الشاهد... عين على الحرب على الفساد وأخرى على المنتدى الافريقي الصيني... -استشراف المستقبل ليس مجرد خيار... - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 17 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
17
2018

تحليل اخباري

الشاهد... عين على الحرب على الفساد وأخرى على المنتدى الافريقي الصيني... -استشراف المستقبل ليس مجرد خيار...

الأحد 2 سبتمبر 2018
نسخة للطباعة

بقلم آسيا العتروس

 

تونس- الصباح

بمجرد أن أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن إقالة وزير الطاقة خالد قدور وعدد من مساعديه مفجرا بذلك فضيحة فساد جديدة في حكومته حتى اتخذ وجهته نحو العاصمة الصينية بكين أو هذا على الأقل ما يفترض لحضور أشغال المنتدى الإفريقي الصيني في دورته الثامنة عشرة الذي ينعقد يومي 3 و4 سبتمبر الحالي بحضور قادة دول الاتحاد الإفريقي باستثناء سوازيلاند التي لا تربطها علاقات ديبلوماسية مع هذا البلد... ولعل ما لا يمكن للشاهد أن يغفل عنه وهو يحط الرحال في الصين أن بلد المليار ونصف ساكن يعيش ومنذ فترة حربا مفتوحة على الفساد وأنه لا يكاد يمر يوم دون الإطاحة بعدد من رموز الفساد من كبار المسؤولين في الحزب أو رجال الأعمال ودون التشهير بهؤلاء وذويهم. وربما يجد الشاهد في انتظاره الكثير من الأسئلة التي لم يكتب للصحفيين التونسيين طرحها وذلك من جانب عشرات الصحفيين الذين يواكبون هذا الحدث حول ظاهرة الفساد في حكومته في بلد عاش ثورة عنوانها القطع مع الظلم والفساد والاستبداد. ولا يزال يراهن جديا على نتائج هذه الحرب المؤجلة حتى لا تتحول إلى كلمة حق يراد بها تحديد المواقع وضمان الكراس...

استشراف المستقبل ليس مجرد خيار مؤقت

 

الحقيقة الثانية التي لا يمكن للشاهد تجاهلها وهو الذي مضى على توليه رئاسة الحكومة أكثر من سنتين ولا يزال ربما أمامه مسار طويل في عالم السياسة، أنه عندما أطلقت الصين قبل ثمانية عشر عاما المنتدى الاقتصادي الصيني العربي لم يكن الرئيس الصيني آنذاك جانغ زو مينغ يتوقع أن يتحول هذا الموعد إلى حدث دولي تتطلع اليه أنظار العالم وتتحسب له القوى الكبرى التي تتابع صعود التنين الصيني بكثير من الخوف والانشغال لاسيما عندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع القارة السمراء التي ظلت خاضعة وحتى القرن العشرين للاستعمار الغربي... وهو ما يعني أن استشراف المستقبل ليس مجرد خطاب خشبي أو خيار في سياسة الحكومات ولكن وهذا الاهم علم دقيق له أصوله وثوابته في تحديد التوجهات المستقبلية للأمم والشعوب التي تسعى للارتقاء نحو الأفضل وهنا مربط الفرص وأهمية الحدث الذي تشارك فيه تونس التي قد لا تتجاوز في حجمها احد أحياء العاصمة الصينية بكين ولكن تطلعاتها وأحلامها المستقبلية التي يفرضها تاريخها وموقعها الاستراتيجي المتوسطي والإفريقي والمغاربي من شأنها أن تجعلها جسر العبور الذي تبحث عنه الصين في أحياء طريق الحرير التجاري للقرن الواحد والعشرين...

لا خلاف أن في توقيت المنتدى الصيني الإفريقي ما يؤكد أهمية الخيارات التي تتعلق بها الصين لتوسيع شراكتها في مرحلة الحرب التجارية المعلنة مع العملاق الأمريكي والتهديدات المتلاحقة للرئيس ترامب لشركاء أمريكا التجاريين ولكن تحديدا الصين التنين الصاعد الذي بات يزعج القوى الصناعية والعسكرية والاقتصادية التي تتابع بخوف الغزو التجاري والثقافي للصين وانفتاحها المستمر للأسواق العربية والأوروبية والآسيوية والإفريقية دون أن تطلق رصاصة واحدة أو تثير صراعا عسكريا واحدا مع هذه الأطراف..

فالصين التي لا تتردد في إرسال قواتها ضمن قوات حفظ السلام في إفريقيا لا تتوانى أيضا عن فتح مراكز الحكيم كونفيشوس في مختلف مناطق اهتمامها لنشر الثقافة الصينية وتعزيز وجودها ومكانتها الاقتصادية وهي التي أدركت مبكرا أن التعاون الاقتصادي الطريق الأمثل لكسب الحلفاء. وهي سياسة معلومة من جانب الصين التي ترفض أي تدخل خارجي في خياراتها السياسية أو واقع حقوق الإنسان والحريات في الصين التي يعيش فيها سبع وخمسون أقلية مختلفة بينها اقلية مسلمة تعد نحو خمسين مليون نسمة بين العاصمة بكين ومدينة غواندجو جنوبا... ولعله من المهم الإشارة إلى ان الصين ومنذ تسعينات القرن الماضي عندما اختارت الانفتاح على العالم بعد أحداث "تيان آن من" اعتمدت

خيار الانفتاح الاقتصادي وهو ما مكنها من استعادة هونغ كونغ من بريطانيا واستعادة ماك كاو من البرتغال..

وبالعودة الى المنتدى الإفريقي الصيني في دورته الثامنة عشرة والذي يحمل شعار التعاون المربح للجميعwin –win policy فقد يبدو الشعار كلاسيكيا ومتداولا تعتمده مختلف القوى الاقتصادية الكبرى لتحقيق طموحاتها الاقتصادية في عالم يقوم على المنافسة الشرسة في زمن الاقتصاد والعولمة.. ولكن الوجه الآخر لهذا المنتدى أن فتح للدول الإفريقية التي تشترك الى حد ما مع الصين في المعاناة مع الفقر والتخلف في الطموح للخروج من هذه الدائرة. فالصين التي تصر على أنها لا تزال بلدا ناميا تمتلك من القدرات والإمكانيات لمساعدة الكثير من الدول الإفريقية في البناء والإعمار و إرساء الأرضية للاستقرار والاستفادة من طاقتها البشرية في مكافحة الجهل والأمية والحد من الأمراض والأوبئة والاستفادة من تجاربها الزراعية وغير ذلك من مجالات التعاون الواعدة واعتماد القروض الميسرة التي يمكن للاقتصاديات الصاعدة كالصين والهند أن تفيد وتستفيد منها وتفتح آفاقا جديدة وتحد من هيمنة الغرب والدول الاستعمارية السابقة التي ظلت تستنزف خيرات إفريقيا حتى بعد انتهاء الاستعمار وظلت تبتز هذه الدول وتتخذ من المهاجرين واللاجئين ورقة ضغط عليها...

لا تخفي الصين طموحاتها في ليبيا ورغبتها في ان تكون شريكا في إعادة اعمار هذا البلد الممزق بسبب الميليشيات المسلحة.. قد تعكس لغة الأرقام ما شهده تنامي أهمية المنتدى الصيني الإفريقي حيث ارتفعت التجارة الثنائية بين الصين وإفريقيا من 10.6 مليارات دولار عند تأسيسه في 2000 لتصل في 2014 الى 201.1 مليار. والمثير أن كل رئيس صيني يتولى السلطة يبدأ ولايته الجديدة بجولة تضم خمس دول افريقية.. والواقع أيضا أن هذا الاهتمام الصيني ليس بالجديد وقد بدأ هادئا واستمر على ثباته الى أن بدأت ثماره تتضح.. وهناك اكثر من 3400 شركة صينية في إفريقيا والرقم مشرح للارتفاع..

في افتتاحيته لأحد المنتديات الصيني-الإفريقي قال الرئيس الصيني هيو جنتاو "إن شجرة الصداقة الصينية-الإفريقية التي غرسها الأجداد تحتاج إلى رعاية مستمرة من الأحفاد جيلاً بعد جيل" الصين أدركت ما تريد تحقيقه في إفريقيا وعلى دول الاتحاد الإفريقي عموما وتونس خصوصا أن تدرك ما تريد من الصين هذا المارد الاقتصادي القادم الذي يثير مخاوف أمريكا وأوروبا.. فمستقبل نحو 1.4 مليار صيني ومستقبل نحو مليار إفريقي يجب ان يكون أولوية الساعة لتحقيق السيادة المنشودة لكل الأطراف...

-لو كنت مكان الشاهد...

بقي الأهم بالنسبة ليوسف الشاهد الذي يتعين عليه اكتشاف هذا العملاق الآسيوي ذلك أن الصين تشكل بالتأكيد حلما كبيرا وأسطورة تحتاج الى من يدرس خطوطها الكبرى ويدرك دقة كل خطوة من خطوات طريق الحرير في بناء حضارات تركت بصماتها العميقة في مسار التاريخ ولكن رسمت المستقبل...

حري بيوسف الشاهد وهو يشارك في المنتدى الصيني الإفريقي أن يطلع على ما تنشره صحيفة الشعب الصينية "جن مين جباو" يوميا بشأن الحرب المعلنة على الفساد... ولو اعترضت طريقه في الصين شاحنة تنقل أفرادا معصوبي الأعين ينقلون الى السجون فعليه أن يفهم أن تلك ثقافة وخيارات السلطات الصينية في فضح وكشف وتشويه من يتهمون بالفساد حتى يكونوا عبرة.. الصين بلد الميار ونصف تظل بلد كل المتناقضات.. وقد استطاعت خلال عقدين تغيير صورة الصين والانتقال بالشعب الصيني من شعب يبلغ أقصى حلمه توفير صحفة الأرز اليومية ودراجة تنتقل على متنها كل العائلة الى مجتمع استهلاكي يضم اكبر مستهلك للسيارات ولكل التقنيات الحديثة...

ولو أمكن للشاهد أن يتوقف عند معهد بكين للغات الذي يبقى تجربة فريدة من نوعها في العالم باعتباره أشبه بقرية كونية تجمع كل الجنسيات فقد يتجه إلى التفكير ربما في توسيع دائرة تعليم اللغة الصينية لدى الأجيال القادمة وتشجيعها على الإقبال على هذا الخيار وكسب مهارات وأسباب التواصل مع هذا الشعب ولربما جازف ببعث أكثر من معهد للكوفيشوس في الجامعات التونسية...

لا نعلم ان كان يوسف الشاهد سيتجه الى فتح ملف الهبة الصينية في اطار الحرب المفتوحة على الفساد وكشف الحقائق المغيبة في هذا الملف وفي غيره من الملفات العالقة والتحقيقات المؤجلة في المؤسسات العمومية والمصادرة ولكننا ندرك جيدا أن المستقبل لا تصنعه الصدفة وأن علاقات الشراكة المستقبلية تستوجب قدرة فائقة على التفاوض لضمان المصالح الوطنية السيادية خاصة عندما يتعلق الأمر ببلد مثل تونس مقابل بلد في حجم الصين لاسيما وأن الحديث عن توازن في التعاطي بين الطرفين مسألة وهمية فالصين لا تتعامل مع دول الاتحاد الإفريقي ولا حتى مع دول الاتحاد المغاربي الغائب ككتلة بل كل على حدة وهذا يجعل من المنتدى الصيني الإفريقي أرضية مهمة للتعاون بين عالمين مختلفين و لكنهما يحتاجان إلى مزيد الضمانات ليكون شعار هذا المنتدى التعاون المربح للجانبين فعلا وخيارا وليس قولا فحسب...

إضافة تعليق جديد