أضرت بـ«هيبة وحرمة المؤسسة التربوية»: علاقة المربي والتلميذ «عدائية» والانضباط المدرسي في «مهب الريح» - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 13 ديسمبر 2018

تابعونا على

Dec.
14
2018

أضرت بـ«هيبة وحرمة المؤسسة التربوية»: علاقة المربي والتلميذ «عدائية» والانضباط المدرسي في «مهب الريح»

الخميس 6 ديسمبر 2018
نسخة للطباعة
أضرت بـ«هيبة وحرمة المؤسسة التربوية»: علاقة المربي والتلميذ «عدائية» والانضباط المدرسي في «مهب الريح»

بعد أن كنا نفتخر بان المدرسة هي ثروتنا الوحيدة التي خلقت جيلا مؤمنا بالعلم ويعتبره سلاحه الأول في مواجهة ضغوطات الحياة المعنوية والاقتصادية.. يبدو ان هذه الفكرة تلاشت وتآكلت بمرور الزمن بسبب الفهم الخاطئ للحرية والدخول في مرحلة التسيب وغياب الانضباط  بعد أن ساد انطباع عام بإمكانية الإفلات من العقاب سواء من قبل المربي أو التلميذ.

ولا يمكن لأحد ان ينفي تأثر علاقة التلميذ بالمربي بسبب التغيرات الاجتماعية المتسارعة حيث تحولت الى علاقة «عدائية» بعد ان نجحت محاولات إشباع التلميذ ذهنيا بان المربي غير جدير بالاحترام ما أدى الى انتفاء الهيبة عنه مع انتفاء حرمة المدرسة ونفس الشيء بالنسبة للمربي الذي أصبح ينتقم لنفسه من خلال استعمال التلميذ كوسيلة للضغط اجتماعيا قصد إشباع رغباته الاقتصادية.
«ينبغي التّنبيه أوّلا إلى أنّه من الواجب توخّي أقصى درجات التّنسيب حين نتحدّث عن تردّي العلاقة بين المربّي والتّلميذ لأنّ هذه العلاقة لا تزال في قسمها الأكبر سليمة بالرّغم من كافّة الظّروف هذه وجهة نظر سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، مشددا على أنّ عقليّة «البوز» الطّاغية اليوم في مجتمعنا تميل إلى تهويلها بهدف البحث عن الإثارة وصناعة الحدث وجلب القرّاء أو المشاهدين، ولكنّ هذا لا يمنعنا من التّنبيه بالتّوازي مع ذلك إلى ضرورة عدم السّكوت عن بعض التّجاوزات التي تحدث هنا وهناك، والتي لا نعتبر في كلّ الحالات التّلميذ مسؤولا عنها، لأنّه يكون دوما ضحيّة غياب التّأطير والتّربية السّليمة، أو ضحيّة ما يمكن أن يتعرّض إليه في بعض الحالات المعزولة من تجاوز أو هرسلة، كما لا يمكن الإلقاء باللاّئمة على المدرّس الذي يعاني أصنافا شتّى من الضّغوطات النّفسيّة والاجتماعيّة والمادّيّة.
العنف في الوسط التربوي
وكانت ردة فعل التلاميذ منذ اليومين الماضيين تجاه قرار الأساتذة عدم تمكينهم من إجراء الامتحانات احتجاجا على عدم الاستجابة إلى مطالبهم من قبل سلطة الإشراف صادمة عكست أزمة حقيقية في علاقة المربي بالتلميذ والعكس لكن لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد لأنها مسؤولية مشتركة الكل يتحمل جزءا منها.
وأعادتنا هذه الأحداث بالذاكرة إلى دراسة أجراها المعهد التونسي للدراسات الإستراتجية في سنة 2017 حول تفشي ظاهرة العنف في الوسط التربوي اذ أثبتت انه، تمّ تسجيل حالات عنف لفظي وجسدي بالمرحلة الإعدادية والتعليم الثانوي وصلت إلى أكثر من 14 ألف حالة عنف مادي صادرة عن التلاميذ وأكثر من 7 آلاف حالة صادرة عن الأساتذة وحوالي 5 آلاف حالة صادرة عن بقية الأسرة التربوية أما بالنسبة إلى عدد حالات العنف اللفظي فقد بلغت على التوالي، أكثر من 5 آلاف بالنسبة للتلاميذ و900 حالة للأساتذة و815 لبقية الأسرة التربوية، وما يلاحظ في حالات العنف أنّه تمّ تسجيل 77 % من حالات العنف بالمجال القروي وأنّ حالات العنف المدرسي بالمدن أكثر من حيث العدد وذلك لدواع مرتبطة بالبيئة الاجتماعية وبمحدّدات أخرى كالبنية الديمغرافية ودرجة كثافتها، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية.
المنظومة الاجتماعية المتهم الأول..
وفي إجابته على سؤال حول أسباب تردي العلاقة بين التلميذ والمربي بعد ان كانت تجمعهم علاقة تشبه في حد كبير منها «القدسية» اذ كان المربي عنوانا للأبوة ومثلا يحتذى به ويهابه التلميذ والولي قبل أن تضمحل كل هذه المفاهيم فاعتبر رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم ان «المسؤول الرّئيسيّ عن هذه الوضعيّة هي المنظومة الاجتماعيّة عامّة والتّربويّة خاصّة التي تنتج كافّة الظّروف الموضوعيّة الدّافعة إلى التّوتّر وإلى العنف، لذلك فقد بادرنا على مستوى الجمعيّة التّونسيّة لجودة التّعليم بتقديم «المبادرة المدنيّة للتّربية الأسريّة» التّي وقع تبنّيها من قبل كلّ من وزارة المرأة والأسرة والطّفولة وكبار السّنّ، والمنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم، والتي نأمل أن تساهم، باستعادة الأسرة لدورها التّربويّ، في بناء مناخ تربويّ سليم يخفّف من الاحتقان الأسريّ والمدرسيّ، ويرجع العلاقات التّربويّة إلى ما ينبغي أن تكون عليه من تكامل وانسجام».
وحسب محدثنا فانه تم تقديم مشروع «مدوّنة سلوك الأسرة التّربويّة الموسّعة الذي نأمل أن تتبنّاه كلّ الأطراف المعنيّة، ليكون دستورا ينظّم العمليّة التّربويّة ويؤسّس لمقاربة تشاركيّة بنّاءة تخلّص الفعل التّربويّ ممّا اعتراه في السّنوات الأخيرة من فوضى توشك أن تفرغه من محتواه وأن تذهب به. وسوف يتمّ عرض هذا المشروع بمناسبة ندوة وطنيّة تلتئم أواخر هذا الشّهر.» وفي نفس السياق اعتبر مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس وأستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك ان توتر العلاقة بين المربي والتلميذ حوّل المدرسة إلى فضاء ينتقم منه التلميذ من خلال حرق وتكسير وإتلاف للمعدات لان السياسات العمومية فشلت في خلق حرمة المدرسة وهيبة المدرس وقدسية التعليم .
كما حمّل مهدي مبروك المسؤولية إلى أربعة أطراف هي، السياسات العمومية التي لم تعطي التربية والتعليم ما يستحق من استراتيجيات وتخطيط وتمويل وتحديث للأساليب التربوية والبيداغوجية فضلا عن مناهج التعليم، فحين نتذكر كتلة الأجور التي تلتهمها ميزانية وزارة التربية ونقارنها بوضعية المدارس والنواب يتبين أن السياسيات العمومية المتبعة تتحمل جزءا مهما من المسؤولية.
وأضاف مبروك «ان العائلة التي يبدو أنها استقالت من المهمة الرئيسية أي المرافقة والمتابعة والتحفيز وخيرت أشكالا من المناولة مثل الدروس الخصوصية والمحاضن في زمن مدرسي يشجع للأسف على الانحراف والتدحرج في مسالك السلوكات الخطيرة كالإدمان، إلى جانب المدرسين الذين أحيانا يفتقدون لأبجديات التعامل مع التلاميذ في مراحل عمرية حساسة جدا فضلا على أنهم سلعنوا التعليم من خلال التحرش بالتلاميذ لدفهم إلى الانخراط في سوق موازية للتعليم كالدروس الخصوصية».
غياب الانضباط المدرسي
نذكر ان صحيفة «لوباريزيان» نشرت في أفريل 2017 تقريرا حول الانضباط في المدارس شمل 72 دولة احتلت فيه تونس المرتبة الأخيرة وهذه النتيجة أرجعها رئيس «الجمعية التونسية لجودة التعليم» الى ان الجميع أمام ظاهرة مركّبة ومتعدّدة الأسباب،» فالتّونسيّ شخصيّة ميّالة بطبعها إلى عدم الالتزام بالقانون كلّما أتيحت لها فرصة ذلك، وهذا تقليد لا واع ومتوارث يضرب بجذوره في أعماق التّاريخ: فتونس قد حكمت على مرّ العصور، وبصورة شبه متواصلة، من طرف أجانب استوطنوها وفرضوا شرائعهم على سكّانها الذين لم يكن أمامهم سوى القبول بها في انتظار أوّل فرصة للتّمرّد. ولذلك فقد مثّلت أحداث 2011 فرصة ذهبيّة لكافّة أشكال التّسيّب وغياب الانضباط، بعد أن ساد انطباع عام بإمكانيّة الإفلات من العقاب».
وأضاف قاسم قائلا «من الطّبيعيّ أن تتأثّر المدرسة بهذه الحالة العامّة وأن ترث تبعاتها، خاصّة بعد القرار المتسرّع الذي اتّخذه السّيّد الطّيّب البكّوش حين كان على رأس وزارة التّربية بإعفاء جميع مديري المدارس الإعداديّة والمعاهد تقريبا باعتبارهم «من مخلّفات العهد البائد، وتعويضهم بأشخاص لا يفقه معظمهم شيئا من فنّ الإدارة وأساليبها، فكان كالقائد الذي ألقى بربابنة سفنه في البحر في أوج الإعصار، وفتح المؤسّسات التّربويّة أمام كافّة أشكال التّسيّب والفوضى، ولم تزد الانتدابات العشوائيّة في سلك المدرّسين الوضعيّة إلاّ سوءا، حيث تزايدت نسبة الملتحقين بهذا السّلك النّبيل ممّن يفتقدون أبسط شروط الانتماء إليه، وهو ما انعكس على صورة المدرّس وعلى الهيبة التي كان يحظى بها في نفوس الجميع».
وحسب رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم فإنّه «لا يمكن أن نغفل الدّور الخطير الذي لعبته وتلعبه بعض المؤسّسات الإعلاميّة وعدد من مواقع التّواصل الاجتماعيّ، حيث يتمّ وبصورة منهجيّة ضرب كلّ ما يرمز إلى النّخبة المستنيرة بالتّوازي مع التّرويج لثقافة الرّداءة والتّطبيع مع ثقافة التّسيّب، وليست حملات الشيطنة التي تستهدف الأسرة التّربويّة في كلّ مناسبة سوى أحد أشكال هذه التّمشّي الكارثيّ».
أما بالنسبة لتذيل تونس ترتيب التصنيف العالمي حول الانضباط المدرسي  قال أستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك «هو أمر محزن وصادم بعد ان كنا نفتخر بان المدرسة هي ثروتنا الوحيدة التي خلقت المادة «الشخمة» كما كان يقول الراحل الزعيم بورقيبة الا ان صورة بلادنا تتشوه بهذا الترتيب خصوصا وهي التي صنعت ثورة يفترض ان تكون جاذبة بشبابها المبدع والخلاق والذكي وليس بمثل هذه الملامح المخيفة».
وفي نفس السياق أضاف مبروك «ان من أسباب تفشي غياب الانضباط المدرسي في الوسط التربوي هو فقدان المدرسة لدورها الاجتماعي التي كانن لها دوما جاذبية خاصة مصدرها التعليم وما يحققه من ارتقاء اجتماعي حيث لم يعد المتعلمون يجدون بالضرورة في المدرسة مصعدا للصعود الاجتماعي والثقافي، على خلاف ذلك تدحرجت بهم المدرسة الى طوابق اجتماعية سفلى مقارنة مع الإمكانات الاجتماعية التي يمنحها الاقتصاد الموازي وغيرها مثل الشعارات  «تقرا ولا ما تقراش المستقبل ما ثماش» الذي رفع منذ الثمانينات بصيغة أحيانا فيها المبالغة اما اليوم فقد غدا حقيقة اجتماعية صادمة فضلا على ان المدرسة التونسية كئيبة لا تعمل في مناخات محفزة بسبب تهالك المعدات، وبؤس المباني والبيداغوجيا البدائية لذلك سادت حالة من عدم الانضباط خصوصا في السنوات الأخيرة بحكم تفاقم الإضرابات والتحرش بالتلاميذ بدوافع ابتزازهم في العليم الخاص.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع «تفتقد البلاد الى كليات ومعاهد علوم التربية مما جعل المدرسين يباشرون مهنة شاقة وصعبة دون تسلح بمهارات نفسية بيداغوجية... وذلك ما عقد التواصل مع التلاميذ حتى وصل الامر أحيانا الى العنف وهذا أمر مؤسف ومحيّر.»
◗ جهاد الكلبوسي

إضافة تعليق جديد