14 جانفي.. الثورة التي لم تقع: من الإعلام المتغاضي إلى الإعلام الاستعراضي.. والشعارات وحدها لا تصنع المحتوى الجيد! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 15 جانفي 2019

تابعونا على

Jan.
16
2019

14 جانفي.. الثورة التي لم تقع: من الإعلام المتغاضي إلى الإعلام الاستعراضي.. والشعارات وحدها لا تصنع المحتوى الجيد!

الاثنين 14 جانفي 2019
نسخة للطباعة

شارع القناص

فسحة العين والأذن يؤمنها: الهادي السنوسي

مع إطلالة قمر 14 جانفي عادت الى الذاكرة بعض التفاصيل لما حدث قبل ثماني سنوات..

ان من خصائص الثورة انها تفجر كل المسلمات وتثير حولها عدة زوابع داخلية وخارجية التي تبدو أحيانا خارج السياق..

تلك هي طبيعة الثورة مهما كانت المنطلقات والغايات لذلك فان ثورة 14 جانفي اندلعت في تونس بقوة البركان الذي ظل صامتا على امتداد عقود ليتفجر حمما حارقة.

وقد بدا لبعض الملاحظين ان ما حدث عندنا يعد في باب اللامنتظر بحكم ما عرف به شعبنا من تسامح وحرص على حماية امنه بكل الطرق السلمية ولكنهم تناسوا ـ ربما عن جهل ـ ان هذا الشعب الذي يتسم بهدوئه كان على مدى تاريخه ثائرا يصارع الغزاة والمصادرين لحريته وكرامته..

كذبة غياب التأطير

لقد تعاقبت على هذه الارض الغزوات والاحتلالات ولكنها ظلت مستعصية على المغتصبين وكانت في كل مرة تخرج منتصرة لان ابناءها يدركون جيدا ان الطيبة والوداعة والخصال الانسانية السمحة لا تتنافى مع مبادئ الكرامة والحرية والدفاع عنها بكل الوسائل.. والتاريخ القريب يثبت ان الشعب التونسي لم خرج الى الشارع ولم يدفع ارواح ابنائه الا عندما ضاق امامه الافق وانسدت السبل وانعدمت كل الوسائل السلمية الاخرى.

لذلك فان الثور التونسية لم تفاجئ الا الذين لا يعرفون حقيقة الشعب وصلابته عندما يتعلق الامر بحريته وكرامته ومصير ابنائه.

ولكل ذلك وغيره من انوع السذاجة التحليلية في قراءة تاريخ الشعوب استنتج بعض "الجهابذة" ان الخبز كان وقود الثورة بمعنى ان انتفاضة شعب كامل كانت مجرد ثورة جوعى!

فعلا.. لقد كان التونسيون جياعا الى.. الحرية والكرامة والعيش في كنف العزة.. وهذا لا يوفره الخبز الحافي أو الطعم البرجوازي..

ان الشعب سفه اقوال الذين لا يؤمنون بغير المادة وسلطان الشهوات وبهرج الحياة الزائفة وقدم للعالم درسا لا ينسى في قدرة الإنسان التونسي على مقاومة الفساد ومصارعة الحيف والزيف بوسائله الذاتية من الاتكاء على إيديولوجيات أو وسائل مستوردة.. وتلك هي النقطة القصوى في التجربة الثورية التونسية.. باختصار انها معجزة تونسية اخرى تنضاف الى صفحات تاريخنا النضالي الطويل.

وهذا التأويل الخاطئ لبعض الخارجيين رافقه تأويل مواز من بعض "الرموز" الداخليين.. ولئن تتباين الدوافع لدى الجهتين فان النتيجة واحدة وهي تتمثل في الاستنقاص من قيمة النفس والحس الثوريين عند الشعب التونسي وتقزيم الدلالات العميقة للهزة الشعبية التي حررت البلاد والعباد..

كيف كان ذلك؟ ولماذا؟.. سأحاول الاجابة من منظوري الخاص بالاعتماد على لاحق الثورة اي ما تبعها من قراءات وردود فعل.

ولعل اللافت في التأويل الداخلي اي ما جرى على ألسنة العديدين هو القول بان الثورة عندنا لم تكن مؤطرة.. وهذا القول يحتمل في نظري عدة اوجه للتأويل.

فقد يكون صحيحا انها انطلقت من الشعب الكريم وبدفع منه ومن دون تخطيط من تنظيمات او جهات معنية ولكن ذلك لا يعني ابدا انها كانت فعلا غير مؤطرة.

ولعل ما زاد في الترويج لهذا الاستنتاج اعتماد بعض النخب السياسية عليه كمدخل لاحتواء نواله والاستحواذ على خراجه.

فالنخب السياسية التي ظلت نائمة في العسل وعلى الارائك الوثيرة لصالونات المقاولات السياسوية بدت طامعة في ثمار الثورة ولم تجد مدخلا ايسر من الادعاء بان ما حدث لم يكن مؤطرا.. ولسان حالها يقول ـ بالنتيجة ـ انها تحتاج تأطيرا.. ومن غير النخب السياسية اقدر على ذلك التأطير؟!..

وهذا يعني بصريح العبارة: ايها الشعب.. انت ثرت وضحيت ودفعت ضريبة الدم.. والان جاء دورنا كي نواصل.. ثورة الخطب والنقاشات والمزايدات وصيد غنائم الانتخابات.. فعد الى "ببوشتك" وارقد هانئا في تبنك بلا كوابيس.. فنحن ادرى بالشعاب والكواليس!

وفي الكواليس يحدث ما يحدث وتدخل الثورة بورصة المزايدات وتعلو قيمها وتنزل حسب التجاذبات والصراعات.. كل الامل الا تفقد بعض ثيابها فتتعرى حقيقة الكثيرين من "الثورجيين" من هواة ممارس "جيمناستيك البوليتيك" وما اكثرهم في زمن اللعب على اكثر من حبل.

وان استغرب كيف تصل حسابات السياسة الى هذه النتيجة السلبية في التحليل والاستنتاج بالاعتماد على معطى الانتهاز..

واستغرب اكثر واعجب ممن يتغاضون عن معطى اخر قد يقلب المعادلة ويقول للباحثين عن اللّقم الثورية السائغة.. قفوا عند حدودكم لان الثورة لم تأت من فراغ ولم تكن لتنجح وتحقق النصر الذي بلغ ارجاء العالم لو لم تكن مؤطرة بنخبها الشعبة.

ان الشعب الذي بلغ مراتب عاليا من التعليم وارتقى سلم الفقر والثقافة انجب العديد من الرؤوس القادرة على التأطير والتسيير دون الحاجة الى اعلان قيادات او ترديد شعارات موجهة للاستهلاك السريع في فضاءات المزايدات!

ان ثورة بحجم ثورة تونس وقيمتها لا يمكن ان تأتي من فراغ بل ان وراءها جيلا من الشباب المثقف الواعي والمعتمد على النفس ولم يكن في حاجة الى "مؤطرين" من خارج الرحم الشعبي..

لذلك فان الثورة كانت مؤطرة برجالها ونسائها من مختلف الاجيال والمشارب وان القول بخلاف ذلك ليس سوى نفخ في قربة منقوبة تخر على حاملها".. وطمسا لقدرات شباب الثورة.

الانقلاب الفاشل

.."القربة التي تخرّ بالماء" لحق طشها ميدانا لا يقل أهمية عن السياسة بل هو روح السياسة باعتباره سلطة جماهيرية.. بل هو أكبر حزب سياسي في الساحة وأعني الإعلام.. وما أدراك ما الإعلام!

أعتقد أنه لا فائدة في العودة إلى الكواليس التي عاشها الاعلام الوطني على مدى سنوات طويلة.. فقد قيل الكثير في هذا الشأن حتى امتلأت الرؤوس وضاقت النفوس.. ولكن هل يكفي ما يحدث في هذا المجال لتفسير اللخبطة التي تعشش في مفاصل الأداء العام لجل مكونات المشهد الإعلامي عندنا؟..

قد يبدو الحكم القاطع في هذا الشأن متخلفا عن أوانه ولكن الخشية من ضياع فرص التدارك على اعلامنا الوطني يدفع الى التوقف عند هذه النقطة ولو قليلا..

وهذا يجرني الى توجيه تحية خاصة الى احدى الزميلات بإحدى اذاعاتنا التي حركت السواكن عندما اقترحت علي قبل ايام الخوض في اداء الاعلام الوطني وما هو المطلوب منه بعد ان تحققت الثورة التي حررته مثلما حررت الشعب ومختلف الدواليب.. وما أعطاني السانحة كي أبحر وإن في الضفاف القريبة في مجال داخله مفقود والخارج منه مولود!

ان المتابع لإعلامنا بعد الثورة يلاحظ بلا عناء كبير ان اهله لم يدركوا عمليا ابعاد ما حدث في البلاد ولم يستطيعوا ان يصنعوا ثورتهم الخاصة بالنجاح ذاته الذي حققته الثورة الشعبية بصفة عامة.

لقد شاهدنا قنواتنا التلفزية على وجه الخصوص وهي ترتمي في احضان الاثارة الشعبوية لاستمالة النظارة من خلال اساليب متشابهة.. واذكر من بينها تمكين الكثيرين من استعراض حالات "التهميش والاقتصاء" التي تعرضوا لها ـ وهذا من حقهم طبعا ـ ولكن ليس من حق الاجهزة المنتجة ان تجعل ن تلك المادة علكة الصباح والمساء وان تقف عند الجانب الاستعراضي للقضايا.

ان الحديث عن مساحات الظل يتطلب معالجة اعلامية اعمق من خلال ايصال الاصوات الى الجهات المعنية واستكناه آرائها والحلول التي تقترحها..

فالحرص على تكرار القول باننا تحررنا وان اعلامنا اصبح حرا لا يعني بالضرورة انه فعلا كذلك.. إذ حول بعضهم برامجه إلى عكاظيات لا تختلف في شيء عما كنا نتابعه في سالف العصر والاوان!

إحدى المذيعات استدعت بعض الشعراء ـ منهم المعروف ومنهم الملقوف ـ ادعى جلهم التهميش والحال ان وجوههم مألوفة بفضل التلفزة.. وبعد الاستماع الى بعض اعمالهم علقت المذيعة بالقول: "ان هذا الشعر اروع من كل ما كان يذاع سابقا.. وهذا على مسؤوليتي.."

وأنا أقول لها على مسؤوليتي المضاعفة.. ان هذا الكلام غير مسؤول.. فكيف لكل ان تحكمي بتلك البساطة على كل الشعراء الذين ظهروا على الشاشة في السابق انهم لا يساوون قرشا في سوق الشعراء!كلام كالظلام كما يقول زميلنا الكبير الصديق حسن حمادة.

لقد انقلب سحر اعلامنا الى القطاع من حيث يدري اهله او لا يدرون.. فالمبالغة في اظهار النوايا ومحاولات شراء القلوب والحصول على شهادة البراءة والنظافة لا تتم بمثل تلك الاساليب السطحية والتوسلات الشعبوية.

ان تحول اعلامنا من مرحلة التغاضي الى مرحلة التعاطي الاستعراضي لن يزيد القطاع الا مرضا على مرض ووهنا على وهن..

إضافة تعليق جديد