بروز وجوه طبية وعلمية ..غياب للمختصين في العلوم الاجتماعية والمثقفين ..وتراجع الوجوه الاعلامية المعروفة - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 6 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
7
2020

النخب التونسية في زمن الكورونا

بروز وجوه طبية وعلمية ..غياب للمختصين في العلوم الاجتماعية والمثقفين ..وتراجع الوجوه الاعلامية المعروفة

الأحد 3 ماي 2020
نسخة للطباعة
* أستاذ علم الاجتماع منير سعيداني: "نخب سياسية استغلت الوضع لإعادة رسم خريطة العلاقات.. وحالة الجائحة منعت المعارضة من استغلال الوضع"

تونس – الصباح

فرضت جائحة الكورونا على التونسيين سلوكيات جديدة إما على مستوى السلوك الاستهلاكي أو المجتمعي أوإدارة العلاقات بين الأفراد والمجموعات داخل الأسرة وخارجها، كما فرضت على النخب أيضا طرقا في مواجهة هذه الأزمة وكيفية التعامل معها وتسجيل حضورها في المشهد العام.

كيف عاشت النخب التونسية الوباء؟ هي من الأسئلة الجوهرية التي طرحتها المائدة المستديرة التي نظّمها افتراضيا على صفحته الرسمية الفايسبوك يوم الجمعة غرة ماي 2020 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس تحت عنوان "كيف عاش التونسيون وباء كورونا؟"

فكان التناول من منظور علم الاجتماع في تحليل دقيق لتفاعل النخب التونسية مع هذه الجائحة. ومن هذا المنطلق قال الأستاذ والباحث في علم الاجتماع منير سعيداني خلال مداخلته إنّ "وعي النخب بالوباء يمكن أن يسلط من وجهة نظر العلوم الاجتماعية من حيث هناك استراتيجيات وهناك مواقف وتباينات تتفاعل معها هذه النخب".

فالمدخل الذي يمكن أن يكون لعلم الاجتماع تجاه هذه الوضعية والتي سُميت بمجتمع الجائحة هو التمييز بين علم اجتماع الصحة التقليدي وعلم اجتماع الجائحة.

فبيّن منير سعيداني أثناء مداخلته أنّه "في الجائحة المجتمع يتصرف بشكل غير تقليدي واستثنائي ومتأزم إلى حدّ ما. فالسؤال الأساسي في ذلك كيف يتقبل المجتمع هذه الجائحة أو مثل هذه الظواهر وكيف يتصرف فيها؟"

خمس نخب تونسية في مواجهة الكورونا

قد يكون هذا المدخل، كما فسّرذلك أستاذ علم الاجتماع "هو النخبة التي بفعل استثنائية الوضعية تُكيّف وجهاتها وفعلها ومواقعها، كما تتكيّف بالوضعية أي أن هذه النخبة هي في وضعية تفاعلية فلا يمكنها أن تكون خارج الأزمة ولكن في نفس الوقت وبفعل موقعها وطبيعتها نخبة تحاول أن تفعل في هذا السياق".

وفق ذلك، اعتبر منير سعيداني أنّ "هناك خمس نخب كبرى وهي النخب السياسية والنخب الاجتماعية والنخب العلمية الأكاديمية والنخب الإعلامية والنخب الفكرية والثقافية".

فميّز في النخب السياسية بين نخب حاكمة وأخرى غير حاكمة، وقال إنّ " النخبة الحاكمة نلاحظها من خلال الوجوه التي أصبحت معهودة إلى حد ما في التناول الاعلامي وهي الحكومة بشكل عام وربما هناك وجوه أبرز من أخرى وهناك مجلس نواب ورئيس الدولة". وأضاف "هذه النخب في اعتقادي ما غلب عليها في مرحلة أولى هو محاولة استغلال الوضع في اتجاه إعادة رسم خريطة العلاقات ولذلك رأينا تلك المعركة حول الصلاحيات. ثم بعد ذلك أصبح هناك تأقلما مع الوضعية في اتجاه محاولة رسم خطة تصدي استرتيجية والتي كان فيها ثلاث واجهات كبرى وهي الوجه الصحي والوجه الاجتماعي والوجه الأمني وبالتالي وضعت أولويات وهي أولوية التصدي الصحي للجائحة ثم بعد ذلك مداواة الآثار الاجتماعية وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للنخب الحاكمة "لأنها فكرت أول ما فكرت في ضبط الحالة. ولكن هذا لم يمنع من وجود بعض الشكوك في سلوكها وشفافيتها وفي نزاهتها".

مجموعات ضاغطة ولكن غير معارضة

أما بالنسبة للنخب غير الحاكمة، أوضح منير سعيداني أنّه "يمكن تقسيمها بشكل عام بين نخب ساندة ورأينا ذلك من خلال العديد من الشخصيات كالأطباء والمسؤولين في الهياكل الطبية والعديد من الوزراء السابقين شكّلوا نوعا من المجموعات الضاغطة ولكن للإسناد وتقديم المقترحات لا أكثر، وهناك مبادرات أخرى حضرت فيها أحزاب أو شخصيات سياسية ويمكن أن نعدّها مثالا عن فعل النخب السياسية غير الحاكمة الناقدة أو المعارضة ولكن لم يتجاوز هذا الأمر مجرد تقديم المقترحات".

وقال "في اعتقادي أنّ أهمّ شيء هو أن ننتبه إلى أنّ حالة الجائحة تمنع هذه المعارضات إلى استغلال مساحات فعلها وأدواتها التقليدية ولذلك تقتصر على اصدار بيانات أو بلاغات والفعل عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي خاصة الفايسبوك من خلال بث فيديوهات قصيرة".

وبخصوص النخب الاجتماعية قال أستاذ علم الاجتماع إنّه "يمكن تقسيمها بشكل عام إلى ثلاث مجموعات كبرى وهي النخب الاجتماعية النقابية العمالية والنخب الاجتماعية النقابية في قطاع الأعمال والنخب الاجتماعية الشبابية".

ففي البداية أظهرت "قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل الكثير من الحركية منذ بداية الأزمة وحاولت أن تكثف من الاتصال بالسلط الحاكمة بمختلف تكويناتها وحاولت أيضا أن تضبط الحركة داخل المنظمة الشغيلة".

فيمكن بالتالي "الحديث عن ردة فعل أولى تتمثل في جملة من المطالب ثم بعد ذلك كان هناك حديث عن مخطط استراتيجي للتوقي البديل خاصة فيما يهمّ المرحلة المقبلة. أما القيادات الاجتماعية في قطاع الأعمال ركّزت رئيسيا على الآثار الاجتماعية للجائحة من حيث هي آثار اقتصادية على مجمع أعمالها ورأينا أغلب ردود الفعل كانت في اتجاه الدعوة إلى مزيد جبررة الاقتصاد والانطلاق بشكل واضح ومحدد في اتجاه إرساء آليات نظام السوق الذي قد يكون حلا لهذه الأوضاع".

شبكات تطوعية جديدة

وفيما يتعلّق بالنخب الاجتماعية الشبابية أوضح الأستاذ والباحث في علم الاجتماع أنّ ما استرعى انتباهه هو "مجموعة المبادرين حاولوا أن ينشؤوا شبكات إما قديمة نشطوها بطريقة جديدة أو أحدثوا شبكات تطوعية حاولت أن توفق بين تجميع المساعدات ومحاولات التوقي. فهناك شبكات شبابية تضمّ أطباء ومهندسين وإعلاميين وجامعيين حاولوا أن يوجد طرقا حتى يثبتوا أنهم موجودون في ظلّ هذه الجائحة وهو تقبل فيه الكثير من الاستباق وفيه الكثير من التجديد في الأساليب".

أما الفئة الثالثة من النخب التونسية فهي النخب العلمية والأكاديمية، ويمكن التقييم بشكل عام من حيث الاختصاص بين النخب العلمية في مجال العلوم الصحيحة والصلبة كالعلوم الطبية والجرثومية ومن ينتمي إلى مجال العلوم الاجتماعية والانسانية، وفق تحليل منير السعيداني حيث أكّد أنّ "من برزوا هم من ينتمون إلى مجال العلوم الصحيحة لأنه هناك نوع من الاعتقاد، وهو خاطئ، أنّ الجائحة هي بالأساس طبية علمية، في حين أننا نرى امتداداتها الاجتماعية الأخطر من الصحية".

فأضاف أنّ الأزمة يمكن إلى حدّ ما السيطرة عليها أما الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية قد تكون عميقة وتتحول إلى شروخ وقد تمتد إلى زمن طويل.

في ذات السياق ميّز منير سعيداني داخل النخب الأكاديمية والعلمية بين نخب منظمة وأخرى غير منظمة، "فالمنظمة كانت في جمعيات، فمنذ الأيام الأولى اجتمعت 13 منظمة في المجال الطبي كلها من الأطباء والعلماء وحاولوا أن يقدموا اقترحات فضلا على أنه هناك منتظمين حول السلطة في الهيئة العليا للتصدي للوباء وخاصة الملتفة حول مصلحة الأمراض الجديدة والمستجدة ووجهها العلمي والاعلامي البارز الدكتورة نصاف بن علية".

وهذا الأمراعتبره مهمّا لأنه "مكّن في نفس الوقت من أن يُبرز وجود طاقات منظمة وخاصة بهذا الوجه النسائي غير المعهود حيث بإمكانه أن يكون ذا أثر مهم جدا في ترتيب وجاهة النخب، لكنه في المقابل وللأسف الشديد ظلّت النخب الأكاديمية في العلوم الانسانية والاجتماعية تردّ إلى حد الآن بطريقة فردية وغير منظمة".

غياب الأكادميون في العلوم الانسانية والاجتماعية

هناك أيضا النخب الإعلامية، حيث بيّن منير سعيداني أنّه ما يلاحظ تراجع النخب التقليدية الاعلامية أي الوجوه البارزة المعروفة وخاصة في التلفزيون، كأن الأمر ليس من اختصاصها ولكن أيضا لأنها كانت تركز أساسا على المحاكاة والمناقضات والمناقشات السياسية. وبأسلوب عملها الاعتيادي لا يمكنها أن تتعامل مع مثل هذه الوضعية لأنها تحتاج إلى الاختصاص والفهم ولذلك بإمكاني أن أفترض أن هناك نوعا من الحركة أو الحراك النازل لدى هذه النخب بمعنى أنها تتوارى إلى حد ما إلى الوراء".

الجديد في الأمر أنّ هناك حضورا لافتا لوجوه إعلامية بدأت تبرز ولكن في المجال الافتراضي وهذه تتطلب دراسة أكثر عمقا حتى نلاحظ هذا الصعود في وجاهة بعض النخب الاعلامية.

الفئة الأخيرة، هي النخب الفكرية والثقافية وهي في حقيقة الأمر، وفق قوله، "هي مسألة تقليدية في تونس بأن لا نجد وجوها بارزة وهذا لا يعني أنها غير موجودة ولكن بمعنى أنّها ليست معروضة لأن نظام الإعلام لا يبرز هذه الوجاهة النخبوية والفكرية والثقافية بحيث تكون ذات وزن وتكون شخصيات اعتبارية بإمكانها أن تتدخل في مثل هذه الحالات وتُمثل نوعا من المصفاة التي يمكن للمجتمع أن يستعين بها لمجابهة مثل هذه الأزمات".

فخلُص الاستاذ والباحث في علم الاجتماع منير سعيداني إلى أنّ "هناك ردود فعل نخبوية مختلفة يجب أن نتبه إليها من حيث المواقع والاختصاصات والعلاقة بالجمهور بشكل عام وبنظام الاعلام وبالسلطة وبمخططاتها".

 فما برز إلى حدّ الآن، وفق قوله، هو "غلبة المقاربة التقليدية من دون تغيير كبير مع وجود بعض الحراك النازل والصاعد داخل النخب وهذا الأمر ليس غريبا بالنسبة للعلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع بشكل عام فظروف التأزم الاجتماعي هي رئيسيا ظروف تُغيّر في النخب ولذلك تتحدث الكثير من التحليلات عن وجود دورات لحراك النخب".

إيمان عبد اللطيف 

إضافة تعليق جديد