الظروف الاستثنائية و جائحة كورونا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 13 جويلية 2020

تابعونا على

Jul.
13
2020

الظروف الاستثنائية و جائحة كورونا

السبت 11 أفريل 2020
نسخة للطباعة
إعداد: الدكتور جابر غنيمي

قاضي و مدرس جامعي تنشر "الصباح" الجزء الأول من دراسة قانونية حول الظروف الاستثنائية  جائحة كورونا للقاضي. الدكتور في القانون جابر غنيمي..

 

  تعتبر الظروف الاستثنائية ظروف غير عادية تأتي نتيجة لعوامل تهدد استقرار الدولة و أمنها أو نظم الحكم الدستورية أو حقوق الإنسان، كذلك يمكن أن تكون هذه الظروف نتيجة لخطر يهدد حياة الأمة، و التي تتمثل في الظروف التي تهدد فيها الأرواح و الممتلكات في بلد ما كأحداث العنف و الشغب

و الأعمال الإرهابية و التخريب و التمرد و الفيضانات  و الزلازل و الأمراض و الأوبئة...، و تتمتع بموجبه السلطة التنفيذية بسلطات استثنائية غير عادية مقننة دستوريا.                                                       و تعد نظرية الظروف الاستثنائية استثناءا أو قيدا يرد على مبدأ سمو الدستور، وقد استعملت مصطلحات عدة لهذا المفهوم، فنجده تارة يستخدم مصطلح الظروف الاستثنائية وتارة مصطلح الضرورة.                                                                             وقد جاءت هذه النظرية كضرورة لتنظيم ممارسة السلطة في الدولة في الظروف الاستثنائية، فالمبدأ أن بناء الدولة يعتمد على قوانين تشرع في الظروف العادية،غير أنه قد تحدث ظروف استثنائية قاهرة من شأنها المساس بكيان الدولة أو السلامة العامة للمجتمع كحالة الطوارئ أو حالة الحرب ووجود أزمات الحادة أو حالة التمرد والعصيان، فتلجأ السلطة التنفيذية لمواجهتها للتشريع أو بتدابير استثنائية.

و يمكن تعريف الظروف الإستثنائية بأنها الأوضاع المادية التي تؤدي إلى وقف العمل بالقواعد العادية التي تطبقها الإدارة لتطبيق قواعد المشروعية الخاصة بالأزمات.        

 

  و تتمثل دوافع النظرية الظروف الاستثنائية في:                                                

  - وجوب بقاء الدولة و استمرارها، فالحفاظ على كيان الدولة و سلامتها هو الغرض الأسمى.                                                                                             - أن  التشريعات العادية وضعت للظروف العادية، فالنظام القانوني العادي وضع ليحكم حياة الدولة في أوضاعها الطبيعية العادية، و لكن هذا النظام القانوني لا يستطيع تنظيم الدولة في الظروف غير العادية في فترة الأزمات و الحروب و أيضا يكون عاجزا عن تقديم الحماية اللازمة لاستمرار كيان الأمة و استقرارها. 

                                                            

   - حق الدولة في الدفاع الشرعي عن نفسها، و يعني أن للدولة الحق الشرعي بالدفاع عن نفسها في حال هدد أمنها و سلامة كيانها خطر جسيم، و حينها يحق للدولة أن تدفع هذا الخطر بشتى الوسائل و السبل حتى و لو وصل الأمر إلى تعطيل أحكام القانون أو مخالفتها.           

 

 

    - الحفاظ على النظام العام و سير المرفق العام، فالظروف الاستثنائية ليست مجرد تطبيق لنظرية الضرورة، بل أنها تجد أساسها القانوني في دوام سير المرفق العام بانتظام و اطراد و في حماية النظام العام و الحفاظ عليه، فالأساس القانوني لنظرية الظروف الاستثنائية يتمثل في واجب الالتزام العام للسلطة التنفيذية، فيتوجب على هذه الأخيرة أن تحافظ على النظام العام بجميع عناصره و ذلك ضمان سير المرافق العامة في جميع الظروف و الأحوال.                                                     

 ولئن لا نجد الظروف الاستثنائية كمصطلح دارج في الشريعة الإسلامية و لكنها موجودة بالمعنى، حيث يقابلها مصطلح الضرورة و الذي يعد اعم و اشمل.                                   

  و لعل من ابرز ما قدمته الشريعة الإسلامية من قواعد لمعالجة الظروف الاستثنائية، مبدأ الحرج مرفوع و المشقة تجلب التيسير، و أسسوا عليه قاعدتين أساسيتين و هما المشقة تجلب التيسير و لا ضرر و ضرار                                                           

 و تنطبق على جائحة كورونا نظرية الظروف الإستثنائية، تبعا لما نتج عنها من تهديد لأرواح البشر و صحتهم  ولاستمرارية دواليب الدولة و ديمومتها،  فقد اعتبرت من الظروف الاستثنائية التي اقتضت اتخاذ جملة من التدابير و الإجراءات الإستثنائية من طرف السلطة التنفيذية، لمجابهة تداعيات و الآثار الوخيمة لهذه الآفة الخطيرة وتقوم الظروف الاستثنائية على جملة من الأسس و الشروط {الجزء الأول} و هي تمنح للسلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية { الجزء الثاني}                                            

 

الجزء الأول: أسس و شروط الظروف الاستثنائية                                             

 ترتكز نظرية الظروف الاستثنائية على جملة من الأسس { الفقرة الأولى} و تخضع لجملة من الشروط { الفقرة الثانية}                                                                                            الفقرة الأولى:

 أسس الظروف الاستثنائية                                                 

   1- الأسس الفقهية: إن أساس الظروف الاستثنائية أساس فقهي واضح ألا و هو حالة الضرورة، و يقصد بالضرورة تلك الحالة من الخطر الجسيم الحال الذي يتعذر تتداركها بالوسائل العادية مما يدفع السلطات القائمة على حالة الضرورة أن تلجأ إلى الوسائل القانونية الاستثنائية لدفع هذا الخطر و مواجهة الأزمات.                                                                            

 

 و فكرة الضرورة تقوم على ركنين: ركن موضوعي، و يتمثل بوجود خطر يهدد مصلحة جوهرية معتبرة قانونا، و ركن شكلي يتمثل في التجاوز على أحكام القانون.                                                                                  

 و ترجع الأصول الأولى لنظرية الظروف الاستثنائية في القانون العام إلى الفقه الألماني الذي اتخذ منذ البداية النظرية القانونية لهذه النظرية، و التي تجد أساسها في كتابات بعض الفقهاء الألمان منهم "هيكل" و "هرنك" و "جلينك"، فقد برر "هيكل" خروج الدولة عن القانون في هذه الحالة أن الدولة هي التي أوجدت القانون و هي تخضع له لتحقيق مصالحها و على ذلك فلا خضوع عليها إذا كانت تحقيق صالحها هو في عدم الخضوع إلى القانون الذي يعد وسيلة لغاية هي حماية الجماعة، فإذا لم تؤدي هذه القواعد إلى تحقيق هذه الغاية فيجب الخضوع إلى القانون، و على الدولة أن تضحي به في سبيل الجماعة.                                                

  و كان الفقيه "جلينك" قد برر النظرية التي تحل فيها الحكومة محل السلطة التشريعية تحت ضغط الحوادث لمواجهة  الضرورة بكل الوسائل المتاحة. و يذهب الفقيه الألماني إلى اعتبار أن نظرية الظروف الاستثنائية نظرية قانونية، و تعد حقا للدولة،  و بناء على ذلك تكون الأعمال و الإجراءات التي تتخذها الدولة في أحوال الضرورة هي إجراءات مشروعة.

                                                                                         أما الفقه الفرنسي فقد انقسم إلى مرحلتين تاريخيتين، ففي الأولى و هي القديمة اتخذ الفقه النظرية السياسية الواقعية، وهي ترى أن نظرية الظروف الاستثنائية هي نظرية لا أساس    و لا وجود لها في القانون بل هي نظرية فرضها الواقع، و بالتالي تعتبر الإجراءات التي تتخذها السلطة التنفيذية في الحالات الاستثنائية غير متمتعة بالمشروعية القانونية و أن كانت تعفي السلطة من المساءلة إذا توفرت شروط معينة و التزمت بقيود إجرائية يحددها القانون، فالضرورة ليست مصدرا مشروعا للقوانين و لا يمكن أن تلغي القوانين العادية، ثم ما لبث أن انتقل إلى المرحلة الثانية التي اتخذ فيها النظرية القانونية لنظرية الضرورة

(يتبع)

إضافة تعليق جديد