الصحفي المصري سلمان إسماعيل يكتب لـ"الصباح" عن ثورة 25 يناير": على فكرة.. الثورة نجحت - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Dec.
12
2019

الصحفي المصري سلمان إسماعيل يكتب لـ"الصباح" عن ثورة 25 يناير": على فكرة.. الثورة نجحت

السبت 26 جانفي 2019
نسخة للطباعة

في ليلة طامسة الأنجم، وحين بلغ اليأس أعلى مراحله في نفوس الشباب العربي، خرجت الصرخة الأولى من تونس، وأشعل «البوعزيزي» شرارة الحرية التي انطلقت إلى بقية الأقطار العربية تُضيء ليل المُحبَطين، وترد الروح إلى الجسد العربي الذي يصارع من أجل لقيمات تقمن صلبه.. وبات شهر يناير (جانفي) علامة على الثورات واقترن في الأذهان بنداءات الحرية.

هذا الأمل الذي ولد تونسيًا انطلق بسرعة الضوء إلى «قاهرة المعز»، وكما ثار التونسيون لانتزاع حريتهم المسلوبة، ضرب المصريون مثالًا لن يُمحى من ذاكرة التاريخ، حينما قدموا دماءهم قربانًا للحرية والعيش الكريم، ويكثر اللغط كل عام.. هل نحتفل بذكرى الثورة التي طوت 30 عامًا من الديكتاتورية الفظّة، أم عيد الشرطة؟ والحقيقة التي لن تُمحى، أنه لا يمكن لأي من المناسبتين أن تزيح الأخرى، فنحن نحتفل بشهداء أبطال رفضوا التسليم للمحتل الإنجليزي عام 1952، وشهداء أبرار قدموا دماءهم لينعم الشعب بالحرية عام 2011.

هناك إجماع على وجود خيبة أمل أصابت كثير من الحالمين والذين توقعوا أن ثورة 25 يناير 2011 المباركة ستحل مشاكل مصر جميعها بضغطة زر، وفي أقصر وقت ممكن.. ليس غريبًا على أناس مُحدثي حرية، وليس كثيرًا على قطاع عريض ممن أنهكهم الجوع والفقر والمرض، ولا لائمة على أيِّ منهم.

من أين جاءت خيبة الأمل؟

من هؤلاء الذين عولت عليهم الثورة كثيرًا، والذين كشفت الأيام زيف ما زعموا بأنهم دعاة حرية، وثوار من «ساسهم لرأسهم»، الذين تعلقوا بأستار الثورة، وانتحبوا وأبدوا ندمهم على صمتهم حيال تجويع الشعب وإفقاره وإذلاله لعقود سبقت صحوة المارد في 25 يناير، ذلك اليوم الذي سيظل مدعاة الفخر في تاريخ مصر الحديث.

الخزي والعار لمن تنكروا للثورة الغراء، وكانوا أول من قفز من سفينتها المغدورة، الذين اغتالوا نداءات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فنانون، ورياضيون، وإعلاميون، ورجال أعمال، وحتى سياسيين بارزين، نصبوا أنفسهم أوصياء على ثورة لا زعيم لها إلا الشعب.. وارتموا بعد ذلك في أحضان تجار الدين، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.

ساهم هؤلاء بالنصيب الأكبر في ضياع حلم الديمقراطية والعدالة، ودخول البلاد في متاهة الجماعات المسلحة والحرب على الإرهاب، الأمر الذي استدعى قبضة أمنية حديدية لا يمكن الوقوف في وجهها لأنها تحارب بالنيابة عن الجماهير.. تحارب للحفاظ على «الأمن القومي» الخط الأشد حُمْرة في تاريخ منطقتنا.

الوضع الآن في الذكرى الثامنة للثورة المصرية مختلف تمامًا عن نظيره في تونس، اللهم إلا الأوضاع الاقتصادية المتشابهة، ويمكنك بسهولة أن تجده في تقارير المنظمات المعنية بالشأن الحقوقي، ممثلًا في انتكاسة كبرى لحقوق الإنسان وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير. ربما تغفل هذه المنظمات ذكر المحاولات التي تقوم بها الدولة فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية من دعم للفئات الأكثر احتياجًا، ونقل سكان المناطق العشوائية إلى أماكن تناسب آدميتهم. لكن هل يمكن تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بمعزل عن الحقوق السياسية والمدنية؟

هي حزمة واحدة.. مفيش حقوق «فَرط»، وعلى الحكومة أن تعي هذا الأمر، وأن تضع نصب أعينها أن ما أودى بالبلاد لحالة الانفجار قبل 8 سنوات كان التضييق على الحريات المدنية والسياسية حتى لا تتكرر الأحداث، ونجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة من العنف غير المحمودة عواقبه، أو الثورة دون تغيير حقيقي، وحتى لا تتحول دماء الثائرين إلى مجرد ذكرى نحتفل بها على استحياء بعد عيد الشرطة.

اللافت أن نغمة انتقامية تتردد دون استحياء، مفادها أن ثورة يناير لم تكن سوى مؤامرة، وأنها فشلت في تحقيق أهدافها.. لا يستحق أصحاب هذا التوجه الرد على مزاعمهم منعدمة الدلائل، فقد كانوا أول من تمسَّح بالثورة حينما نجحت في إسقاط حكم ديكتاتوري عضود.. ولو كانت نداءات العدالة والكرامة والمساواة مؤامرة، فإنها كذلك، فقط على مصالحهم الضيقة ومنافعهم التي يتحصَّلون عليها من نفاقهم لكل رئيس، حتى لو كان «رئيس مجلس مدينة.«!

قريبًا يزول الافتراء.. وتبقى الحقيقة وحدها تضيء الطريق أمام الغافلين، ستبقى الحقيقة دامغة، سنروي لأحفادنا حكايات الدماء الزكية التي روت أرض مصر بالأمل.. والتي بدونها ما كانت بذور الحرية ستجد طريقها إلى النمو. ولو لم يبقَ للثورة من مكارم سوى أنها كسرت حاجز الخوف الذي عشش في قلوب المصريين لعقود لكفاها.. الثورة نجحت في قتل عقيدة تقديس الحاكم ورفعه لمرتبة الإله، أقول هذا للانهزاميين الجدد، حتى لو جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا.

سلمان إسماعيل

صحفي مصري

Salman.mohamed67@yahoo.com

إضافة تعليق جديد