النكبة.. ما بين المتاهة والجذور - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 22 ماي 2020

تابعونا على

May.
25
2020

النكبة.. ما بين المتاهة والجذور

الجمعة 15 ماي 2020
نسخة للطباعة
بقلم: موفق مطر

أوقعت‭ ‬المنظومة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬نكبة‭ ‬بمقدرات‭ ‬مادية‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬لم‭ ‬تقدر‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬نكبة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الفردي‭ ‬والجمعي‭ ‬لشعب‭ ‬فلسطين‭.‬

استولوا‭ ‬بإرهابهم‭ ‬وإجرامهم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والبيت‭ ‬وهجروا‭ ‬وشردوا‭ ‬وقتلوا‭ ‬وارتكبوا‭ ‬المجازر‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يقدروا‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬نكبة‭ ‬ثقافية‭ ‬فينا،‭ ‬وفشلوا‭ ‬في‭ ‬إدخالنا‭ ‬متاهة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬والجذور‭ ‬والكيانية‭ ‬السياسية‭ ‬كما‭ ‬فعلوا‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬قطعوا‭ ‬تاريخها‭ ‬عن‭ ‬حاضرها‭ ‬وربطوا‭ ‬مستقبلها‭ ‬بمصالحهم،‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬بلا‭ ‬جذور‭.‬

عجزت‭ ‬المنظومة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬ومعها‭ ‬منظومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاستيطاني‭ ‬العنصري‭ ‬عن‭ ‬تطبيق‭ ‬بنود‭ ‬برنامجها‭ ‬لتثبيت‭ ‬قواعدها،‭ ‬اذ‭ ‬فلحت‭ ‬في‭ ‬نزع‭ ‬القلب‭ ‬الأصلي‭ (‬الثقافة‭) ‬واستبدلته‭ ‬بصناعي،‭ ‬لكنها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬سحب‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الشخصية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط‭ ‬أن‭ ‬المناعة‭ ‬الوطنية‭ ‬كانت‭ ‬قوية‭ ‬ومهيأة‭ ‬لصد‭ ‬غزوات‭ ‬وباء‭ ‬الصهيونية‭ ‬الاستعمارية‭.‬

لم‭ ‬يفلح‭ ‬المستعمرون‭ ‬في‭ ‬تبديد‭ ‬الوعي‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية،‭ ‬واحلال‭ ‬الخوف‭ ‬والرعب‭ ‬والرضى‭ ‬بالذل‭ ‬والعبودية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكرامة‭ ‬والحرية‭ ‬رغم‭ ‬تعدد‭ ‬اساليب‭ ‬الجريمة‭ ‬ضد‭ ‬الانسانية‭ ‬وتنوع‭ ‬الاسلحة‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬المجازر،‭ ‬وحملات‭ ‬التشريد‭ ‬والتهجير‭ ‬فالفلسطيني‭ ‬كان‭ ‬يخرج‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬جولة‭ ‬اقوى،‭ ‬فيما‭ ‬استطاع‭ ‬مستثمرو‭ ‬المشكلة‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬اوروبا‭ ‬إدخال‭ ‬معظم‭ ‬يهود‭ ‬اوروبا‭ ‬واليهود‭ ‬العرب‭ ‬الى‭ ‬أتون‭ ‬مشروع‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى‭ (‬الاستعماري‭) ‬ودفعوهم‭ ‬الى‭ ‬دخول‭ ‬نكبة‭ ‬بلا‭ ‬حدود،‭ ‬عندما‭ ‬خدعوهم‭ ‬بوعد‭ ‬فأخرجوهم‭ ‬من‭ ‬مواطنهم‭ ‬الأصلية‭ ‬تمهيدا‭ ‬لإحداث‭ ‬النكبة‭ ‬بشعب‭ ‬فلسطيني،‭ ‬وأدخلوهم‭ ‬متاهة‭ ‬ظنوها‭ ‬طوق‭ ‬نجاة‭ ‬مما‭ ‬حدث‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬الأصلية،‭ ‬فيما‭ (‬المستثمرون‭ ‬الكبار‭) ‬منهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬والعالم‭ ‬ايضا‭ ‬كانوا‭ ‬يعلمون‭ ‬تفاصيل‭ ‬خارطة‭ ‬ألغامها‭ ‬وما‭ ‬زالوا‭ ‬يملكون‭ ‬خارطتها‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬قارة‭ ‬الى‭ ‬أخرى‭ ‬واستقرت‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬ادراج‭ ‬ادارة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭.‬

حافظ‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المظلوم‭ ‬على‭ ‬هويته‭ ‬المتبلورة‭ ‬اصلا،‭ ‬أما‭ ‬الذين‭ ‬أرادوا‭ ‬له‭ ‬النكبة‭ ‬فقد‭ ‬نزعوا‭ ‬روح‭ ‬الانسانية‭ ‬وأبقت‭ ‬معظم‭ ‬جمهور‭ ‬مشروعهم‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الاحتلالي‭ ‬مجردا‭ ‬منها،‭ ‬وبذلك‭ ‬دخلوا‭ ‬متاهة‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭ ‬بتحولهم‭ ‬من‭ ‬مظلومين‭ ‬في‭ ‬اوروبا‭ ‬الى‭ ‬ظالمين‭ ‬لشعب‭ ‬فلسطين‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬بفعل‭ ‬النكبة‭ ‬الى‭ ‬مركز‭ ‬تحرر‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬والى‭ ‬كاشف‭ ‬بدقة‭ ‬لأخطر‭ ‬مشروع‭ ‬استعماري‭ ‬احتلالي‭ ‬استيطاني‭ ‬عنصري‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬منطقة‭ ‬حضارية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬الفروقات‭.‬

لقد‭ ‬حاولوا‭ ‬دفعنا‭ ‬للدخول‭ ‬الى‭ ‬المتاهة،‭ ‬ليفرحوا‭ ‬بفقدان‭ ‬هويتنا‭ ‬وثقافتنا‭ ‬وروحنا‭ ‬الانسانية،‭ ‬لكننا‭ ‬صمدنا،‭ ‬صبرنا،‭ ‬قاومنا،‭ ‬خسرنا،‭ ‬ارتقى‭ ‬منا‭ ‬ضحايا‭ ‬شهداء‭ ‬اطفال‭ ‬ونساء‭ ‬ورجال‭ ‬وشباب‭ ‬وشيوخ‭.. ‬حتى‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬غادره‭ ‬اجدادنا‭ ‬تحت‭ ‬نزعة‭ ‬الخوف،‭ ‬بقي‭ ‬مفتاحه‭ ‬اغنى‭ ‬واغلى‭ ‬الموروثات،‭ ‬وبقيت‭ ‬جدرانه‭ ‬وقبابه‭ ‬وشبابيكه‭ ‬شاهدا‭ ‬تاريخيا،‭ ‬ولو‭ ‬فحص‭ (‬التائهون‭) (‬العابرون‭) ‬ما‭ ‬بين‭ ‬شقوقها‭ ‬لوجدوا‭ ‬آدم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الأول‭ ‬نفسه‭ ‬هناك‭.‬

بقيت‭ ‬جذورنا‭ ‬هنا،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬اضطررنا‭ ‬للرحيل‭ ‬الى‭ ‬هناك،‭ ‬لم‭ ‬نقلعها‭ ‬ونرحل‭ ‬بها،‭ ‬فجذور‭ ‬الوطن‭ ‬تنمو‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬اصحابه‭ ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬غابت‭ ‬عن‭ ‬أذهان‭ ‬الغزاة‭ ‬والمستعمرين،‭ ‬لقد‭ ‬أدركوها‭ ‬حتى‭ ‬بعدما‭ ‬اخذتنا‭ ‬الرياح‭ ‬العاتية‭ ‬بعيدا،‭ ‬ليكتشفوا‭ ‬بعد‭ ‬حين‭ ‬ومن‭ ‬اطلالة‭ ‬اللاجئ‭ ‬الفلسطيني‭ ‬او‭ ‬ابنه‭  ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬حفيده‭ ‬بهيئة‭ ‬الحق،‭ ‬بقامة‭ ‬وهامة‭ ‬الفدائي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬العائد‭ ‬الى‭ ‬وطنه،‭ ‬فالرحيل‭ ‬لم‭ ‬يسلخنا‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا‭ ‬خلع‭ ‬منا‭ ‬قلوب‭ ‬عقولنا‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬صدورنا،‭ ‬فالجغرافيا‭ ‬صورة‭ ‬دنيا‭ ‬لوطن‭ ‬اعظم‭ ‬اسمه‭ ‬ثقافة،‭ ‬فيها‭ ‬التاريخ‭ ‬والتراث‭ ‬واللغة‭ ‬فيها‭ ‬الحاضر‭ ‬والحرية‭ ‬والاستقلال،‭ ‬فيها‭ ‬التحرر‭ ‬والعدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬فيها‭ ‬الانسانية‭ ‬بأجمل‭ ‬تجلياتها‭.‬

غفل‭ ‬المستعمرون‭ ‬السابقون‭ ‬كما‭ ‬يغفل‭ ‬اللاحقون‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬ان‭ ‬جذور‭ ‬انسان‭ ‬فلسطين‭ ‬لا‭ ‬تموت،‭ ‬وأن‭ ‬التيه‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الغدر‭ ‬بالقيم‭ ‬الانسانية‭.. ‬والتحول‭ ‬عن‭ ‬سابق‭ ‬تصميم‭ ‬وترصد‭ ‬الى‭ ‬عالم‭ ‬الشر‭ ‬والباطل‭ ‬حيث‭ ‬سفك‭ ‬الدماء‭ ‬والاستبداد‭ ‬والاحتلال‭ ‬والعنصرية‭ ‬سيعرفون‭ ‬ويدركون‭ ‬ان‭ ‬بيت‭ ‬الخير‭ ‬وشجرة‭ ‬الانسان‭ ‬المقدسة‭ ‬قد‭ ‬حافظ‭ ‬عليها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬طيبة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬زمانه‭ ‬اللانهائي‭ ‬على‭ ‬ارض‭ ‬وطنه،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬زمان‭ ‬افضل‭ ‬للانسانية‭ ‬الذي‭ ‬تحاول‭ ‬المنظومة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬العالمية‭ ‬وشريكتها‭ ‬الصهيونية‭ ‬اجتثاثها‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬الأحرار‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لبناء‭ ‬عرش‭ ‬وتاج‭ ‬جديد‭ ‬لامبراطورية‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الناس‭ ‬إلا‭ ‬مجرد‭ ‬عبيد،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬قد‭ ‬حول‭ ‬نكبته‭ ‬الى‭ ‬ثورة‭ ‬وتحرر‭ ‬وعطاء‭ ‬نضال‭ ‬بلاد‭ ‬حدود‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الحرية،‭ ‬فبالوطنية‭ ‬تجاوزنا‭ ‬النكبة‭ ‬وأسسنا‭ ‬لثقافة‭ ‬التحرر‭ ‬والاستقلال‭ ‬بالفكرة‭ ‬والقرار‭.‬

إضافة تعليق جديد