متى تنتهي معاناة الفلاحات مع «شاحنات الموت»؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 6 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
7
2020

ضحايا على الطرقات بين قتلى وجرحى

متى تنتهي معاناة الفلاحات مع «شاحنات الموت»؟

الأحد 10 ماي 2020
نسخة للطباعة

لم‭ ‬تتوقف‭ ‬حوادث‭ ‬المرور‭ ‬التي‭ ‬تذهب‭ ‬ضحيتها‭ ‬العاملات‭ ‬الفلاحيات‭ ‬رغم‭ ‬صدور‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬51‭ ‬لسنة‭ ‬2019‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬جوان‭ ‬2019‭ ‬والمتعلق‭ ‬بإحداث‭ ‬صنف‭ "‬نقل‭ ‬العملة‭ ‬الفلاحيين‭" ‬وانطلاق‭ ‬العمل‭ ‬بالتراخيص‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬يمنحها‭ ‬الولاة‭ ‬لنقل‭ ‬العاملات‭ ‬والعملة‭ ‬الفلاحيين‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬الفلاحي‭.‬

فلا‭ ‬يمر‭ ‬شهر‭ ‬إلاّ‭ ‬وتُسجّل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث،‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬8‭ ‬ماي‭ ‬2020‭ ‬حيث‭ ‬أصيبت‭ ‬سبع‭ ‬عاملات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬بمعتمدية‭ ‬الرقاب‭ ‬بولاية‭ ‬سيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬بجروج‭ ‬متفاوتة‭ ‬الخطورة‭ ‬بسبب‭ ‬اصطدام‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬تقلهن‭ ‬بأخرى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬منطقة‭ ‬القوادرية‭.‬

كان‭ ‬من‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬النساء‭ ‬الفلاحات‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬حادث‭ ‬المرور‭ ‬الذي‭ ‬اهتزّت‭ ‬لفظاعته‭ ‬كلّ‭ ‬تونس‭ ‬يوم‭ ‬27‭ ‬أفريل‭ ‬2019‭. ‬تاريخ‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يُمحى‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المسؤولين‭ ‬والقائمين‭ ‬على‭ ‬شؤون‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتهم‭ ‬وزارات‭ ‬المرأة‭ ‬والشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والفلاحة‭.‬

ظروف‭ ‬نقل‭ ‬لا‭ ‬إنسانية‭ ‬

في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬وتحديدا‭ ‬بمفترق‭ ‬السبالة‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬سيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬توفي‭ ‬12‭ ‬شخصا‭ ‬أغلبهم‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬طفلة‭ ‬وجُرح‭ ‬20‭ ‬آخرين‭ ‬جراء‭ ‬ظروف‭ ‬النقل‭ ‬اللإّنسانية‭ ‬المعلومة‭ ‬لدى‭ ‬القاصي‭ ‬والداني‭ ‬وبالذات‭ ‬لدى‭ ‬السلط‭ ‬المعنية‭ ‬وتعريض‭ ‬حياة‭ ‬العاملات‭ ‬الفلاحات‭ ‬للخطر‭ ‬اليومي‭. ‬

يومها‭ ‬كانت‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬شديدة‭ ‬وقاسية‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ومكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والنواب،‭ ‬تحوّل‭ ‬الوشاح‭ ‬أو‭ ‬بالعامية‭ ‬التونسية‭ "‬المحرمة‭" ‬و‭"‬الفولارة‭" ‬المطبوعة‭ ‬بالورود‭ ‬وبألوان‭ ‬مختلفة‭ ‬خاصة‭ ‬منها‭ ‬الأخضر‭ ‬والأحمر‭ ‬إلى‭ ‬رايات‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬أسطح‭ ‬المساكن‭ ‬وشعارٍ‭ ‬رفعه‭ ‬ولوّح‭ ‬به‭ ‬المحتجون‭ ‬الغاضبون‭ ‬في‭ ‬المظاهرات‭ ‬والوقفات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬بمختلف‭ ‬الولايات‭ ‬وبالعاصمة‭ ‬ضدّ‭ ‬التمييز‭ ‬الجهوي‭ ‬والتمييز‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭.‬

ذات‭ ‬المشهد‭ ‬تكرّر‭ ‬في‭ ‬حركات‭ ‬مالت‭ ‬إلى‭ ‬الشعبوية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬حركات‭ ‬تعبيرية‭ ‬بإحدى‭ ‬الجلسات‭ ‬العامة‭ ‬بمجلس‭ ‬نوا‭ ‬الشعب،‭ ‬لكن‭ ‬مرّ‭ ‬أسبوع‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الحادثة‭ ‬الأليمة‭ ‬والموجعة‭ ‬و‭"‬هفتت‭" ‬الخواطر‭ ‬وانتهت‭ ‬موجة‭ ‬الغضب‭ ‬وتوقف‭ ‬الجدل‭ ‬والنقاش‭ ‬ونُسي‭ ‬الأمر‭ ‬ككل‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬

فكلّ‭ ‬المصائب‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬تونس‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الجدل‭ ‬بخصوصها‭ ‬أيام‭ ‬معدودات‭ ‬بين‭ ‬الصراخ‭ ‬والمعارك‭ ‬في‭ ‬المنابر‭ ‬الإعلامية‭ ‬التلفزية‭ ‬والإذاعية‭ ‬والمقالات‭ ‬المندّدة‭ ‬بالصحف‭ ‬الورقية‭ ‬والمواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وبين‭ ‬بلاغات‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمنظمات‭ ‬والجمعيات‭ ‬لتُختم‭ ‬بمجالس‭ ‬وزارية‭ ‬عاجلة‭ ‬وجلسات‭ ‬المساءلة‭ ‬للوزراء‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬ثمّ‭ ‬تُطوى‭ ‬الصفحة‭ ‬نهائيا‭. ‬

فلا‭ ‬شيء‭ ‬تغيّر‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬المرأة‭ ‬الفلاحة،‭ ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬عاملة‭ ‬و492‭ ‬جريحة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬الأخيرة‭ ‬وفق‭ ‬إحصائيات‭ ‬المنتدى‭ ‬التونسي‭ ‬للحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الذي‭ ‬وصف‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ "‬بالقتل‭ ‬المتكرر‭ ‬للطاقات‭ ‬المنتجة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

فلاحات‭ ‬غير‭ ‬مشمولات‭ ‬بالتغطية‭ ‬الاجتماعية

‭ ‬الملفت‭ ‬والمحزن‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬أنّ‭ ‬للنساء‭ ‬العاملات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬دور‭ ‬مهمّ‭ ‬لا‭ ‬نظير‭ ‬له‭ ‬لفائدة‭ ‬المجموعة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬ولفائدة‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬حيث‭ ‬تفيد‭ ‬الإحصائيات‭ ‬الرسمية‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬الريفية‭ ‬تمثل‭ ‬نحو‭ ‬73‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬الفلاحية‭.‬

كما‭ ‬أنّها‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بالمناطق‭ ‬الريفية‭ ‬وفي‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الحضرية‭ ‬حيث‭ ‬الأنشطة‭ ‬الفلاحية‭ ‬المتعددة،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬نسبة‭ ‬النساء‭ ‬العاملات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬غير‭ ‬المشمولات‭ ‬بالتغطية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ونظام‭ ‬التقاعد‭ ‬90‭ ‬بالمائة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬لتسجيل‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬عاملة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مشروع‭ "‬احميني‭".‬

لكن‭ ‬رغم‭ ‬كلّ‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تمّ‭ ‬التنصيص‭ ‬عليها‭ ‬والمساعي‭ ‬لضمان‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬شاملة‭ ‬للمرأة‭ ‬الريفية‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬والمرأة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬تصريح‭ ‬وزيرة‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة‭ ‬والطفولة‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬أسماء‭ ‬السحيري‭ ‬في‭ ‬تعليقها‭ ‬على‭ ‬الحادث‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬سيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬وتسبب‭ ‬في‭ ‬إصابة‭ ‬7‭ ‬عاملات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬بجروح‭ ‬متفاوتة،‭ ‬ملفت‭ ‬للانتباه‭ ‬ومثير‭ ‬للاستغراب‭. ‬

فقد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬وزيرة‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة‭ ‬والطفولة‭ ‬وكبار‭ ‬السنّ‭ ‬لإذاعة‭ "‬شمس‭ ‬أف‭ ‬أم‭" ‬أنّ‭ ‬الوزارة‭ ‬بصدد‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬مطروحا‭ ‬وإلى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬لحوادث‭ ‬المرور‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لها‭ ‬عاملات‭ ‬الفلاحة‭. ‬تصريح‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬التساؤل‭ ‬متى‭ ‬إذن‭ ‬ستنتهي‭ ‬معاناة‭ ‬الفلاحات‭ ‬مع‭ "‬شاحنات‭ ‬الموت‭"‬؟

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬قال‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬باسم‭ ‬المنتدى‭ ‬التونسي‭ ‬للحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬رمضان‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـ‭"‬الصباح‭" ‬إنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلا‭ ‬دعوة‭ ‬بالقبول‭ ‬بالواقع‭ ‬وبالانتهاكات‭ ‬والتطبيع‭ ‬مع‭ ‬حوادث‭ ‬المرور‭ ‬وكأنّها‭ ‬قضاء‭ ‬وقدر‭".‬

غياب‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬

مثل‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ "‬يفهم‭ ‬منه‭ ‬أنّ‭ ‬الدولة‭ ‬ليست‭ ‬لديها‭ ‬أجهزة‭ ‬ميدانية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬قراراتها‭ ‬وإرادتها‭ ‬السياسية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬تخليا‭ ‬عن‭ ‬المسؤولية،‭ ‬فإذا‭ ‬وزيرة‭ ‬المرأة‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تُمثلها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬قراراتها‭ ‬وتفعيل‭ ‬وعودها‭ ‬والتزاماتها‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬وضعية‭ ‬النساء‭ ‬العاملات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬ميدانيا‭ ‬سلطات‭ ‬أمنية‭  ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬فمن‭ ‬الأفضل‭ ‬ترك‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬للقادرين‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بها‭"‬‭.‬

وأضاف‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ "‬كان‭ ‬على‭ ‬وزيرة‭ ‬المرأة‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تصرح‭ ‬بهذا‭ ‬الكلام‭ ‬فمن‭ ‬غير‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نقبل‭ ‬بأن‭ ‬تموت‭ ‬نساء‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬ويوميا‭ ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬فاليوم‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬الأشخاص‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الخطّ‭ ‬الأول‭ ‬وفي‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الكورونا‭ ‬وقد‭ ‬خصّصت‭ ‬أموال‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أيّ‭ ‬اعتراف‭ ‬بأنّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬النسوة‭ ‬هنّ‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخطوط‭  ‬الأمامية‭ ‬بالرغم‭ ‬ما‭ ‬يقدمنه‭ ‬من‭ ‬تضحيات‭ ‬نلمسها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وفرة‭ ‬الإنتاج‭ ‬من‭ ‬خضر‭ ‬وغلال‭ ‬فمن‭ ‬أمّن‭ ‬ذلك‭ ‬للمواطن‭"‬؟‭.‬

◗‭ ‬إيمان‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف

إضافة تعليق جديد