لم يصبني حزن إلا وانتشلتني منه القراءة " - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 29 مارس 2020

تابعونا على

Mar.
29
2020

قالها احد فلاسفة الانوار ومازالت صالحة

لم يصبني حزن إلا وانتشلتني منه القراءة "

الخميس 26 مارس 2020
نسخة للطباعة
تجربة قاسية في زمن الكورونا قد نربح منها على الاقل توطيد العلاقة بالكتاب

 لا يتفاعل المواطنون مع الحجر الصحي الشامل الذي فرضته الدولة توقيا من تفشي فيروس كورونا المستجد واعتمدته العديد من البلدان العربية والاجنبية لنفس الأسباب، لا يتفاعلون بنفس الطريقة. فهناك من انضبط بسهولة وتقوقع في البيت وهناك من قبل الامر على مضض وهناك من تمرد ورفض  الانصياع للامر الواقع.
ولنا ان نشير إلى أن تجربة البقاء في المنزل لاسبوعين متتاليين هي صعبة على الجميع لا سيما انه يمكن ان يقع التمديد فيها اذا تطلب الامر ذلك وقد اعلن مثلا المجلس  العلمي الفرنسي ان فرنسا ينبغي ان تفرض الحجر الصحي الشامل لمدة اربعة اسابيع كاملة، إن ارادت ضمان اكثر ما يمكن من فرص النجاح في الحرب ضد الكورونا، غير أن نوعية الاستجابة وبالاحرى تختلف من شخص لآخر.
وخلافا للاحكام المسبقة، فإن المتذمرين من الحجر الصحي او الرافضين له ليسوا دائما من الفئات الاقل تعليما أو الاقل ثقافة، وإنما هم من مختلف الفئات الاجتماعية ومن بين المتعلمين.
وإن كانت هناك عدة اسباب لتذمر الناس من الحجر الصحي ومن بينها أسباب اقتصادية، فإن السبب الرئيسي الي كان يشمل الجميع، هو الضجر والقلق الناتج عن التقوقع في البيت.
ومعروف ان الكثير من المواطنين من مختلف الفئات العمرية يلتجئون في هذه الفترة بقوة  إلى وسائل التواصل الاجتماعي على الانترتيت للاطلاع بالخصوص على اخبار الكورونا  وكثير منهم يرابط امام التلفزيون أو ينصت للاذاعات. هناك من يقضي وقته في مشاهدة افلام ومسلسلات على مواقع متخصصة، وكلها وسائل لتبديد الوقت الذي يكون وقعه بطيئا كلما وجد الانسان نفسه بلا شغل وحريته مقيدة.
لكن إن كانت وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك الاذاعات والتلفزيون توفر بالخصوص المعلومات حول تطور المرض وحول كل ما يتعلق بمجابهته، فإن المبالغة في متابعتها  تبقى عملية مرهقة في النهاية وقد يكون لها انعكسات سلبية على نفسية المتلقي. فالتعرض إلى الاخبار السلبية باستمرار من شأنه أن يزيد من حجم التوتر، والتوتر من شأنه وفق  اهل الاختصاص خاصة من الاطباء النفسانيين، أن يضعف المناعة، الامر الذي يجعل قدرة الانسان على المقاومة، ان حدث واصيب بفيروس كورونا المستجد( كوفيد 19) اقل، وحظوظه في الشفاء، اقل كذلك.
لكن إن كانت للحجر الصحي الشامل عيوبه، فإنه له كذلك بعض الايجابيات من بينها توفر الوقت الذي يمكننا  من  أن نبحر في الواب وان نشاهد التلفزيون وان نشاهد فيلما على محطات البث الحديثة، على نتفليكس مثلا، وان نتابع الاخبار حول الكورونا لحظة بلحظة وان نقوم بانشطة اخرى عديدة ويبقى لنا من الوقت للمطالعة. فهي فرصة نادرة لتوطيد العلاقة مع الكتاب  ولعلنا لا نبالغ عندما نقول بأنه لا يوجد افضل من الانفراد للحظات مع كتاب للتخلص من عبء الوقت ومن ضغط الاحساس بالواقع. ألم يقل الحكماء من قبل  ان الكتاب خير جليس؟
وهناك شهادات عبر التاريخ بان المطالعة هي من افضل العلاجات لمشاكل القلق والضجر والحيرة والحزن. فقد قال مونتسكيو احد فلاسفة الانوار ( عاش فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر) أنه "لم يصبني حزن إلا وانتشلتني منه القراءة".
ونحن فعلا اليوم في حالة حزن. صحيح، إن الناس تواجه الفيروس بشجاعة وهناك شعور بالقلق من الفشل في مقاومته، لكن هناك ايضا حزن يخيم على العالم. يكفي ان ننظر كيف تحولت مدن تاريخية مثل روما وباريس وقرطاج والقاهرة وغيرها  إلى مدن اشباح، حتى نشعر بالحزن. ويكفي أن نتأمل في واقع البشرية اليوم التي بلغت أشواطا متقدمة في العلوم والتكنولوجيا، فإذا وجودها أصبح رهين نتائج المواجهة مع كائن مجهري لا يرى بالعين المجردة. صحيح أن الامر مفزع، لكنها الحقيقة، التي وجب تقبلها.
صحيح كذلك، أن المطالعة لن تجعلنا نكسب الحرب على الفيروس القاتل، ولكنها تساعد كثيرا على استيعاب الامر وتساعد بالخصوص على التحمل وعلى الصبر أكثر وتقلل من التوتر وتبعث على  الهدوء، ذلك الهدوء المنشود، الذي نحن في حاجة إليه في خضم كل هذا الصمت المخيف المخيم على البلدان.
ولنا أن نذكر بأننا في وضع لم نختره وان بلادنا تخوض كما هو معروف حربا  ضد الكورونا، اقتضت المرور إلى اجراءات قاسية من بينها الحجر الصحي التام، وهي للتذكير حرب لا تخصنا وحدنا وإنما هي عبارة عن حرب عالمية جديدة، إذ ان كل بلدان العالم قد دخلت في مواجهة ضد هذا الفيروس القاتل الذي حصد إلى اليوم آلاف الارواح ويزداد يوميا عدد المصابين به بالآلاف، فهو سريع الانتشار جدا، ولم يقع الاتفاق بين الاطباء حول نجاعة الادوية المتوفرة ولم يقع التوصل الى لقاح ضده.
ويبدو أن الوسيلة الوحيدة التي اهتدت إليها الدول إلى اليوم للتقليص من فاعلية الفيروس، هي الحجر الصحي الشامل. وكثيرون لا يطيقونه ولكن الجميع ملزم به. وإن كان لا مفر من الالتزام بالحجر الصحي، لانه الحل اليوم، فإنه يمكن تحمله والصبر عليه  أكثر بشيء من المطالعة، ففيها شفاء للارواح الحزينة.
ولعلها فرصة بالنسبة لنا، نحن التونسيون، الذين لا نقبل كثيرا على المطالعة، لتحسين علاقتنا مع الكتاب ولم لا توطيد العلاقة به.  فهي وصفة مجربة وناجعة وفعالة بشهادة كبار المفكرين في العالم.

حياة السايب

إضافة تعليق جديد