عنف منزلي.. جرائم جديدة وارتفاع حالات الانتحار - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 6 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
7
2020

ملف..ماذا فعل كورونا بالتونسيين؟

عنف منزلي.. جرائم جديدة وارتفاع حالات الانتحار

الاثنين 11 ماي 2020
نسخة للطباعة
ملف‭ ‬من‭ ‬إعداد‭: ‬أروى‭ ‬الكعلي

ليست‭ ‬أزمة‭ ‬كوفيد‭ ‬19‭ ‬أزمة‭ ‬تونسية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬ومازالت‭ ‬حدثا‭ ‬عالميا‭ ‬اختلف‭ ‬وقعه‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬الى‭ ‬أخرى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬الفيروس‭ ‬وفتكه‭ ‬بآلاف‭ ‬المواطنين‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬النقطة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬أولويات‭ ‬جميع‭ ‬الدول،‭ ‬ليكون‭ ‬هاجس‭ ‬الحكومات‭ ‬والعلماء‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬فيها‭ ‬تتفاقم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬شهري‭ ‬فيفري‭ ‬ومارس‭ ‬الماضيين‭. ‬ولكن‭ ‬كوفيد‭ ‬19‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬جاء‭ ‬ليجد‭ ‬البلاد‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أزمتين‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وفوقهما‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬هيكلية‭ ‬تجعل‭ ‬عديد‭ ‬المحللين‭ ‬يصفون‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التونسية‭ ‬بغير‭ ‬الناجعة‭.‬

ولتفادي‭ ‬السيناريو‭ ‬الأسوأ‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبية‭ ‬مثل‭ ‬إيطاليا‭ ‬واسبانيا‭ ‬وحتى‭ ‬فرنسا‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تسجل‭ ‬مئات‭ ‬الوفيات‭ ‬يوميا‭ ‬بسبب‭ ‬كورونا،‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الشامل‭ ‬مبكرا‭ ‬نسبيا‭ ‬لتفادي‭ ‬نتائج‭ ‬مماثلة‭.‬

وكان‭ ‬بذلك‭ ‬على‭ ‬العدد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬التونسيين‭ ‬باختلاف‭ ‬ظروفهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمالية‭ ‬وسلامة‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬وتوفر‭ ‬القوت‭ ‬اليومي‭ ‬أن‭ ‬يبقوا‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬وأن‭ ‬يتعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬التخوف‭ ‬من‭ ‬الفيروس‭ ‬ومتابعة‭ ‬أخباره‭ ‬أولا‭ ‬بأول‭ ‬ليضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ضغوط‭ ‬نفسية‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬لتتفاقم‭ ‬الأوضاع‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬مالية‭ ‬ومعيشية‭ ‬يومية‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يملك‭ ‬قوت‭ ‬يومه‭.‬

هذه‭ ‬التجربة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬والبقاء‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬لفترات‭ ‬مطولة‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬بالضرورة‭ ‬انعكاسات‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭.‬

‮«‬الصباح‭ ‬الأسبوعي‮»‬‭ ‬تحاول‭ ‬التعرف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬أنتجها‭ ‬الحجر‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬التونسيين‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬خبراء‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والنفس‭ ‬لتفسير‭ ‬ازدياد‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف،‭ ‬والنتائج‭ ‬النفسية‭ ‬للحجر‭ ‬والعادات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبها‭ ‬التونسيين‭ ‬والمرور‭ ‬بامتحان‭ ‬الحجر‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬محرارا‭ ‬لمدى‭ ‬متانة‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إعادة‭ ‬تقسيم‭ ‬الأدوار‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭.‬

 

◄‭ ‬العنف‭ ‬‮«‬رد‭ ‬طبيعي‮»‬‭ ‬على‭ ‬الاحتجاز‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬صغيرة‭ ‬مع‭ ‬ضغوطات‭ ‬مادية

◄‭ ‬ضحايا‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬الضاغطة‭ ‬هي‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬نفسية‭ ‬وثقافية‭ ‬واقتصادية

تعد‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬معضلة‭ ‬متواصلة‭ ‬شهدت‭ ‬وتيرة‭ ‬متصاعدة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬فكثيرة‭ ‬هي‭ ‬التقارير‭ ‬الإخبارية‭ ‬التي‭ ‬تتابع‭ ‬تطور‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬وارتفاع‭ ‬الجرائم‭ ‬البشعة‭ ‬والقتل‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬الواحدة‭. ‬وبلغة‭ ‬الأرقام‭ ‬تشير‭ ‬‮«‬الصباح‭ ‬الأسبوعي‮»‬‭ ‬في‭ ‬جانفي‭ ‬الفارط‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬تشهد‭ ‬ارتكاب‭ ‬ما‭ ‬معدله‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و25‭ ‬جريمة‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الواحدة‭ ‬وبعملية‭ ‬حسابية‭ ‬بسيطة‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يمر‭ ‬علينا‭ ‬يسجل‭ ‬ارتكاب‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬جريمة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭. ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬أزمة‭ ‬الكوفيد‭-‬19‭ ‬والحظر‭ ‬الصحي‭ ‬الإجباري‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬الماضي،‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬تتفاعل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬مع‭ ‬الأوضاع‭ ‬الصحية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الجديدة‭. ‬وتجعلنا‭ ‬نتساءل‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الحظر‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬منسوب‭ ‬الجريمة‭ ‬يتراجع‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬غالبية‭ ‬القوت‭ ‬الذي‭ ‬يقضيه‭ ‬المواطنون‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭ ‬إلى‭ ‬داخله‭.‬

وهنا‭ ‬سننطلق‭ ‬بمؤشر‭ ‬قد‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض،‭ ‬فقد‭ ‬يفسر‭ ‬تراجع‭ ‬تحرك‭ ‬المواطنين‭ ‬وتجولهم‭ ‬وتراجع‭ ‬‮«‬البراكاجات‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬نسبة‭ ‬الجريمة‭ ‬بـ23‭% ‬عندما‭ ‬نقارن‭ ‬شهري‭ ‬مارس‭ ‬2019‭ ‬و2020‭ ‬وهو‭ ‬الرقم‭ ‬الذي‭ ‬أعلنه‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬باسم‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬تراجعا‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الاستثمار‮»‬‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أفريل‭ ‬وسنأتي‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬لاحقا‭.‬

أما‭ ‬داخل‭ ‬المنزل،‭ ‬ومنذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للحجر‭ ‬الصحي،‭ ‬بدأت‭ ‬المؤشرات‭ ‬السلبية‭ ‬تظهر،‭ ‬فقد‭ ‬تضاعفت‭ ‬معدلات‭ ‬العنف‭ ‬المنزلي‭ ‬خمس‭ ‬مرات‭. ‬وأصبح‭ ‬المنزل‭ ‬بؤرة‭ ‬عنف‭ ‬خطيرة‭ ‬زمن‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬المنزلي‭ ‬ظاهرة‭ ‬متواصلة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭.‬

الضغط‭ ‬يولد‭ ‬الانفجار

الباحث‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬طارق‭ ‬الحاج‭ ‬محمد‭ ‬يوضح‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـ»الصباح‭ ‬الأسبوعي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أي‭ ‬وضعية‭ ‬ضاغطة‭ ‬تولد‭ ‬حتما‭ ‬الانفجار‭ ‬في‭ ‬العواطف‭ ‬والسلوك،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تزايد‭ ‬حالات‭ ‬العنف‭ ‬الزوجي‭ ‬والعنف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬وضعية‭ ‬ضاغطة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المادي‭ ‬والنفسي‭ ‬والاقتصادي‭.‬‮»‬‭ ‬ويتابع‭ ‬محدثنا‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬حين‭ ‬يترافق‭ ‬الاحتجاز‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬لأيام‭ ‬وأسابيع‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬صغيره‭ ‬وضيقة‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬وضيق‭ ‬اقتصادي،‭ ‬فحتما‭ ‬سيكون‭ ‬العنف‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬تواترا‭ ‬وظهورا‭.‬‮»‬

لكل‭ ‬زمن‭ ‬جرائمه

وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬قد‭ ‬يجعلنا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬خروج‭ ‬الناس‭ ‬للشارع‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬معدلات‭ ‬الجريمة،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعليا‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬للعنف،‭ ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬هشام‭ ‬المشيشي‭ ‬في‭ ‬أفريل‭ ‬الفارط‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬السلوكيات‭ ‬الإجرامية‭ ‬للمواطنين‭ ‬قد‭ ‬تغيرت‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الشامل‭ ‬مما‭ ‬انجر‭ ‬عنه‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬منسوب‭ ‬الجريمة‭.‬‮»‬‭ ‬وهذه‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬‮«‬ازدهرت‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬‮«‬جرائم‭ ‬الاحتكار‭ ‬وترويج‭ ‬سلع‭ ‬غير‭ ‬مطابقة‭ ‬للمواصفات‭ ‬خاصة‭ ‬المواد‭ ‬الطبية‭ ‬والوقائية‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والجريمة‭ ‬الالكترونية‭ ‬والتحيل‭ ‬والسرقة‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬هدفا‭ ‬لها‭ ‬منازل‭ ‬وممتلكات‭ ‬المواطنين‭ ‬المقيمين‭ ‬بالخارج‮»‬‭. ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬الجرائم‭ ‬المرتبطة‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بوضع‭ ‬الحجر‭ ‬مثل‭ ‬خرق‭ ‬حظر‭ ‬التجول‭ ‬والحجر‭ ‬الصحي،‭ ‬والتي‭ ‬تظهر‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬الذي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬وتهريب‭ ‬الأشخاص‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬أخرى‭ ‬لوزير‭ ‬الداخلية‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الإيقافات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬القيام‭ ‬بها‭ ‬لمواطنين‭ ‬لم‭ ‬يحترموا‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬العام‭ ‬وحظر‭ ‬التجول‭ ‬تتراوح‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬100‭ ‬و150‭ ‬إيقاف‭ ‬يومي‭.‬

الأسباب‭ ‬التي‭ ‬يكن‭ ‬أن‭ ‬تفسر‭ ‬خرق‭ ‬المواطنين‭ ‬متعددة‭ ‬للحجر‭ ‬متعددة،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمواطنين‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬بدا‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬قوتهم‭ ‬وقوت‭ ‬أبنائهم‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يعتبر‭ ‬خبراء‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬أنهم‭ ‬يعبرون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬تمردهم‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬ظروفهم‭ ‬ولا‭ ‬تهميشهم‭ ‬الذي‭ ‬تواصل‭ ‬لعقود‭ ‬باختلاف‭ ‬الأزمنة‭ ‬والسياقات‭.‬

ويبرز‭ ‬بلحاج‭ ‬محمد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬يلاحظ‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬منسوب‭ ‬العنف‭ ‬ينتشر‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬باعتبار‭ ‬واقع‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنفسية‭ ‬والمادية‭ ‬لطيف‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬الأحياء‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬ظروف‭ ‬صعبة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬العادية‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بظروف‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬كابوسا‭ ‬لطيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬وعلى‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة‭.‬‮»‬‭ ‬ويرى‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬حين‭ ‬تترافق‭ ‬صعوبات‭ ‬الحاضر‭ ‬ويغيب‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬وتضغط‭ ‬ظروف‭ ‬الحياة،‭ ‬فإن‭ ‬الانفجار‭ ‬سيكون‭ ‬حتميا‭ ‬ويأخذ‭ ‬ترجمة‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬بكل‭ ‬أنواعه‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬أسريا‭ ‬أو‭ ‬اجتماعيا‭.‬‮»‬‭ ‬ويعود‭ ‬بلحاج‭ ‬محمد‭ ‬للتأكيد‭ ‬أن‭ ‬وتيرة‭ ‬العنف‭ ‬تزايدت‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬وساهم‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬تعزيزها‭.‬

الانتحار‭ ‬من‭ ‬علو

الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬المنجرة‭ ‬عن‭ ‬الحجر‭ ‬قد‭ ‬فاقمت‭ ‬أيضا‭ ‬ظاهرة‭ ‬سجلت‭ ‬حضورها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬وبعدها‭. ‬فقد‭ ‬تزايد‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬شكلا‭ ‬لها‭ ‬إلقاء‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬عال‭ ‬بنسبة‭ ‬30‭ ‬بالمائة‭ ‬ويتركز‭ ‬الضحايا‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭. ‬وتعد‭ ‬ظاهرة‭ ‬الانتحار‭ ‬أكثر‭ ‬تمظهرات‭ ‬العنف‭ ‬الموجه‭ ‬نحو‭ ‬الذات‭ ‬بانتفاء‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬أو‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭.‬

ويبرز‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬طارق‭ ‬الحاج‭ ‬محمد‭ ‬في‭ ‬تصريحه‭ ‬لـ«الصباح‭ ‬الأسبوعي‮»‬‭ ‬بخصوص‭ ‬ارتفاع‭ ‬حالات‭ ‬الانتحار‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬حين‭ ‬يلاحقنا‭ ‬الماضي‭ ‬بآلامه‭ ‬وكوابيسه،‭ ‬وحين‭ ‬يحاصرنا‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬مشاكلنا‭ ‬المتراكمة‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬وحين‭ ‬نفقد‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬فهل‭ ‬تبقى‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬خيارات‭ ‬كبرى‭ ‬لانجازها‭ ‬في‭ ‬الحياة؟‮»‬‭ ‬ويتابع‭ ‬‮«‬هي‭ ‬وضعية‭ ‬ضاغطة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭ ‬وسيكون‭ ‬أكبر‭ ‬ضحياها‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬نفسية‭ ‬وثقافية‭ ‬واقتصادية‭.‬‮»‬

هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬الخريطة‭ ‬لظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬المقلقة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬قبل‭ ‬الحجر‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬خطورته‭ ‬قد‭ ‬زادت‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬وتنبئ‭ ‬بزيادة‭ ‬تفاقمه‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬خطوة‭ ‬طوارئ‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬عقدته‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الصعبة‭ ‬وجاءت‭ ‬أزمة‭ ‬الكورونا‭ ‬لنزيد‭ ‬من‭ ‬التهابه‭.‬

ماذا‭ ‬فعل‭ ‬كورونا‭ ‬بالتونسيين؟‭ ‬

الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬‮«‬امتحانا‮»‬‭ ‬للتونسي‭ ‬ومتانة‭ ‬علاقاته‭ ‬الأسرية‭ ‬

طرحت‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الشامل‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الموجه‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬على‭ ‬عديد‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭ ‬تحديات‭ ‬نفسية‭ ‬أمام‭ ‬التونسيين‭ ‬للتأقلم‭ ‬مع‭ ‬الأوضاع‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬نجح‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تجاوزها‭ ‬بسلام‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬ربما‭ ‬دون‭ ‬أضرار‭ ‬نفسية‭ ‬أو‭ ‬عائلية‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬المشاكل‭ ‬والتحديات‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬دوامة‭ ‬الروتين‭ ‬اليومي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تدفعها‭ ‬نحو‭ ‬القاع،‭ ‬بشكل‭ ‬يخول‭ ‬دائما‭ ‬للحياة‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭. ‬وهنا‭ ‬قد‭ ‬نطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬متعددة‭ ‬حول‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬هده‭ ‬الفترة‭ ‬قد‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬وقتية‭ ‬أو‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬التونسي‭ ‬وعلاقته‭ ‬بعائلته‭ ‬وبما‭ ‬حتى‭ ‬بنفسه؟‭ ‬

المختص‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬عبد‭ ‬الباسط‭ ‬الفقي‭ ‬يشير‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـ»الصباح‭ ‬الأسبوعي‮»‬‭ ‬إلى»أننا‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬الجزم‭ ‬بأن‭ ‬أزمة‭ ‬الكورونا‭ ‬قد‭ ‬غيرت‭ ‬التونسيين،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يستوجب‭ ‬القيام‭ ‬بدراسات‭ ‬كمية‭ ‬فنحاول‭ ‬أن‭ ‬نقيس‭ ‬إن‭ ‬حدث‭ ‬تغير‭ ‬أم‭ ‬لا‭.‬‮»‬‭ ‬فالمسألة‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬عديد‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬وأن‭ ‬تستنتج‭ ‬ربما‭ ‬إن‭ ‬أدت‭ ‬أزمة‭ ‬هذه‭ ‬الكورونا‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬لدى‭ ‬التونسيين‭  ‬شبيهة‭ ‬ربما‭ ‬بالتغيرات‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬الثورة‭. ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هنالك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدمها‭ ‬المختصون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭. ‬

المقهى‭ ‬امتداد‭ ‬للصالون

يوضح‭ ‬عبد‭ ‬الباسط‭ ‬الفقيه‭ ‬في‭ ‬تصريحه‭ ‬لـ»الصباح‭ ‬الأسبوعي‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاهدة‭ ‬اليومية‭ ‬يمكن‭ ‬تقديم‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬حول‭ ‬سلوك‭ ‬التونسي،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬تغيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬بالانتقال‭ ‬من‭ ‬المقهى‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعد‭ ‬امتدادا‭ ‬إلى‭ ‬الصالون‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الذكور‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬الحصة‭ ‬الصباحية‭ ‬والمسائية‭. ‬

وقد‭ ‬أنتج‭ ‬ذلك‭ ‬صراعات‭ ‬كبيرة‭ ‬وعنفا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أيضا‭ ‬أنتج‭ ‬تغيرا‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬اليومية،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬محدثنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬دفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬المطبخ‭ ‬ليس‭ ‬للمساعدة،‭ ‬بل‭ ‬يتجه‭ ‬الأب‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬مهاراته‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭ ‬واتجهت‭ ‬الفتيات‭ ‬إلى‭ ‬تكثيف‭ ‬مشاركتهن‭ ‬خاصة‭ ‬عبر‭ ‬إعداد‭ ‬الحلويات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬أعمالا‭ ‬شاقة‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬مهارتهن‭. ‬

ويشير‭ ‬محدثنا‭ ‬إلى‭ ‬تساؤل‭ ‬جوهري‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬قد‭ ‬دفع‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الأعباء‭ ‬اليومية‭ ‬خاصة‭ ‬منهم‭ ‬الرجال‭ ‬إلى‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الأنانية‭ ‬وإسناد‭ ‬الجهد‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬المنزل‭ ‬وإعداد‭ ‬الطعام‭ ‬إلى‭ ‬الأم‭. ‬

التعليم‭ ‬إجباري‭ ‬ولكن‭...‬

النقطة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬يشير‭ ‬إليها‭ ‬محدثنا‭ ‬تتعلق‭ ‬بأن‭ ‬التعليم‭ ‬إجباري،‭ ‬وفي‭ ‬الظروف‭ ‬العادية‭ ‬تتكفل‭ ‬المؤسسة‭ ‬التربوية‭ ‬بهذه‭ ‬العملية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتمثل‭ ‬دور‭ ‬الأولياء‭ ‬في‭ ‬الإسناد‭.  ‬وعندما‭ ‬تتوقف‭ ‬المدرسة‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬لآخر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتكفل‭ ‬الأولياء‭ ‬بدور‭ ‬التعليم‭ ‬الإجباري‭ ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬محدثنا‭ ‬ولكن‭ ‬الأولياء‭ ‬اكتشفوا‭ ‬تدريجيا‭ ‬أن‭ ‬مهمة‭ ‬التعليم‭ ‬ليست‭ ‬أمرا‭ ‬هينا‭ ‬وأن‭ ‬تداخل‭ ‬دور‭ ‬الأب‭ ‬والمعلم‭ ‬يزيد‭ ‬الأمور‭ ‬تعقيدا‭.‬

اكتشاف‭ ‬المواهب‭ ‬وأفراد‭ ‬العائلة‭ ‬

ويفيد‭ ‬محدثنا‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬كانت‭ ‬مفيدة‭ ‬للكثيرين‭ ‬لاكتشاف‭ ‬أنفسهم‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬الكثيرين‭ ‬اكتشفوا‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يعاشرون‭ ‬أهلهم،‭ ‬وهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬كانت‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬العلاقات‭ ‬العائلية،‭ ‬ويضرب‭ ‬محدثنا‭ ‬مثالا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأوروبيين‭ ‬يقررون‭ ‬الطلاق‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يتعرفون‭ ‬على‭ ‬بعهم‭ ‬البعض‭ ‬خلال‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬يشاركون‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد‭ ‬عندما‭ ‬يفاجؤون‭ ‬بأنهم‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فتتعدد‭ ‬حالات‭ ‬الطلاق‭. ‬

وفي‭ ‬السابق،‭ ‬يلاحظ‭ ‬محدثنا‭ ‬أن‭ ‬الفرد‭ ‬ربما‭ ‬يقضي‭ ‬ساعة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬عائلته،‭ ‬عندها‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يرتدي‭ ‬قناعا‭ ‬ويمثل‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يحبذه‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الساعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭  ‬أن‭ ‬البقاء‭ ‬طوال‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬يعني‭ ‬صعوبة‭ ‬أداء‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬بل‭ ‬ستكون‭ ‬فرصة‭ ‬لسقوط‭ ‬الأقنعة،‭ ‬لذا‭ ‬يعتبر‭ ‬إن‭ ‬تجاوزت‭ ‬العائلة‭ ‬امتحان‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬داخلها‭ ‬كانت‭ ‬متينة‭ ‬وسليمة‭.‬

أعادها‭ ‬التعليم‭ ‬والعمل‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬للواجهة

الفجوة‭ ‬الرقمية‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬في‭ ‬تونس

بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬مرحلة‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الموجه،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬الاختلاف‭ ‬الذي‭ ‬عرفه‭ ‬واقع‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتصور‭ ‬الحكومي‭ ‬المثالي‭ ‬لها،‭ ‬لابد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬الدروس‭ ‬المستخلصة‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬الشامل‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بظهور‭ ‬ممارسات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬انتشار‭ ‬ممارسات‭ ‬قديمة‭ ‬أوقصور‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تواكب‭ ‬الواقع‭ ‬الحالي‭ ‬وبيان‭ ‬عمق‭ ‬الفجوة‭ ‬الرقمية‭ ‬بين‭ ‬التونسيين‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭. ‬

فبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العدد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬يملكون‭ ‬هواتف‭ ‬جوالة،‭ ‬ويقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬4‭%‬ممن‭ ‬قالوا‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬هاتفا‭ ‬جوالا‭  ‬أو‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يتشاركون‭ ‬هاتفا‭ ‬مع‭ ‬العائلة‭ ‬والأصدقاء‭ ‬بحسب‭ ‬استطلاع‭ ‬للرأي‭ ‬لمؤسسة‭ ‬بيو‭ ‬للبحوث‭ ‬في‭ ‬2019‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يرصدها‭ ‬نفس‭ ‬الاستطلاع‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬58‭% ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬المستجوبين‭ ‬لديهم‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ارتباط‭ ‬جيد‭ ‬بشبكة‭ ‬الجوال‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬40‭% ‬يتجنبون‭ ‬القيام‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬عبر‭ ‬هواتفهم‭ ‬لتجنب‭ ‬استهلاك‭ ‬الانترنت،‭ ‬وأن‭ ‬39%‭ ‬يجدون‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬كلفة‭ ‬اتصالاتهم‭ ‬واستخدام‭ ‬هواتفهم‭. ‬

السن‭ ‬والدخل‭ ‬محددان‭ ‬في‭ ‬الارتباط‭ ‬الرقمي

لكن‭ ‬الهوة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بامتلاك‭ ‬أجهزة‭ ‬الاتصال‭ ‬التي‭ ‬تخول‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬باختلاف‭ ‬الاستخدامات‭ ‬بحسب‭ ‬اختلاف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬استطلاع‭ ‬رأي‭ ‬آخر‭ ‬لنفس‭ ‬المركز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬41‭% ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬المستجوبين‭ ‬ممن‭ ‬لديهم‭ ‬تعليم‭ ‬متدن‭ ‬هم‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬يستخدمون‭ ‬الانترنت‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ93‭% ‬من‭ ‬يمتلكون‭ ‬تعليماأعلى‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬للدخل‭ ‬المادي‭ ‬دورا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مدى‭ ‬الارتباط‭ ‬الرقمي،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭  ‬34‭%‬فقط‭ ‬ممن‭ ‬صرحوا‭ ‬بأن‭ ‬مدخولهم‭ ‬محدود،‭ ‬قالوا‭ ‬إنهم‭ ‬يستخدمون‭ ‬الانترنت‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬مناسبتي‭ ‬أو‭ ‬يمتلكون‭ ‬هاتفا‭ ‬ذكيا،‭ ‬ولكن‭ ‬النسبة‭ ‬ترتفع‭ ‬إلى‭ ‬73‭%‬في‭ ‬صفوف‭ ‬من‭  ‬صرحوا‭ ‬أن‭ ‬دخلهم‭ ‬أكبر‭. ‬ويصل‭ ‬حجم‭ ‬من‭ ‬قاول‭ ‬إنهم‭ ‬يمتلكون‭ ‬هاتفا‭ ‬ذكيا‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬المستجوبين‭ ‬إلى‭ ‬47‭ % ‬ ومن‭ ‬يمتلكون‭ ‬هاتفا‭ ‬ولكنه‭ ‬ليس‭ ‬ذكيا‭ ‬إلى‭ ‬37%‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬هاتفا‭ ‬فتصل‭ ‬نسبتهم‭ ‬إلى‭ ‬16%‭.  ‬أي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬التونسيين‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬هواتف‭ ‬ذكية‭ ‬تخول‭ ‬لهم‭ ‬الارتباط‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭ ‬بشبكة‭ ‬الانترنت‭ ‬والبقاء‭ ‬على‭ ‬اتصال‭ ‬مع‭ ‬عملهم‭ ‬أو‭ ‬دراستهم‭. ‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬التي‭ ‬عرضتها‭ ‬الأرقام،‭ ‬تعد‭ ‬معضلة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ساهمت‭ ‬فيه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬الكوفيد19‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬عيوب‭ ‬الفجوة‭ ‬الرقمية‭ ‬قد‭ ‬ظهرت‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬مسألتي‭ ‬التعليم‭ ‬والعمل‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تمثل‭ ‬فرصا‭ ‬متاحة‭ ‬للجميع‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬السواء‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬محاربة‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬الرقية‭ ‬أولوية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ريس‭ ‬الحكومة‭ ‬قد‭ ‬صرح‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬وأن‭ ‬الجميع‭ ‬يملكون‭ ‬هواتف‭ ‬جوالة‭ ‬ومرتبطون‭ ‬بشبكة‭ ‬الانترنت‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬للأسف‭ ‬ليس‭ ‬بصحيح‭ ‬فكثيرون‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يعتبرون‭ ‬إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬من‭ ‬الكماليات‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬شعوب‭ ‬كثيرة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الأساسيات‭ ‬الذي‭ ‬يتوفر‭ ‬فيه‭ ‬الارتباط‭ ‬بشبكة‭ ‬الانترنت‭ ‬للجميع‭ ‬بسهولة‭ ‬وبتكلفة‭ ‬زهيدة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭. ‬والقفزة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نحققها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬وبشكل‭ ‬طارئ‭ ‬بمعالجة‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬وإلا‭ ‬فإنها‭ ‬ستزيد‭ ‬من‭ ‬تعميق‭ ‬الاختلافات‭ ‬والتمييز‭ ‬غير‭ ‬الإيجابي‭.‬

إضافة تعليق جديد