ممنوع من الحياد: سلاح ترامب والدول النبيلة.. - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 13 ديسمبر 2018

تابعونا على

Dec.
14
2018

ممنوع من الحياد: سلاح ترامب والدول النبيلة..

الأربعاء 5 ديسمبر 2018
نسخة للطباعة

من الواضح أن الرئيس الأمريكي من ذلك الصنف الذي يجيد المناورات ويعشق مفاجأة الرأي العام، وقد ظل وفيا لهذه الصفة منذ بدأ يثير الاهتمام خلال حملته الانتخابية الرئاسية قبل أكثر من سنتين، وظل يصر حتى بعد فوزه في الانتخابات الأمريكية على إحداث رجة لدى الخبراء والمتتبعين للسياسة الأمريكية سواء تعلق الأمر بشريحة بالرأي العام الأمريكي أو كذلك الرأي العام الدولي الذي قد يعجز عن تصنيف توجهات السياسة الخارجية الأمريكية بما تحمله من رسائل متناقضة إلى حد الغرابة.. وربما اعتبر البعض أن ذلك جزء من لعبة المصالح التي تقود السياسة الأمريكية وهو جائز ولكن الأكيد أن خلف ذلك حسابات قد تتضح  تداعياتها قريبا ..
فالرئيس الأمريكي الذي يتحدث عن عالم تسوده الديموقراطية العادلة والرخاء لا يتوانى في دفع هذا العالم إلى عكس ما يتغنى به.. ترامب وبمجرد عودته من قمة العشرين بالأرجنتين بات يروج لاتفاق أمريكي صيني روسي للحد من سباق التسلح وتخليص العالم من مزيد التعقيدات والمخاطر وكأنه يكتشف لتوه معاناة تلك الشعوب المستنزفة بسبب صفقات السلاح التي عصفت وتعصف بحاضر ومستقبل أجيال متعاقبة لم تعرف فيها غير الحروب.. أو كأنه أدرك فجأة أن الأسلحة القادمة من مصانع السلاح في الغرب لا تنثر ماء على أصحابها  بل تمطر دماء وجثثا وموتا ..
ترامب الذي لا يفوت فرصة للبحث عن عقد صفقات السلاح والتباهي والمفاخرة بالفوز بعائداتها المغرية، سواء تعلق الأمر بأفقر الدول وأكثرها خصاصة وعجزا عن توفير احتياجات شعوبها أو تلك الغارقة في الدكتاتورية والطغيان الأكثر ثراء، يريد إقناع العالم بأنه يسعى للحد من التسلح وإرساء نظام عالمي ديموقراطي جديد... فصفقات السلاح لا تستثني أحدا خاصة عندما يكون الحريف من صنف قادة الدول النفطية ومستعد لتوقيع الصكوك دون تأجيل.. وطبعا فالأولوية دوما لمن يدفع أكثر ومن يدفع أولا مقابل أدوات الموت والخراب والدمار ..
..وليس من الواضح حقيقة ما المقصود بوقف أو فرملة سباق التسلح لأمريكا وروسيا والصين والحال أنها الدول الأكثر إنفاقا على السلاح في العالم والأكثر استثمارا في الصراعات والأزمات حيثما تسجل حضورها من إفريقيا إلى آسيا.. وقد لا نبالغ إذا اعتبرنا أن هذه الدول وغيرها أيضا من القوى التي تتنافس على لا على تطوير ترسانتها من السلاح فحسب ولكن أيضا على أن تجد لها مخبرا مفتوحا لاختبار فعالية وقوة أسلحتها ميدانيا على الأحياء وهي لا تتوانى في تحقيق أهدافها مهما كانت الانعكاسات على ضحايا الحروب والصراعات وبالتالي فإنها لا يمكن أن تتجه للحد من سباق التسلح حتى وان ظلت تردد ذلك صباحا مساء.. فأزمة الثقة التي تسود العلاقات بين هذه الدول ومخاوفها مما قد يتحقق للطرف الآخر في مجال صنع وتطوير السلاح مسألة تتجاوز كل الوعود الزائفة.. وقد كان ولا يزال سباق التسلح بالنسبة للدول الكبرى موضوعا لا يخلو من الابتزازات... يصر الرئيس ترامب في تغريدة له وهو المغرم بـ»تويتر» في تبليغ رسائله «أنه على يقين بأننا سنبدأ في لحظة ما، أي الرئيس شي مع الرئيس الروسي بوتين وأنا، بحث وقف سباق التسلح الواسع وغير المسيطر عليه حقاً... وهو يبدو مستغربا من إنفاق بلاده هذا العام 716 مليار دولار. بل ويعتبر أن ذلك جنون... وهو صادق في ذلك فقد بلغ الجنون بالعالم أنه بات ينفق على التدمير والموت أكثر مما ينفق على الاعمار والحياة ..
المثير أن وزير الخارجية مايك بومبيو يخرج بدوره من العاصمة الأوروبية بروكسيل التي تحتضن مقر الحلف الأطلسي بكل شبكاته وأهدافه ومخططاته ليعلن أن الرئيس ترامب يسعى لتأسيس نظام عالمي جديد، وهو نظام عالمي تدعمه القيادة الأميركية والديمقراطية على حد تعبيره، ولكن بومبيو يصر وفي ذات الوقت على أن إيران والصين من يزعزع استقرار العالم.. حديث بومبيو هذا الأسبوع لم يخل من إشارة الى ان اعتماد بلاده في نشر النظام العالمي الجديد يعتمد وبالدرجة الأولى على أرفع تقاليد الديمقراطية الأمريكية العظيمة وعلى الدول النبيلة في بناء نظام ليبرالي جديد يمنع الحرب ويحقق رخاء أكبر.. وهو ما من شأنه أن يدفعنا للتساؤل عن مفهوم وأبعاد الديموقراطية الأمريكية العظيمة عندما يتعلق الأمر بمشاهد الخيم والمهاجرين المشردين على الحدود الأمريكية المكسيكية التي باتت عنوانا لازمة إنسانية مفتوحة على كل السيناريوهات وهي أزمة من شأنها أن تؤكد وأكثر من أي وقت مضى أن الحلم الأمريكي الذي صنع مستقبل أجيال متعاقبة اشتركت في صنع قوة أمريكا وتنوعها بعد أن وجدت لها على أرض أمريكا المجال لتحقيق حلمها في الحياة على أسس المواطنة والحرية والمساواة بين الجميع. والأمثلة طبعا لا تتوقف عند هذا الحد وهي تمتد إلى ما تصنعه السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وما تؤججه من حروب وأزمات واجتياحات  وصراعات ...
وهو ما من شأنه أيضا أن يدفع للتساؤل عن قائمة ومفهوم الدول النبيلة التي تسعى الإدارة الأمريكية لمغازلتها والتعامل معها لوضع الأسس الجديدة للنظام العالمي الذي تسعى اليه بعد نحو سبعة عقود على الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من إعادة تقسيم لخارطة العالم وللتحالفات ولكن أيضا وهذا الأهم بعد نحو ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط  جدار برلين ونهاية مرحلة الحرب الباردة...
◗ آسيا العتروس

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة