متساكنون من نابل بعد أسابيع من الكارثة: حتى الجدران آيلة للسقوط بعد الطوفان.. والحكومة خذلتنا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Jul.
23
2019

متساكنون من نابل بعد أسابيع من الكارثة: حتى الجدران آيلة للسقوط بعد الطوفان.. والحكومة خذلتنا

الاثنين 15 أكتوبر 2018
نسخة للطباعة
متساكنون من نابل بعد أسابيع من الكارثة: حتى الجدران آيلة للسقوط بعد الطوفان.. والحكومة خذلتنا

ريبورتاج وتصوير: إيمان عبد اللطيف -
الساعة تُشير إلى الحادية عشر صباحا من يوم الأربعاء العاشر من شهر أكتوبر الجاري، المكان حي سيدي عمر بنابل المدينة، من بين الأحياء المنكوبة جراء فيضانات الـ 22 من شهر سبتمبر المنقضي.. تاريخ لن يُنسى ولن يُمحى لا من أذهان التونسيين ولا من أذهان أهالي ولاية نابل بأكملها.. بما فيهم سكان حي سيدي عمر.. الحيّ الشعبيّ الذي جرفته المياه الطوفانية وأتت على المنازل وعلى الطرقات والسيارات وعلى كلّ شيء وُجد بهذا المكان.
انطلقنا في رحلتنا منذ الصباح الباكر حتى نُعاين ما تغيّر بعد ما يزيد عن ثلاثة أسابيع من حدوث الكارثة، فهل أوفت السلطات المحلية والجهوية والحكومة بوعودها بالتدخّل الفوري وتعويض المتضررين..أم لا؟
فور وصولنا إلى مدخل ولاية نابل على الطريق السيارة تونس الحمامات اعترضتنا مخلفات الطوفان من مياه راكدة وأراض فلاحية غمرتها مياه الأمطار ومن حواشي طرقات علق بها «الميلوسي» أي الطين.. فلا تفرق بين حاشية الطريق وبين الطريق المعبد.. كذلك جدران المنازل والمحلات والمباني المنتشرة على طول الطريق..
عادت الحياة إلى طبيعتها بمدينة نابل وبشوارعها الرئيسية والفرعية.. المحلات والمقاهي والمساحات التجارية والبنوك وغيرها مفتوحة وحركية على مستوى هذه الفضاءات.. ولكن لم تُمح بعد آثار الطوفان.. فما تزال الطرقات والجدران ملوثة.. حتى حيّ سيدي عمر يبدو، ظاهريا وكمعاينة أولى، قد عاد إلى حياته الطبيعية..أزيلت مخلفات الطوفان من الشوارع... فكان بالإمكان المرور عبر الممرات الضيقة بين المنازل خلافا للأيام الأولى من الفيضانات.. ولكن.. حياة السكان لم تعُد كما كانت..
منازل الحي التي لم يقع جهرها إلا بعد أيام من الكارثة وأزيلت وأتلفت منها بقايا الأثاث والملابس والحواشي ورُفعت منها الأوساخ.. بقيت فارغة.. لا شيء فيها.. غير آلام وأحزان متساكنيها.. أغلب المنازل أضحت آيلة  للسقوط ولا تحتوي إلا على عدد قليل من الحشايا.. فكلّ شيء جرفته المياه.. ولم تبق إلا الجدران.
ما إن حللنا بأحد الشوارع بحيّ سيدي عمر ووقفنا في لحظة تأمل أمام عدد من المنازل حتى هبّ إلينا عدد من المتساكنين.. لم يتوقفوا لا عن الكلام ولا عن الشكوى مما حلّ بهم.. علّهم يجدون ضالتهم لدى الإعلام.. ويبلغون أصواتهم..
بعضهم بكى لحظة الحديث عن الكارثة.. كلّهم يدعونك للدخول لمعاينة الأضرار.. كلهم ملتاعون ولوعتهم أكثر من سوء المعاملة وعدم اكتراث السلط المحلية والجهوية وبطء التدخلات.. وغياب التعويضات.. التي قيل إنّها سُتصرف فوريا..
دخلنا منزل الجدّة  «فطيمة» امرأة مسنّة في الثمانينات من عمرها فقدت ابنيها.. تسكن بمفردها بهذا المنزل دون عائل ولا راتب شهري قار ولا أي مورد رزق... منزلها ضيق وقديم.. وجدناها جالسة أرضا بإحدى الغرف الفارغة تماما من الأثاث.. لا تقدر على الحركة.. أمامها بضعة أوان فيها ما تيسر من الخضر تستعد لإعداد الغداء..
بذات الغرفة كان جارها المتطوع بصدد ترميم الجدران وطلائها.. مروان بن نصيب تحدّث  لـ»الصباح الأسبوعي» وأكّد أنّ «والية نابل زارت جارته المسنة وتعهدت بمساعدتها.. مرّت الأيام ولم تف بوعودها بقيت الأم فطيمة على حالها ولم يُوفروا لها إلا «جراية وزاورة حبس» -على حد تعبيره-.
مروان أوضح أنه خلافا لما يتمّ تداوله في وسائل الإعلام من تصريحات للمسؤولين «فالوضع  ليس تحت السيطرة ولم يتمّ صرف التعويضات للعائلات، حتى أنّ بعض الأسر لم تتمكن بعد من العودة إلى منازلها المهددة بالسقوط وبقيت في ضيافة عدد من الجيران».
وأضاف  محدثنا «نحن نسكن في حي منكوب من الفيضانات ومن الطوفان نحتاج إلى تدخل عاجل وإلى تعويض المساكن وطلائها وترميم البعض منها إضافة إلى توفير الأثاث.. نحتاج إلى أن ينظروا إلينا بعين الرحمة لا إلى احتقارنا ومماطلتنا»..
بذات الوجع تحدّثت مريم بن نصيب لـ»الصباح الأسبوعي» وأوضحت أنّ مطلبهم الوحيد أن يتمّ هدم منزلهم المهدّد بالسقوط مع كلّ تهاطل للأمطار وإعادة بنائه.. وأضافت «وضعنا الاجتماعي لا يمكننا من إعادة بناء منزلنا بمفردنا نحتاج إلى تدخّل السلط ومساعدتنا»..
في ذات السياق قال مصطفى بن عمر البهلول العديد من الوفود الجهوية المسؤولة التي زارتنا للمعاينة، «كلّ مرة يهلّ علينا وفد وفي آخر المطاف لم نحصل إلا على حاشيتين وعلى غطائين صوفيين وبعض المواد الغذائية فقط.. وإلى اليوم لم نحصل لا على التعويضات المالية ولا على الأثاث الذي وعدونا به.. فبقيت منازلنا فارغة ونحن مقدمون على فصل الشتاء والبرد»..
تحولنا من حي سيدي عمر إلى المدينة العتيقة بمدينة نابل، هي أيضا ما تزال مخلفات الطوفان بارزة بطرقاتها المكسوة ببعض من «الطين» الممزوج بالمياه وكما يقولون «مغطية بالميلوسي»..
تجولنا بعدد من محلات الصناعات التقليدية ودخلنا أحدها أين التقينا بـلطفي الحاجي القاطن بحي النجاح المحاذي لحي سيدي عمر.. أكّد الحاجي أنّه استيقظ صباحا فتفطن إلى أن جسد ابنته كسته «الحبوب الحاملة للمادة والملتهبة»  بسبب لسعات البعوض الذي انتشر بعد الفيضانات»..
بحرقة عبّر لطفي الحاجي عن «طريقة تعامل المسؤولين والتمييز بين متساكني الأحياء الشعبية والأحياء الراقية» وأكّد أنّ «البلدية عمدت إلى حمل الأوساخ ورواسب الطوفان من وسط المدينة والأحياء الراقية وسكبها وتجميعها بكلّ من حي النجاح وحي سيدي عمر قرب مقبرة اليهود دون أي اكتراث أو اهتمام بهذه الأحياء»..
أضاف محدّثنا قائلا «جميع المسؤولين يكذبون في تصريحاتهم ولم يوفوا بوعودهم ولم يكترثوا للأحياء الشعبية المتضرّرة بل كلّ التركيز كان موجها للأحياء الراقية ووسط المدينة وكان التعامل مع الكارثة ومع المتضررين وفق المحاباة والتدخلات «لسي فلان وسي علان» -وفق تعبيره-..
في ذات السياق أكّد الحاجي أنه «متزوج وأب لطفلين ويعيش ظروفا قاسية ولا يتمنى يوما أن يخسر مورد رزقه كصانع بمحل لبيع منتوجات الصناعات التقليدية الذي تضرر من الفيضانات وقُدرت خسائره بالملايين»..
أخذنا لطفي في جولة في مخزن المحل فكانت الأضرار ظاهرة للعيان.. أقفاص وتحف ولوحات ملوثة وعليها أثار الطين والبعض من المنتوجات لم تعد صالحة للبيع، كذلك الشأن بالنسبة لبعض المحلات المنتشرة يمينا ويسارا بالمدينة العتيقة بنابل..
كلّ شوارع المدينة تترجم الكارثة وتداعياتها.. لا حديث في المقاهي إلا عن الأضرار ولا تعبيرا إلا عن تخوفاتهم من القادم.. المطر في نابل أصبح لا يحملهم إلا لصورة واحدة وهي صورة الطوفان الذي حلّ بهم يوم 22 سبتمبر المنقضي.. وليس على ألسنتهم سوى كلمة واحدة «الله يقدر الخير».. و»على الحكومة أن تتحرك من الآن»..

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة