لهذه الأسباب لا يلتزم التونسي بالحجر الصحي.. - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 29 مارس 2020

تابعونا على

Mar.
29
2020

بين التنشئة الاجتماعية وهشاشة الدولة

لهذه الأسباب لا يلتزم التونسي بالحجر الصحي..

الخميس 26 مارس 2020
نسخة للطباعة

 

انخرطت مختلف وسائل الاعلام العمومية والخاصة وكل أعضاء الحكومة والمسؤولين الجهويين وجميع الاطر الطبية وشبه الطبية والقيادات النقابية وحتى الفنانيين وقادة الراي العام، في تاثيث حملة التوعية الوطنية وتفسير أهمية واولوية الالتزام بالحجر الصحي الفردي والشامل على حد السواء منذ ما قبل تسجيل اول حالة إصابة بفيروس كورونا والى غاية اليوم.. وراوحت هذه الأطراف في عملية "المتراكاج" التي تم اعتمادها بين مقاربات مختلفة،  التفسيرية العلمية منها والمقاربات الصادمة الإحصائية الاستباقية ومقاربة الصرامة وتطبيق القانون وحتى مقاربة التخويف من سيناريوهات عدم السيطرة على انتشار الفيروس والدخول في المجهول. لكن مع ذلك يصر التونسي على تحد القرارات وكسر حظر التجول والحجر الصحي الفردي والشامل. وهو ما يدفع للتساؤل لماذا لا يلتزم جزء كبير من التونسيين باختلاف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية بالحجر الصحي الفردي ؟ ولماذا يواصل التونسي عناده ومحاولاته كسر القرارات الرسمية السيادية التي تحتم عليه الانضباط والتقيد بالحجر الصحي الشامل وحظر التجول؟

في تفسيره لهذا السلوك الذي يرقى حسب مختصي الصحة الى مستوى الجريمة في حق نفسه وحق غيره من المواطنين، ذكر خالد طبابي الباحث في علم الاجتماع في تصريحه ل"الصباح" ، انه بداية يجب التنصيص على انه و كما لاحظنا العديد من الفئات التي لم تلتزم بالحجر الصحي لاحظنا أيضا فئات أخرى قد التزمت قدر المستطاع، ويمكن تفسير عدم التزام التونسي بالحجر الصحي على الرغم من عمليات التحسيس من قبل الفاعلين في جلّ الحقول والاختصاصات والمجالات حسب قراءته بعاملين أساسيين وهما التنشئة الاجتماعية ثمّ هشاشة الدولة.

واشار في نفس السياق الى ان مسألة الوعي هي مسألة تكاملية منسجمة ومتناغمة لا يمكن تحقيقها بين عشيّة وضحاها، وهذا ما يحيلنا مباشرة إلى دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية للفرد أو الأفراد، والتي منها العائلة والمدرسة  والمؤسسة الدينية وفضاءات أخرى لا يمكن إغفالها  مثل دور الشباب والثقافة ومركبات الطفولة وغيرها من الفضاءات التي قد تساهم في هذا الأمر، وبالتالي فإذا كانت هذه الحلقات المجتمعية قد لعبت دورها قدر المستطاع منذ سياقات بعيدة لما كنّا في هذا الحال الذي يمكن وصفه بالاستهتار.

العائلة      

ويوضح خالد الطبابي مقاربته اكثر حيث يقول ان الأسرة، هي النواة الأولى في عملية التنشئة الاجتماعية والتي تسهر على سلامة ومستقبل أبناءها، قد أصبحت غير قادرة اليوم على إقناع أبنائها بملازمة الحجر الصحي، ويعود هذا في نظره الى وجود خلل في تقسيم الدور العائلي منذ عملية تنشئة الأفراد. والذي منه التمسك بالسلطة الأبوية المفرطة والمبالغة فيها، فهذا النوع من الأسلوب لا يساهم في عقلنة قرار الأفراد وقد ينتج تمرّد الفرد على عائلته ومحيطة الاجتماعي خاصّة سنوات المراهقة الحسّاسة. كما نجد عائلات أخرى غير قادرة على تقسيم دورها في عملية تربية أبناءها وغير قادرة على التواصل معهم منذ الطفولة وهو ما يجعل من الطفل شديد الإثارة وهنا نتحدث عن إثارة الرأي ومخالفته. وبالتالي أمام هذين المسارين لا يمكن للعائلة أن تساهم في عملية عقلنة قرار أبناءها وتصبح محلّ عجز في تحسيسهم  للخطر من هذا الفيروس وللوقاية. واذا ما أضفنا عدم تنسيق المؤسسات التربوية  ومكونات النسيج الاجتماعي مع العائلة وعجزهم مجتمعين على تحقيق ثقافة تربوية عقلانية لدى الناشئة يصبح تطبيق الحجر أمرا عسيرا.. وقد تكون كورونا التي استطاعت أن تفرض الحجر الصحيّ خلال هذه الأيام عن طريق الإجراءات الصارمة عاملا يمكّن العائلة من إعادة تقسيم أدوراها.

المدرسة

اما بالنسبة للمدرسة فيشير الطبابي الى انها تكاد اليوم تخلوا من برامج تربوية مضمونها الحسّ المجتمعي والمواطني الذي يعززّ دور الفرد للرقيّ بمجتمعه، أيضا لا نجد دروسا محتواها الحقل الصحيّ بما فيه الكفاية، على الأقل ما يمكن أن نطلق عليه بالإسعافات الأولية وأخرى بطرق الوقاية من الأمراض اليومية التي تمسّ كل البشر على غرار أمراض الحمى والصداع  وغيرها و كيفية الوقاية منها والتعامل معها. ويعتبر الباحث في علم الاجتماع ان المؤسسة التربوية قد أغفلت الدروس التي تحثّ الفرد على الالتزام بالقوانين والإجراءات التي تنصّ عليها الدولة والسلط المحلية والجهوية وخاصّة تلك الإجراءات التي يكون مضمونها الحفاظ على سلامة المواطن وهنا يمكن الحديث عن التربية المواطنية بكلّ حقولها لذلك يمكن القول أنّ المدرسة التي كانت تلك المفخرة الوطنية زمن الدولة الوليدة وحاربت بها الدولة نسبة الأميّة قد تراجع دورها اليوم وذلك نتاج إهمال لهذه المؤسسة التربوية التي هي ركيزة أساسية في حياة المجتمعات. لذلك وجب على الدولة والحكومة اليوم مراجعة هذا الأمر وخاصّة فيما يتعلّق بالمؤسسات التربوية العمومية.

المؤسسة الدينية

ويرى خالد الطبابي ان المؤسسة الدينية أيضا هي جزء مهم في عملية التنشئة، وهي حقل لا يمكن إغفاله أو إنكاره. ويذكر ان العديد من الخطابات الدينية قد استعملت لأغراض سياسية وانتخابية خاصّة بعد سنة 2011، كما استعملت الخطابات الدينية لاستقطاب أكثر ما يمكن من الخزّان البشري لصالح شبكات الإرهاب والقتال.

ويعود عدم استعمال الخطابات الدينية بصفة مكثّفة لصالح الرقيّ بالمجتمعات وعقلنة القرارحسب الطبابي إلى أنّ العديد من رجال الدين والمؤسسات الدينية (أصحاب المذاهب والطرق والتقسيمات المختلقة صلب الدين الواحد)  قد ركزّت على فكرة الخلاص الفردي دون الخلاص الاقتصادي والاجتماعي والمجتمعي، أي التركيز على الحياة ما بعد الدنيا أكثر من الحياة الدنيوية، ولم تستعمل خطابات متكررة لزرع وخلق الروح المواطنية برمتها، وإن وجدت فليست بالكافي، علاوة على أنّه  وخاصّة بعد الثورة استخدموا الدين لغايات سياسية وهو ما قلّص الثقة بين المؤسسة الدينية والمواطن مما جعلها غير قادرة على الإقناع.

فضاءات دور الشباب والثقافة والطفولة

وفيما يتعلق بالفضاءات الشبابية ودور الثقافة التي هي ملاّذ الشباب والأطفال لكسب المهارات والترفيه وتحقيق الهوايات، وباعتبارها حلقات مجتمعية مهمّة في عملية التنشئة، يمكن وصف انشطتها حاليا في جهات عديدة بالخجول، ذلك أنّها لم تواكب تطور ديناميكية المجتمعات. ولم تخلق ذلك التشبيك الكافي بينها وبين مؤسسات أخرى. كما لم تعط اهتماما كبيرا للمجال الصحّي وطرق الوقاية خلال نشاطاتها، لتظلّ أغلب الأنشطة كلاسيكية تعوّد عليها المواطن مما قد تجعله في حالة عزوف ولكن وجب القول أنّ تراجع هذه الفضاءات يعود للمسار الحكومي الذي مازال مرتبكا وهشّا ولم يأخذ بعين الاعتبار هذه المؤسسات بغاية تطوريها حتّى تكون مساهمة في عملية تطوّر المجتمعات.

ويشدد خالد الطبابي على ان الوعي ليس بالوحي ينزّل على الفرد، بل هي صفة ومفهوم وفعل ينشأ مع البشر منذ السنوات الأولى، ومفهوم الوعي تزرعه مؤسسات التنشئة الاجتماعية و ما إن يتراجع دور هذه المؤسسات لا يمكننا الحديث عن وعي.

المسؤول الحكومي والساسة..

ويتعلق العامل الثاني لعدم التزام التونسيين، بالمسؤول الحكومة والساسة اللذان فقدا مصداقيتهما، فالمواطن اليوم لا يثق في خطابات رئيس الحكومة أو الجمهورية أو وزير التجارة حينما يؤكدون على وجود كلّ مستلزمات الغذاء، لأنّ المحتكرين فعلا ساهموا في تقلّص العديد من مستلزمات الغذاء مع غلاء أسعارها وفي المقابل نسجل غياب الدولة لمحاربة المحتكرين، مما يجعل من المواطن خارجا من بيته باحثا عن أكثر ما يمكن من مستلزمات الأكل والغذاء وتوفير أكثر ما يمكن متخوّفا من أن تشتد الأزمة وتزيد حدّة.هذا فضلا عن أنّ ضعف الدولة في تطبيق وأخذ الإجراءات بصفة جديّة وقانونية جعل العديد من المتساكنين غير ملتزمين. ونذكر مثال ضعف الدولة في تنظيم عملية تسديد الأجور بمكاتب البريد والبنوك ما جعل من المتقاعدين وغير المتقاعدين يخرجون مع بعضهم البعض لتقاضي رواتبهم الشهرية.

ريم سوودي

إضافة تعليق جديد