ممنوع من الحياد: العدالة الدولية وعباءة الوصاية الأمريكية! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 23 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
23
2018

ممنوع من الحياد: العدالة الدولية وعباءة الوصاية الأمريكية!

الخميس 30 أوت 2018
نسخة للطباعة

أن تذهب واشنطن إلى التنديد بالجرائم العرقية المقترفة في حق الأقلية من الروهينغا في بورما وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن تلك المجازر خطوة مهمة لا يمكن الاستهانة بها، ولكن يبقى الأهم هل يمكن أن تذهب الإدارة الأمريكية إلى أبعد من ذلك في المطالبة بتحقيق العدالة الدولية والانتصار للمستضعفين أمام المحاكم الدولية؟.. فتلك مسألة أخرى...
ما يدفع إلى عدم التسليم بجدية الموقف الأمريكي مما حدث ويحدث في بورما مرده التناقض في المواقف الأمريكية عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية للشعوب وباستقلالية المؤسسات الدولية وخروج العدالة الدولية عن جلباب واشنطن وقرار الوصاية في مجلس الأمن الدولي..
ولا شك أن في التناقض الذي نسجله بين الموقف الأمريكي المستخف والمستهزئ بلجوء إيران إلى محكمة العدل الدولية للفصل في ملف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها ما يعكس نظرة انتقائية للعدالة الدولية عندما يتعلق الأمر بلعبة المصالح الأمريكية المباشرة أو غير المباشرة، لا يمكن أن تخفي المعايير المزدوجة لإدارة الرئيس ترامب وهي معايير أبعد ما تكون عن ميزان العدالة التي يمكن أن تؤسس لعلاقات بين الأمم والشعوب بعيدا عن الهيمنة وعقلية الوصاية واستباحة حق الغير في السيادة وتقرير المصير ...
طبعا لا يمكن التقليل من الموقف الأمريكي إزاء جرائم  التصفية العرقية التي ترقى إلى درجة جرائم الحرب التي اقترفتها قوات بورما في حق الأقلية من الروهينغا وهو ما وثقته التحقيقات ورصدته تقارير الهيئات الدولية الحقوقية بشهادة آلاف الضحايا، وهي خطوة مبتورة وستظل كذلك وستبقى محل اختبار في انتظار خطوات لاحقة يمكن أن تؤسس جديا إلى مساءلة ومحاسبة جنرالات بورما الذين اشتركوا في تلك المجازر ليس بدافع التشفي والانتقام ولكن وهذا الأهم بهدف منع تكرار مثل تلك الجرائم  من إعدامات ومن اغتصاب جماعي ومن تهجير ومن إبادة وتجنيب كل الأقليات والشعوب في العالم مثل تلك الانتهاكات والجرائم المهينة لإنسانية الإنسان...
الحقيقة أنه سيكون من المبكر التبشير بواقع جديد لمفهوم وأهداف العدالة الدولية طالما استمر غياب العدالة وطالما بقيت صفة العدالة العرجاء مرافقة للمواقف الأمريكية بل لمواقف القوى الكبرى ولسلطة الفيتو في مجلس الأمن الدولي.. والأكيد أيضا أن انتصار منطلق وخيار العدالة الدولية يقتضى وأكثر من أي وقت مضى إنصاف الشعوب المستضعفة والعدول عن الموازين والأحكام المزدوجة في ملفات وقضايا دولية مصيرية عالقة، ولعله آن الأوان إذا كانت إدارة الرئيس ترامب معنية بإصلاح النظام العالمي الجديد والتخلص من تداعيات ورواسب الخيارات التي هيمنت على المشهد الدولي طويلا أن تتجه إلى رفع المظالم التي اقترفتها واشنطن في حق الكثير من الشعوب وبينها ملف الحرب العراقية والاجتياح اللامشروع لهذا البلد وما تمخض عنه من جرائم عرقية في حق الشعب العراقي الذي نخرته الطائفية ومن تدمير ممنهج لواحدة من أقدم الحضارات ومن ضياع لأكثر من جيل لم يعرف غير التشرد والحروب، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون توفر ميزان للعدالة الدولية خارج عباءة الإدارة الأمريكية وحسابات القوى الكبرى وبمنأى عن حسابات النظام العالمي وأهواء وأمزجة صناع القرار فيه..
وسيكون من غير المسموح بل وسيكون إسرافا وإجحافا الحديث عن العدالة الدولية دون التوقف عند حجم المظالم التي ما انفك يعيش على وقعها الشعب الفلسطيني على مدى عقود من الاحتلال الإسرائيلي، ولكن - وهذا الأخطر - على مدى عقود من الانحياز الأمريكي  الأعمى للإدارات الأمريكية المتعاقبة لكيان الاحتلال على حساب ماضي وحاضر ومستقبل هذا الشعب الذي يعيش تحت قيد أحد أسوأ أنواع الاحتلال في العصر الحديث ويجد كل الدعم المالي والسياسي والعسكري للممارسة اعتداءاته اليومية وجرائمه في حق النساء والأطفال وفي حق البشر والشجر ولا يجد رغم كل التقارير الحقوقية والدولية ورغم كل قرارات الشرعية الدولية رادعا ولا محاسبا...
الأكيد أن العدالة الدولية مفهوم شامل لا يقبل التجزئة ولا الاستثناءات ولا يمكن أن ينسحب على أقلية دون أخرى. فإما عدالة تصلح العلاقات الدولية وتؤسس لنظام عالمي جديد قوامه الإنصاف، وإما فان سياسة غض البصر والكيل بمكيالين وإرساء قانون الغاب الذي لن يكون منه مفر..
◗ آسيا العتروس

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة