في "الحضرة 3 " .. الفاضل الجزيري يقدم تونس كما يراها وكما يحب ان تكون - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 24 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
25
2018

في "الحضرة 3 " .. الفاضل الجزيري يقدم تونس كما يراها وكما يحب ان تكون

الأحد 2 سبتمبر 2018
نسخة للطباعة

*سي الفاضل هو المستفيد من علاقته بالشباب وجعلهم محرارا يقيس به متطلبات المرحلة

* تونس تعيش حاضرها دون أن تنسى ماضيها أو تجعله يهيمن على مستقبلها

تونس – الصباح

هل نجح الفاضل الجزيري في دمج الموسيقى الصوفية بالموسيقى الغربية دون ان ينفر منها الجمهور؟ وهل استساغ هذا الجمهور محاولة صهرهما في بعضهما وتقبل ما نتج عن مزجهما؟ وهل فهم الحاضرون من كل الشرائح العمرية (اطفالا شيبا وشبابا) يوم الجمعة 31 اوت 2018 في المسرح الاثري بقرطاج الرسالة التي تضمنها عرض "الحضرة 3" الذي تم تنظيمه بمناسبة خمسينية تأسيس تعاونية وزارة الثقافة والأخبار وعرفوا ان الفاضل الجزيري يواصل نحت مشروعه الفني بشغف وثبات. وهل تقبل الجمهور تلك الاضافات وذاك التجديد لبعض تفاصيل الاناشيد التي تعوّد عليها التونسي وأحبها كما ورثها عن اسلافه منذ عقود او قرون وجاء من اجلها ومن اجل "التخميرة" التي يدخل فيها حال الاستماع الى البندير والدربوكة؟ لقد بين الاقبال الجماهيري الكثيف على كل العروض الصوفية بقطع النظر عمن يقدمها ان ارتباط التونسي بالفن الصوفي عميق جدا وانه حافظ على الموروث الروحي وعلى تقاليد وطقوس الطرق الصوفية في العزف والإنشاد والتخميرة وليس ادل على ذلك من انه حال سمع بإعادة احياء هذا الموروث بعد ان كان تقريبا ممنوعا ويقتصر عرضه على الزوايا ومدافن الاولياء الصالحين وجد هذا الموروث مكانه وزاحم بقية الفنون في كل المهرجانات وحتى في الحفلات الخاصة والأعراس.

شاب على الدوام يدعو للتغيير والاستفادة من السؤال

يجتهد الفاضل الجزيري منذ سنة 1991 تاريخ عرضه للحضرة 1 من اجل تقديم عروض فرجوية ترسخ في ذهن المتفرج وتترك فيه اثرا يدفعه الى التساؤل حول جذوره ومراجعه وما يمكن ان يضيف لها ليبتعد بها عن التكرار الذي يحولها الى عروض مملة مهما كانت درجة الاتقان فيها ومهما تقبلها الجمهور بالرقص والمصاحبة الغنائية والتخميرة والزغاريد. وللوصول الى هذه النتيجة كان لا بد من التحيين والاقتراب بهذه الموسيقى الصوفية وبهذا الانشاد من روح العصر وهو ما لا يمكن ان يتوفر إلا باستقطاب الشباب ولفت انتباههم الى ما يتوفر لدينا من كنوز يمكن ان تواكب العصر وتوفّر الفرجة والمتعة والانتشاء الذي يسحبه من تفاصيل حياته الصعبة والمعقدة فيندمج مع العرض ولو لفترة قصيرة يمكنه بعدها ان يفكر في مستقبله عندما يضع ما رآه وسمعه موضع السؤال والتغيير عادة ينطلق من السؤال.

كلنا تقريبا نعتقد ان ابناء الفاضل الجزيري ومن يحيطون به من الفنانين الشبان يستفيدون من الوجود القوي والمؤكد لوالدهم على الساحة الفنية التونسية وانه يؤثر عليهم وعلى اختياراتهم وطريقة تفكيرهم حتى ان الكثير منا يسال على الجزيري عازف القيتارة مثلا ان كان سعيدا بالعيش بجلباب والده وعن موعد انطلاقه بجناحيه وتأكيد وجوده بعيدا عن سي الفاضل ولكن الحقيقة التي تبينت لنا من خلال متابعة عرض"الحضرة3"هي ان الفاضل الجزيري هو الذي لم يتكلس ذهنه وبقي شبابا على الدوام وقادرا على الاستفادة من حياته وسط اجيال من الشباب يفهمهم ويتفاعل معهم ويجعلهم محرارا يفهم به روح العصر وما يمكن ان يحبه الشباب التونسي في هذه المرحلة من تاريخ تونس ويعمل على تقديم ما يسعدهم ويريحهم ولكن في نفس الوقت ما يثري ثقافتهم ويؤكد اعتزازهم بتراثهم ويفيد الصورة التي يريد الفاضل الجزيري ان يتم تداولها في الخارج عن تونس بلد الفن والذوق الرفيع والحضارة الضاربة جذورها في عمق التاريخ والقادرة على الصمود وعلى ان تكون معاصرة .

الحرص شديد على الذوق الرفيع والصورة الجميلة

والحرص على الذوق الرفيع والصورة الناصعة في عرض"الحضرة 3" هو ما تبين لنا اولا من خلال الملابس البيضاء التقليدية الجميلة جدا والتي زادها جمالا تلألأ الاضواء التي استفاد منها العرض كثيرا فكان الجمع بين اللونين الاحمر والأبيض على الركح مريحا للعين مسرا للأنفس يدل على رغبة في الرقي باللوحات والمشاهد وبذائقة المشاهد ولأنه كان لا بد من اللون الاخضر رفيق درب الانشاد الصوفي وأعلامه وصناجقه فقد اختار منه الجزيري احبه الى القلب وأكثره هدوء وجمالا الاخضر الفاتح. كما تبين لنا ذاك الحرص من خلال توزيع الفاعلين على الركح من منشدين وراقصين وعازفين والعمل على الاستفادة من كل مكان وكل شبر في هذا الركح ليظهر شاسعا وبامتداد مثير للبهجة وكذلك من حسن توظيف وجود وتحركات هؤلاء الراقصين او ما يسمون في زوايا الاولياء الصالحين بـ"الفقرى" وهم عنصر اساسي اشتغل عليه الجزيري دون ان يحرمهم من مهماتهم الاساسية والخدمات التي يقدمونها لكل من تتخمر وتغيب عن الوعي ليظهروا ابطال عرض مسرحي متقن الاخراج والتصور والرؤية.

"الحضرة 3" سبق تقديمها على ركح المسرح الاثري بقرطاج وفي عديد المهرجانات الاخرى ولكن ذلك لم يثني الجمهور عن حضورها والتمتع بلوحاتها فتوافد بغزارة لا علاقة لها بما خبرناه في عروض المطربين العرب والأجانب ولكنه جمهور كثيف ومحترم بالنسبة لعرض تونسي. هذا الجمهور تواصلت رقصات و"تخميرة" نسائه وتعالت زغاريدهن بعد كل لوحة وتقبل شبابه مزج الموسيقى الصوفية بالروك وتلك الالات الموسيقية الغربية مثل الباتري والقيثارة الالكترونية والساكسوفون والاورغ والكمنجة لان الفاضل تمكن من تقديمها وقد انصهرت وتناسقت مع اختياراته ومع الاجواء التي احب تخليدها في عرضه وتناغمت مع ايقاعات الدفوف. لقد احب الجمهور حسب ما بدا لنا وصفق لتدخلات على الجزيري ولأنغام الساكسوفون ولعل اغلبه تفطن لما اضافه الفاضل الجزيري وغيره من تفاصيل بعض الاغاني وخاصة اغنية "الليل زاهي" التي تم تقديمها بأسلوب غنائي اوبيرالي بديع اظهرت المنشدة من خلاله قدراتها الصوتية الكبيرة وبينت ان عملها مع الفاضل الجزيري يفيدها كثيرا من ناحية حضورها الركحي.

الجمهور لم يخذل الفاضل رقص.. تجلى.. وأنصت في هدوء

وتسلطن الجمهور مع الاغاني التي يعرفها وتعود على الاستماع اليها والرقص على انغامها ولم يتم تجديد توزيعها فكانت بعد الفاتحة والدعاء والذكر اناشيد " ماك السلطان يا شيخي محرز" و"جارت الاشواق" و"يالطيف" و"نادوا لباباكم " و"خمّر يا خمّار" و"يا بلحسن يا شاذلي"وقد توسطتها لوحة "التخميرة" ثم "مولايا صلي" و"بابا جلول" بتوزيع جديد وبعض الاغاني التي لا يعرفها اغلب الجمهور الحاضر والتي نفض عنها الجزيري الغبار على ما يبدو مثل نشيد "سلم ورد السلام علي"وثم تتالت "رايس الابحار" و"الليلة حضرة وديوان " و" يا منه عاشق" و"يا محمد يا جد الحسنين" و"هو". وغنى بعدها على الجزيري على طريقته الخاصة وعلى انغام قيثارته فقرة فيها الكثير من البحث والتجديد "انا مدلل" التي الهبت حماس الشباب و" انا صنعني صانع " وان لم يستسغها الاكبر سنا وانتظروا الى ان تم تقديم "يا فارس بغداد" ليعود الجمهور الى الرقص والتخميرة ومن الاغاني التي تم تجديدها وإعادة توزيع موسيقاها ايضا "هللوا وكبروا تكبيرا وصلوا على محمد كثيرا" التي تفاعل معها الجمهور وتقبلها و"يا لسمر" . وكما انطلق العرض بالفاتحة والذكر ورفع الاعلام والتلويح بها انتهى دون ان تنتهي تعاليق الجمهور وتقييمهم لما تم تقديمه وقد لاحظنا ان بعضه اجرى مقارنة بين عرض"الحضرة 3" وعرض "الزيارة ". يبدو ان الجمهور جاء لهذا العرض وهو مقتنع انه لن يكون عرضا عاديا تردد فيه الاغاني القديمة دون بحث او تجديد وانه تقبل الامر ولم يخذل مجهود الفاضل الجزيري بل انصت عندما وجب الانصات وتخمّر على الانغام التي يعرفها وخرج سعيدا. ولكن يبقى السؤال متى يعود الفاضل الجزيري لمسرحه وان كان بالإمكان اعتبار الحضرة 3 " مسرحية اذ لا ينقصها أي عنصر وقد حكت وصورت بكثير من الوضوح والصدق اجواء الحضرة والزوي في تونس .واشتملت على رسالة .وقدمت صورة يمكن ان تروج بسهولة في التظاهرات العربية والدولية عن تونس وفنونها وعن قدرتها على الانخراط في كل ما هو معاصر دون عقد ولا تكلس للأذهان ولا تشدد.. تونس التي تعيش حاضرها دون ان تنسى ماضيها او تجعله يهيمن عليها.

علياء بن نحيلة

إضافة تعليق جديد