندوبة‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬انتحار‭ ‬كهل‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬خلال‭ ‬اليومين‭ ‬الماضيين‭ ‬بولاية‭ ‬صفاقس‭ ‬بعد‭ ‬اقدامه‭ ‬على‭ ‬شنق‭ ‬نفسه‭.‬

ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الانتحار‭ ‬في‭ ‬العالم

ساهمت‭ ‬عديد‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬اكدت‭ ‬مريم‭ ‬صمود‭ ‬الأخصائية‭ ‬النفسية‭ ‬لـ»الصباح‮»‬‭ ‬بان‭ ‬نسبة‭ ‬الانتحار‭ ‬ارتفعت‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬ككل‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬وأوعزت‭ ‬ذلك‭ ‬الى‭ ‬حالة‭ ‬الانغلاق‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الاشخاص‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬بسبب‭ ‬اجبارية‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬ومحدودية‭ ‬التنقلات‭ ‬وما‭ ‬يخلفه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬بدني‭ ‬باعتبار‭ ‬انه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬حرية‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬التنقلات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬فجميع‭ ‬الافراد‭ ‬يعيشون‭ ‬ضغطا‭ ‬نفسيا‭ ‬كبيرا‭ ‬فهم‭ ‬مجبرون‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الشامل‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬البعض‭ ‬يعتبرها‭ ‬وكأنها‭ ‬عقوبة‭ ‬سجنية‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬الى‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الانتحار‭.‬

تغير‭ ‬المفاهيم

وأضافت‭ ‬صمود‭ ‬بان‭ ‬المفاهيم‭ ‬تغيرت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬أزمة‭ ‬كورونا‭ ‬فعلاقة‭ ‬الانسان‭ ‬بجسده‭ ‬وبالآخر‭ ‬تغيرت‭ ‬وانقلبت‭ ‬من‭ ‬مفاهيم‭  ‬القرابة‭ ‬والقرب‭ ‬للآخر‭ ‬واحتضانه‭ ‬باعتبار‭ ‬ان‭ ‬التعبير‭ ‬البدني‭ ‬يعبر‭ ‬بنسبة‭ ‬80‭  ‬بالمائة‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تبليغ‭ ‬الاحساس‭ ‬للآخر،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الظرف‭ ‬الحالي‭ ‬بقدر‭ ‬حبك‭ ‬للآخر‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تبتعد‭ ‬عنه‭ ‬لتحميه‭ ‬فالأولياء‭ ‬أصبحوا‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭  ‬مثلا‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬أبنائهم‭ ‬او‭ ‬العكس‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬تغيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬نفسية‭ ‬وذهن‭ ‬الفرد‭ ‬وهذا‭ ‬الامر‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تقبله‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الاشخاص‭ ‬المتوازنين‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بالمرضى‭ ‬الذين‭ ‬يكونون‭ ‬مهيئين‭ ‬نفسانيا‭ ‬للمرض‭ ‬بأمراض‭ ‬معينة‭ ‬او‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬مرضوا‭ ‬بها‭ ‬سابقا‭ ‬وتعافوا‭ ‬وعاودوا‭ ‬اليهم‭ ‬المرض‭ ‬مجددا‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬باعتبار‭ ‬حصول‭ ‬حدث‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬كأزمة‭ ‬كورونا‭.‬

وأضافت‭ ‬صمود‭ ‬بان‭ ‬هذه‭ ‬الازمة‭ ‬مثلت‭ ‬حدثا‭ ‬كبيرا‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشرية‭ ‬خلق‭ ‬ضغطا‭ ‬رهيبا‭ ‬مما‭ ‬سيؤدي‭ ‬الى‭ ‬تفاقم‭ ‬الامراض‭ ‬النفسية‭ ‬فمن‭ ‬كان‭ ‬مهيأ‭ ‬لظهور‭ ‬مرض‭ ‬نفسي‭ ‬سيظهر‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬كالاكتئاب‭ ‬الحاد‭ ‬والقلق‭ ‬والخوف‭ ‬النفسي‭ ‬فما‭ ‬نحن‭ ‬مطالبون‭ ‬به‭ ‬مثل‭ ‬عدم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭  ‬المنزل‭ ‬هو‭ ‬مرض‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬التعقيم‭ ‬والانعزال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والحذر‭ ‬من‭ ‬الاخر‭ ‬وهذه‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬امراض‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬الآخر

وأكدت‭ ‬صمود‭ ‬بان‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الاخر‭ ‬اصبح‭ ‬مرضا‭ ‬نفسيا‭  ‬فقد‭ ‬اصبح‭ ‬الفرد‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬الاخرين‭ ‬وينظر‭ ‬اليهم‭ ‬كعدو‭ ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬تتفاقم‭ ‬في‭ ‬الظرف‭ ‬الحالي‭ ‬حيث‭ ‬يتصور‭ ‬الفرد‭ ‬الاخرين‭ ‬كتهديد‭ ‬لوجوده‭ ‬ويحاولون‭ ‬نقل‭ ‬الفيروس‭ ‬اليه‭ ‬فهو‭ ‬ينظر‭ ‬الى‭ ‬الاخر‭ ‬كجرثومة‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيدفع‭ ‬الشخص‭ ‬الى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الانتحار‭ ‬او‭ ‬العنف‭ ‬فتصوره‭ ‬للآخر‭ ‬تغير‭ ‬باعتباره‭ ‬أصبح‭ ‬يمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭ ‬رمزا‭ ‬للمرض‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬اسباب‭ ‬الاقدام‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬كذلك‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬المتأتي‭ ‬من‭ ‬الحالة‭ ‬العامة‭ ‬الموجودة‭ ‬سابقا‭ ‬كتدهور‭ ‬الوضعية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والتي‭ ‬تدفع‭ ‬للإحباط‭ ‬وتفاقم‭ ‬الاحساس‭ ‬بالظلم‭ ‬والطبقية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬كورونا‭ ‬مما‭ ‬سيؤدي‭ ‬الى‭ ‬تفاقم‭ ‬النزعات‭ ‬المرضية‭ ‬او‭ ‬ظهورها‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬تزامن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬الذي‭ ‬تكثر‭ ‬فيه‭ ‬المسلسلات‭ ‬التي‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬او‭ ‬العنف‭ ‬مما‭ ‬سيؤدي‭ ‬الى‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبتها‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬الاشهر‭ ‬وبالتالي‭ ‬فان‭ ‬التقاء‭ ‬جملة‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬ادى‭ ‬الى‭ ‬تفاقم‭ ‬الامراض‭ ‬النفسية‭ ‬وتعمقها‭ ‬وارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬المتوافدين‭ ‬على‭ ‬العيادات‭ ‬النفسية‭.‬

‭ ‬فاطمة‭ ‬الجلاصي

 

باحث‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬لـ«الصباح‮»‬‭: ‬

‮«‬كورونا‮»‬‭ ‬أيقظ‭ ‬نوازع‭ ‬العدوانية‭ ‬وسبب‭ ‬‮«‬اضطراب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصدمة‮»‬

 

اكد‭ ‬ممدوح‭ ‬عز‭ ‬الدين‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬لـ«الصباح‮»‬‭  ‬بأن‭ ‬صيحات‭ ‬الفزع‭ ‬تواترت‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬بخصوص‭ ‬زيادة‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬وتحت‭ ‬وقع‭ ‬حالة‭ ‬الانغلاق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الكامل‭ ‬الذي‭ ‬فرضته‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭.‬

وأضاف‭ ‬بان‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬والإطارات‭ ‬الطبية‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬ومستشفيات‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬لاسيما‭ ‬خلية‭ ‬الاحاطة‭ ‬النفسية‭ ‬بضحايا‭ ‬كورونا‭ ‬التابعة‭ ‬لوزارة‭ ‬الصحة‭ ‬عبروا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملهم‭ ‬الميداني‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬الاقبال‭ ‬على‭ ‬مستشفى‭ ‬الاعصاب‭ ‬بالرازي‭ ‬ناهز‭ ‬25‭ ‬بالمائة‭ ‬وعن‭ ‬ارتفاع‭ ‬ملحوظ‭ ‬لمحاولات‭ ‬الانتحار‭ ‬خاصة‭ ‬لمن‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬نفسية‭ ‬هشة‭ ‬مؤكدين‭ ‬بان‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ساهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تدعيم‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الانتحار‭ ‬او‭ ‬التفكير‭ ‬فيه،‭ ‬وهذه‭ ‬المعطيات‭ ‬تدفعنا‭ ‬للتساؤل‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬والسلوكية‭ ‬التي‭ ‬عايشها‭ ‬التونسيون‭ ‬اثناء‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭  ‬والأسباب‭ ‬الكامنة‭ ‬وراءها؟

الاضطرابات‭ ‬الوجدانية

وفي‭  ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬اكد‭ ‬عز‭ ‬الدين‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يمكن‭ ‬تصنيف‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬التونسيون‭ ‬اثناء‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬الى‭ ‬ثلاثة‭ ‬انماط‭ ‬وهي‭ :‬

الاضطرابات‭ ‬الوجدانية‭ ‬العاطفية‭ ‬حيث‭ ‬ايقظت‭ ‬كورونا‭ ‬نوازع‭ ‬الذعر‭ ‬والخطر‭ ‬والعدوانية‭ ‬وساهمت‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬المشاعر‭ ‬السلبية‭ ‬مثل‭ ‬الخوف‭ ‬الشديد‭ ‬والحرمان‭ ‬والغضب‭ ‬والريبة‭ ‬من‭ ‬الاخرين‭ ‬وإصابة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‮»‬اضطراب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصدمة‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬اضطراب‭ ‬يقع‭ ‬لمن‭ ‬تعرضوا‭ ‬لأحداث‭ ‬مروعة‭ ‬عرضتهم‭ ‬للتهديد‭ ‬الشديد‭ ‬او‭ ‬الخطر‭ ‬الداهم‭ ‬المهدد‭ ‬لحياتهم‭ ‬او‭ ‬سلامتهم‭ ‬وتنتج‭ ‬عنه‭ ‬حالات‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والتوتر‭ ‬والقلق‭ ‬المزمن‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭ ‬كما‭  ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الاشخاص‭ ‬لانتهاج‭ ‬العنف‭ ‬تجاه‭ ‬الاخرين‭ ‬او‭ ‬تجاه‭ ‬انفسهم‭ ‬عبر‭ ‬اقدامهم‭ ‬على‭ ‬محاولة‭ ‬الانتحار‭ ‬او‭ ‬الانتحار‭.‬

الاضطرابات‭ ‬الادراكية

اما‭ ‬النمط‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الادراكية‭  ‬وتتمثل‭ ‬اهمها‭ ‬في‭ ‬تحيزات‭ ‬رؤى‭ ‬الذات‭ ‬والآخر‭ ‬والمقصود‭ ‬بها‭ ‬تلك‭ ‬التحيزات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بادراك‭ ‬الاشخاص‭ ‬لذواتهم‭ ‬وللآخرين‭ ‬فان‭ ‬كانت‭ ‬القاعدة‭ ‬القانونية‭ ‬تقر‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬متهم‭ ‬بريء‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬ادانته‭ ‬فانه‭ ‬في‭  ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬تصبح‭ ‬القاعدة‭ ‬كالتالي‭ ‬‮«‬كل‭ ‬شخص‭ ‬مدان‭ ‬بالكورونا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬براءته‮»‬‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬مصاب‭ ‬محتمل‭ ‬بالفيروس‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬العكس‭ ‬لذلك‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬التباعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للتوقي‭ ‬مما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يرتاب‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬لذلك‭ ‬فان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬يرتفع‭ ‬لديهم‭ ‬منسوب‭ ‬الهوس‭ ‬والعدوان‭ ‬فتزداد‭ ‬الممارسة‭ ‬العنفية‭ ‬وسيطرة‭ ‬الافكار‭ ‬النمطية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اصدار‭ ‬الافكار‭ ‬المسبقة‭ ‬والمتحيزة‭ ‬تجاه‭ ‬الاخر‭.‬

الاضطرابات‭ ‬السلوكية

اما‭ ‬النمط‭ ‬الثالث‭ ‬فهو‭ ‬الاضطرابات‭ ‬السلوكية‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المراوحة‭ ‬بين‭ ‬التمرد‭ ‬والسلوك‭ ‬المتشنج‭ ‬والعنيف‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والسلبية‭ ‬المطلقة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬اخرى‭ ‬حيث‭ ‬نلاحظ‭ ‬وجود‭ ‬فائتين‭ ‬متضادتين‭ ‬الاولى‭ ‬اتخذت‭ ‬التمرد‭ ‬والاحتجاج‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مواقفها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاحتجاج‭ ‬على‭ ‬ايواء‭ ‬المصابين‭ ‬المحتملين‭ ‬بالفيروس‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬سكناهم‭ ‬او‭ ‬منع‭ ‬دفن‭ ‬من‭ ‬يموت‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬المقابر‭ ‬التي‭ ‬يقطنون‭ ‬بجانبها‭ ‬واعتماد‭ ‬الوصم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المصابين‭ ‬وكأنهم‭ ‬مجرمون‭ ‬خطيرون،‭ ‬اما‭ ‬الفئة‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭ ‬سلبية‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الفيروس‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬والقدرية‭ ‬الخانعة‭ ‬يدفعها‭ ‬الاحباط‭ ‬والإحساس‭ ‬بـ»اللايقين‮»‬‭ ‬الى‭ ‬اليأس‭  ‬وحتى‭ ‬الانتحار‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬الانتحار‭ ‬رمزيا‭ ‬كعدم‭ ‬الامتثال‭ ‬للحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الشامل‭ ‬وعدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتباعد‭ ‬الجسدي‭ ‬كما‭ ‬نلاحظه‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬الهامش‭ ‬الذي‭ ‬يشمل‭ ‬كل‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭  ‬والمجالات‭ ‬السكنية‭  ‬التي‭ ‬تتواجد‭ ‬خارج‭ ‬المنظومة‭ ‬الرسمية‭ ‬من‭  ‬الادماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للدولة‭ ‬والتي‭ ‬تفضل‭ ‬ان‭ ‬تموت‭ ‬بالفيروس‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬جوعا‭ ‬فضمان‭ ‬القوت‭ ‬اليومي‭ ‬اولوية‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬سيأتي‭ ‬اثر‭ ‬ذلك‭ ‬اقل‭ ‬اهمية‭ ‬وفي‭ ‬ذروة‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والإحباط‭ ‬يلتجئ‭ ‬البعض‭ ‬الى‭ ‬الانتحار‭ ‬الفعلي‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬عابرة‭ ‬للتصنيف‭ ‬الطبقي‭ ‬تصيب‭ ‬خصوصا‭ ‬الاشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الشخصية‭ ‬الهشة‭.‬

وأضاف‭ ‬عز‭ ‬الدين‭ ‬بان‭ ‬كورونا‭ ‬ايقظت‭ ‬عمليا‭ ‬نوازع‭ ‬الذعر‭ ‬والخطر‭ ‬والعدوانية‭ ‬وأعادت‭ ‬ترتيب‭ ‬علاقاتنا‭ ‬مع‭ ‬انفسنا‭ ‬ومع‭ ‬الاخرين‭ ‬والعالم‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬يتميز‭ ‬بارتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬المخاطر‭ ‬و»اللايقين‮»‬‭ ‬وأدت‭ ‬الى‭ ‬مصادرة‭ ‬ثقافة‭ ‬الجسد‭ ‬كفعل‭ ‬وسلوك‭ ‬لتصبح‭ ‬قيدا‭ ‬اذ‭ ‬اصبحت‭ ‬الحواس‭ ‬مهددة‭  ‬كاللمس‭ ‬والسمع‭ ‬والنظر‭ ‬وأصبحنا‭ ‬مطالبين‭ ‬بوضع‭ ‬مسافات‭ ‬قيدية‭ ‬وأمست‭ ‬النظافة‭ ‬عادة‭ ‬مبالغا‭ ‬فيها‭ ‬فالرقابة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الهويات‭ ‬والسجل‭ ‬العدلي‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬ستمتد‭ ‬ايضا‭ ‬نحو‭ ‬قياس‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬الجسد‭ ‬فكورونا‭ ‬جعلت‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬يمارس‭ ‬دور‭ ‬البوليس‭ ‬الصحي‭ ‬تجاه‭ ‬الاخرين‭ ‬فالنظام‭ ‬الرقابي‭ ‬الجديد‭ ‬يسقط‭ ‬القيم‭ ‬الجمعية‭ ‬كالتجمع‭ ‬والتحية‭ ‬عبر‭ ‬الاحتكاك‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الفرد‭ ‬منعزلا‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬وتصبح‭ ‬الجماعة‭ ‬مفككة‭ ‬كما‭ ‬يصبح‭ ‬الاستعداد‭ ‬للموت‭ ‬يتربص‭ ‬بالحركة‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬يقظة‭ ‬الحواس‭ ‬والهلع‭ ‬من‭ ‬الغير‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬ملامسة‭ ‬الاشياء‭ ‬والترقب‭ ‬والشك‭ ‬الغريزي‭ ‬للبقاء‭ ‬والذي‭ ‬تتفكك‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬العلاقات‭ ‬ويفقد‭ ‬الجسد‭ ‬حميميته‭ ‬مع‭ ‬الغير‭.‬

وعموما‭ ‬فان‭ ‬نسبة‭ ‬الانتحار‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬محدودة‭ ‬وهي‭ ‬اقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬المعدل‭ ‬العالمي‭ ‬المقدر‭ ‬بـ11‭ ‬حالة‭ ‬على‭ ‬100‭ ‬الف‭ ‬ساكن‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الانتحار‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬حسب‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬3‭.‬4‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬100‭ ‬الف‭ ‬ساكن‭ ‬ورغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬الى‭ ‬اخر‭ ‬بفعل‭ ‬ازمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجائحة‭ ‬كورونا‭ ‬فان‭ ‬الانتحار‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬باعتبار‭ ‬محدودية‭ ‬عاملي‭ ‬الكثافة‭ ‬والتواتر‭ ‬فكورونا‭ ‬عمقت‭ ‬ازمة‭ ‬الفردانية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والتي‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬مقولة‭ ‬التمركز‭ ‬المفرط‭ ‬والجنوني‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬وهي‭ ‬فردانية‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬المشكلات‭ ‬الاجتماعية‭  ‬سوى‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬اشكال‭ ‬الاخفاق‭ ‬الشخصي‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الخلاص‭ ‬منها‭ ‬الا‭ ‬بالشكل‭ ‬الفردي‭ ‬ولو‭ ‬استدعى‭ ‬الامر‭ ‬اللجوء‭ ‬الى‭ ‬الانتحار‭ ‬لمواجهة‭ ‬مشاكل‭ ‬وتحديات‭ ‬يعجز‭ ‬الشخص‭ ‬عن‭ ‬حلها‭ ‬بمفرده‭.‬

 

‭ ‬فاطمة‭ ‬الجلاصي

إضافة تعليق جديد