إقالة وزير الطاقة والمناجم وعدة مسؤولين كبار بالوزارة والقطاع.. الحرب على الفساد أم توظيف في صراع رجالات الدولة؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 17 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
18
2018

إقالة وزير الطاقة والمناجم وعدة مسؤولين كبار بالوزارة والقطاع.. الحرب على الفساد أم توظيف في صراع رجالات الدولة؟

السبت 1 سبتمبر 2018
نسخة للطباعة

قرّر رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد أمس إقالة وزير الطاقة والمناجم خالد قدور وعدد من المسؤولين الكبار بوزارة الطاقة والمؤسسات التي تشرف عليها لشبهات فساد.
وشمل القرار الذي فاجأ المراقبين بحجمه وتوقيته، إلى جانب الوزير قدور، كلا من كاتب الدولة للمناجم والمدير العام للمحروقات والرئيس المدير العام للشركة التونسية للأنشطة البترولية، والمدير العام للشؤون القانونية بوزارة الطاقة.
إقالات «بالجملة» فتحت من جديد باب التأويلات على مصراعيه في الوقت الذي أصبح فيه الشاهد يواجه شبه توافق على إنهاء مهامه سواء من قبل اتحاد الشغل والنداء اللذان طالبا صراحة بإقالته لتلتحق النهضة بهما مؤخرا ولو بطريقة غير مباشرة لكن بيان مجلس شورى الحركة طفت عليه لهجة «البقاء المشروط» للشاهد.

 

ويبدو أن رئيس الحكومة من خلال إقالته لوزير الطاقة وكاتب الدولة للمناجم وعدد من المسؤولين في قطاع يجمع اغلب المتابعين للشأن العام على انه كان ولا يزال يعد من اخطر وابرز بؤر الفساد في تونس قد أراد  ضرب عصفورين بحجر واحد:
أوّلا، النفخ في روح حربه ضد الفساد والتي كانت إحدى أولويات عمله الحكومي...
وثانيها توجيه رسالة مزدوجة «للأصدقاء» و»الخصوم» بأن أي محاولة لإسقاط حكومته ستكون فاتورتها باهظة لأنه ووفقا لبعض الكواليس التي اطلعنا عليها، فان هذه الإقالة لن تكون إلا بداية جولة جديدة في «حرب» الشاهد على الفساد ومن المتوقع أن تطيح هذه الجولة برؤوس أخرى في قادم الأيام.
هذه الخطوة المباغتة طرحت عدّة أسئلة من قبيل: هل بات الشاهد يستعمل نفس الأساليب القديمة في الإفلات من الإقالة عبر إثارة زوبعة إعلامية وسياسية تحت عنوان مقاومة الفساد؟
وهل أن الشاهد يجمع ملفات الفساد ويحتفظ بها لإخراجها في الوقت الذي يتناسب مع مصلحته السياسية؟
من وجهة نظر بعض المتابعين السياسيين فان الخطوة التي أقدم عليها رئيس الحكومة أمس بقرار «الإقالة الجماعية» التي شملت وزير الطاقة وكاتب الدولة للمناجم وعدد من مسؤولي الوزارة هو محاولة من الشاهد لإعاقة إجراءات إقالته تحت ذريعة مقاومة الفساد وزيادة رصيده السياسي في مواجهة خصوم.
الزج بالملف في الحسابات السياسية
وتشير عديد  القراءات إلى أنّ هذه الإقالات تندرج في إطار التجاذبات السياسية ولا علاقة لها بحرب الشاهد على الفساد وإلا ما كان رئيس الحكومة من البداية قد قبل تعيين خالد قدور على رأس وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة وهو متعلقة به شبهة فساد يعود تاريخها إلى سنة 2013 عندما كان رئيس مدير عام لشركة «Sitep».
وفي نفس السياق حمّل غازي الشواشي أمين عام التيار الديمقراطي المسؤولية المباشرة للشاهد وحكومته مشددا على وجوب ألا يتم الزجّ بالملف في خانة تصفية الحسابات السياسية أو أن يكون حلقة من حلقات الصراع المفتوح بين قصر قرطاج والقصبة.
وقال الشواشي انه تمت مطالبة وزير الطاقة في جلسة مساءلة بالاستقالة من قبل النائبة عن التيار الديمقراطي سامية عبو لنفس الأسباب المتعلقة بشبهة الفساد، مذكرا بأنهم كانوا «من السباقين في المطالبة بفتح ملفات الثروات الطبيعية عبر حملة  «حلّ الدوسي».. وطالبنا بتكوين لجنة للتحقيق والتدقيق في الثروات الطاقية والنظر في سبل حوكمتها ومراجعة العقود المتعلقة بها».
وأفاد بأن الشاهد أخل بالتزام قطعه في شهر ماي 2017  لإحداث لجنة مع تكليف شخصية محايدة على رأسها للتحقيق في ملفات الطاقة وحوكمة هذا القطاع الحساس.
فضيحة دولة
ووصف المتحدث ما حصل أمس بأنه يعد فضيحة دولة باعتبار ان الحكومة تكتشف من باب الصدفة -حسب تعبير الناطق الرسمي باسمها- ان هناك مستثمرا يقوم باستغلال حقل بترول بجهة المنستير منذ سنة 2009 دون ان تكون له الرخص الإدارية اللازمة ودون علم سلطات الإشراف، مضيفا: «رب عذر أقبح من ذنب.. كيف يمكن للحكومة ان تكتشف ملف فساد بالصدفة، وهذا يحسب ضد رئيس الحكومة؟».
وكشف الشواشي انه حسب التسريبات الواردة على حزبه عن ملف القضية فانه يبدو ان التحقيقات الأولية تبين ان كاتب الدولة للمناجم قد طلب من المستثمر الأجنبي رشوة ثانية لفائدة رئيس الحكومة، مؤكدا ان الإقالات وراءها ملفات فساد كبيرة وهذا غير مستبعد لان ملف الطاقة هو «صندوق اسود» منذ عهد بن علي والى اليوم.
كما علّق أمين عام التيار الديمقراطي على قرار إلحاق وزارة الطاقة بالصناعة ووصفه بالقرار الاعتباطي والارتجالي باعتبار أن وزير الصناعة يعد أداؤه ضعيفا ولم ينجح في إدارة وزارته ليضاف له ملف حساس ودقيق يتطلب جرأة وكفاءة لإدارته وإصلاحه مثل ملف الطاقة.
وفي ندوة صحفية عقدت في الغرض بمقر رئاسة الحكومة بالقصبة، أكّد الناطق الرسمي باسم الحكومة، إياد الدهماني اكتشاف استغلال مستثمر تونسي لحقل نفط موجود بسواحل المنستير دون أي وجه حق ودون أي رخصة.
وأشار الدهماني إلى أنّ الإقالات التي شملت وزير الطاقة والمناجم وكاتب الدولة وعددا من المسؤولين بالوزارة أمس الجمعة جاءت على اثر ما تم اكتشافه، مُضيفا أنه تم التفطن لذلك إثر تقدم المستثمر مؤخّرا بدعوة لرئيس الحكومة لحضور تدشين حقل النفط في سواحل المنستير خلال الأسابيع القادمة غير انه وبعد التثبت اتضح أن الرخصة التي يقوم باستغلالها منتهية الصلوحية منذ 2009».
وأفاد الدهماني بان مسؤولية وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة غير مباشرة في هذا الملف، الذي يعود تاريخه الى سنة 2009.
وأكد الدهماني ان هذا الحقل يعتبر من أهم الحقول في تونس، اذ يقدر مخزونه بـ8.1 مليون برميل في الوقت الذي تنتج فيه تونس 15 مليون برميل سنويا، معتبرا أن «قرار رئيس الحكومة يأتي في إطار حماية ثروات الشعب التونسي، وإضفاء الشفافية والحوكمة على التصّرف السليم في قطاع الطاقة والمناجم».
كما قال الدهماني ان «قرار رئيس الحكومة يترجم تبنّي الحكومة لخيار مكافحة الفساد ومراقبة التصرّف في موارد الدولة».

مناورة سياسية؟
من جانبه شدد النائب عماد الدايمي على ان تبرير الناطق الرسمي باسم الحكومة لقرار الإعفاء غير منطقي وفاقد للانسجام ويخفي الدوافع الحقيقية لهذه المناورة السياسية الاستباقية في بداية السنة السياسية، مضيفا «لا يمكن القبول مطلقا بأن رئيس الحكومة أعفى وزير الطاقة وكاتب الدولة للمناجم وعددا من أبرز مسؤولي الوزارة والرئيس المدير العام «للايتاب» الشركة التونسية للأنشطة البترولية وأغلق الوزارة وألحقها بوزارة الصناعة وفتح عملية تدقيق شامل في الوزارة كل هذا بسبب اكتشاف نشاط مستثمر خارج الإطار القانوني منذ 2009».
وأضاف الدايمي قائلا «واضح جدا أن القرارات المتخذة ليست منسجمة مع طبيعة الإخلال».
كما يبدو ان الخطاب الذي اعتمده الناطق الرسمي للحكومة في ندوته الصحفية، يؤكد وحسب العديد من الملاحظين بأن القرار سياسي شعبوي بامتياز، هدفه الرئيسي الركوب على موجة «حماية الثروات الطبيعية» و»الشفافية في الطاقة» التي تجد صدى كبيرا لدى فئات تونسية واسعة وذلك في إطار بناء الشرعية الشعبية ليوسف الشاهد التي يريدها ربما لتعويض شرعيته السياسية التي اهترأت وشرعيته الاجتماعية التي تدمرت.
ومن وجهة نظره اعتبر الدايمي أن الشاهد ضرب عصفورين بحجر واحد بهذه القرارات السياسية:
الأول تخلص من أحد أبرز المرشحين لخلافته ورجل الاتحاد في حكومته خالد قدور بطريقة بشعة كما فعل ذلك سابقا مع الفاضل عبد الكافي (قضية التهرب الضريبي) ولطفي براهم (قضية الانقلاب).
والثاني وجه ضربة قاسية تحت الحزام للباجي قائد السبسي في خطوة استباقية في بداية السنة السياسية. بالنظر إلى أن خالد قدور والإطارات المعفاة مورطون في قضية تهريب أسهم سليم شيبوب في شركة «فوايجير» البترولية التي كانت محل مصادرة الى شركة أسست للغرض من طرف صلاح الدين السبسي شقيق الرئيس في آخر أيام الباجي قائد السبسي في رئاسة الحكومة الوقتية في ديسمبر 2011.
استهداف الرئيس
كما فسر النائب قائلا «الإقالات هي رسالة من الشاهد أنه قادر على استهداف الرئيس شخصيا وعلى تحريك كل الورقات التي يمتلكها ضده في صورة مرور الشق المقابل لخطوات عدائية متقدمة في الأيام القادمة».
التوقيت والمسار السياسي وطبيعة المرحلة كانت ابرز العناوين التي دارت حولها قراءات قرار الإقالة الجماعية.
فمن جانبه قدم رياض الشعيبي رئيس حزب البناء الوطني ما أقدم عليه رئيس الحكومة من إقالات في وزارة الطاقة في قراءتين منفصلتين، «الأولى من جهة تفشي الفساد في الإدارة التونسية وحتى بعض المسؤولين الحكوميين، وخاصة في ملف الطاقة. ولقد نظم حزب البناء الوطني بالتشارك مع قوى سياسية أخرى حملة «وينو البترول» لكن حكومة الشاهد اتهمتنا بالمبالغة والشعبوية».
والقراءة الثانية تتعلق بزاوية المسار السياسي حيث تساءل الشعيبي عن سر اختيار هذا التوقيت لإطلاق هذه الحملة «فرغم ادعاء الناطق الرسمي باسم الحكومة أن الملف أثير حديثا وأن الحكومة ليست لها دراية قديمة به. إلا أن ذلك غير صحيح لأن تقرير المرحوم عبد الفتاح عمر (لجنة مستقلة) قد بين بوضوح عديد التجاوزات في الموضوع وكذلك تقارير هيئة المحاسبات (هيئة قضائية)».
وترجح قراءات أخرى ان الشاهد يحاول في كل مرة إزاحة كل منافسيه خاصة وان بعض المعطيات مفادها ان وزير الطاقة طرح اسمه من قبل اتحاد الشغل ليكون خليفة له على رأس الحكومة لكن إبعاد قدور سيعطيه شرعية اكبر، فوزير الطاقة لا يتحمل مسؤولية مباشرة في الموضوع. وإذا ما فكر رئيس الحكومة بهذه الطريقة فهذا دليل آخر على ضعف مطبخه السياسي. أما إذا كانت خطوة الإقالة تنم عن وجود نوايا حقيقة لمكافحة الفساد فانه ينتظر من رئيس الحكومة اتخاذ خطوات مشابهة وابعد من ذلك بفتح عديد الملفات التي تحوم حولها شبهات فساد في علاقة بعديد الوزراء في حكومته الحالية.

 

جهاد الكلبوسي

إضافة تعليق جديد