ممنوع من الحياد: كما لو كنا هبطنا على سطح القمر ! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Feb.
22
2019

ممنوع من الحياد: كما لو كنا هبطنا على سطح القمر !

الخميس 17 جانفي 2019
نسخة للطباعة

في تصريح لها عن انطباعها الاول وهي تصل الى العاصمة البريطانية لندن، قالت الباكستانية مالالا يوسف صاحبة جائزة نوبل للسلام، الطفلة التي نجت بأعجوبة من رصاص «طالبان» بسبب إصرارها على الذهاب الى المدرسة، أن الامر بدا لها وكأنها تهبط على سطح القمر، وهو تشبيه مثير ويعكس مشاعر الطفلة التي تغادر بيئتها ومجتمعها لأول مرة بعد التنكيل الذي تعرضت له على يد حركة «طالبان»، وهي بذلك تختزل البون الشاسع بين عالمين متزامنين في القرن الواحد والعشرين مع اختلاف مهم وهو أن أحدهما يعيش عصره ويتقدم بتقدمه ويستفيد من التطورات الحاصلة في العالم، والآخر يعيش زمن الجاهلية الاولى أو زمن أهل الكهف... والحال أنه لو تم الاستثمار في البشر في ذلك الجزء المنسي من العالم في باكستان وأفغانستان وغيرها من المناطق البدائية لربما كان المشهد مختلفا ..
تصريحات مالالا يوسف تعود الى الاذهان مع الضجة التي أحدثتها قصة الفتاة السعودية رهف في مختلف المؤسسات الاعلامية التي لم تنتبه الى مشاهد الموت اليومي تغزو مخيمات الاطفال الفلسطينيين في الضفة والقطاع، ولا صور من ماتوا بسبب البرد في المخيمات السورية، ولا من تقطعت بهم السبل في شوارع اليمن بسبب تجمع كل اسباب الموت والفناء من قنابل ورصاص والغام وتفجيرات ولكن ايضا من أوبئة ومن جوع حتى الموت..
لسنا بصدد التقليل من قضية هذه الفتاة ولا بصدد الدعوة الى تجاهل حكايتها التي لا تختلف عن حكايات الكثير من الفتيات في السعودية وبينهن أميرات تنازلن عن حياة العز والرفاهية والمال، من أجل نصيب من الحرية التي لا تقدر بثمن، وبحثا عن متنفس لهن من كل القيود الاجتماعية والتقاليد البالية التي تجعل من المرأة كائنا من الدرجة الثانية او الثالثة، لا هوية ولا موقع ولا هدف لها الا ما تقرر في شأنها..
ربما تختلف حكاية رهف ابنة الثمانية عشر ربيعا عن سابقاتها كونها نجحت في تبليغ صوتها الى العالم ونجحت في تحقيق هدفها في الوصول الى كندا على أمل أن تتوفر لها فرصة ان تتعلم وتدرس وتتفتح على الثقافات والحضارات وأن تختار مصيرها وتكون سيدة قرارها، وهو حلم كل فتاة في هذا العالم.. نتفهم غضب السلطات السعودية ونتفهم غضب عائلة الفتاة التي يبدو أنها أعلنت التبرؤ من فلذة كبدها لأنها اختارت ان تكون مختلفة وان تكون سيدة جسدها وتختار شكلها وطريقة تسريح شعرها ولباسها وهيئتها وأن تكون فقط جميلة وأنيقة في مظهرها وفي كلامها..
لسنا ندعي معرفة كل خفايا هذه الحادثة ولا ظروف وملابسات قرار الفتاة بالتخلي عن عائلتها والابتعاد عنها، وربما تكون دُفعت دفعا لهذا الاختيار والبحث عن ملجئ بعيد عن موطنها وأهلها في بلد مختلف في طبيعته وجغرافيته وأهله ولغته وثقافته ومعتقداته عن بلدها الاصلي..
لسنا بصدد محاكمة النوايا ولكن ربما لو كان لعائلة هذه الفتاة الحد الادنى من ثقافة التواصل والقناعة بالمساواة بين ابنائها من الذكور والاناث في المعاملات وفي الحق في التعلم والحياة والكرامة لكان تصرف الفتاة مختلفا..
ربما لم تدرك الكثير من المجتمعات المنغلقة التطورات الحاصلة في العالم ولم تدرك معها تطلعات الشباب المشروعة في زمن العولمة.. اخفاق العائلة من اخفاق المجتمع واخفاق السلطات التي تفرض قيودها على الاجيال وتكتم انفاسها وتصادر حقها في الاختيار..
بالأمس كانت رهف وبعدها نجود.. السلطات السعودية تلتزم بالتحقيق في الامر لكشف كل الملابسات الخفية التي باتت مصدر احراج اضافي لها وهي التي لم تطو بعد ملف اغتيال الصحفي خاشقجي... عندما اعلن محمد بن سلمان وليا للعهد بادر الى اعلان جملة من الاجراءات لإصلاح المجتمع وتطويق الفساد وتعزيز موقع المرأة وتغيير الاحكام البالية التي تنفر الشباب من الجنسين وتدفع الى التمرد او التطرف ومعانقة الفكر الارهابي... قد يكون مصير رهف التي استقر بها المقام في كندا افضل من الكثيرات ممن أصبح مصيرهن مجهولا... وكان بالإمكان ان يكون مصير رهف افضل بكثير في بلدها وموطنها لو أمكن التخلص من التابوهات والمحرمات التي تنكر على المرأة حقها في أن تكون انسانا والتحرر من تلك العقليات المعادية للمواطنة... والانتصار لإنسانية الانسان وحقه في تقرير المصير ولكل القيم الكونية التي لا تختلف ولكنها تجتمع مع ما اقره الاسلام المعتدل للبشر من قيم العدالة والمساواة وليس الاسلام الذي تم اخضاعه ليتماشى حسب تفسير واهواء وسلطات من ينكرون على الانثى ابسط حقوقها...
قد تكون رهف مثل مالالا يوسف وهي تستكشف عالمها الجديد وكأنها تنزل على سطح القمر لأول مرة وهي بذلك لا تقترف ذنبا ولكها تتحمل ذنوب الاخرين ممن ارادوا سرقة حياتها وحلمها وطموحاتها فاختارت انقاذ حلمها على طريقتها..
◗ آسيا العتروس

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة