رغم وصيته: القراء العرب يبكون الروائي حنا مينه ويرثونه على نطاق واسع - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 17 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
18
2018

رغم وصيته: القراء العرب يبكون الروائي حنا مينه ويرثونه على نطاق واسع

الخميس 23 أوت 2018
نسخة للطباعة
❞ لو كان هناك عدل في هذه الأرض لكان حنّا مينه أولى من الكثيرين بجائزة نوبل للآداب - أنا حنا مينه أديب البحر.. وهذا الشرف الذي اشتهرت به جعل منه رائعة مكتوبة ومحكية
رغم وصيته: القراء العرب  يبكون الروائي حنا مينه ويرثونه على نطاق واسع

لم يترك كاتب أو مبدع جمهوره في إحراج مثلما فعل حنّا مينه الأديب السوري المعروف الذي ترك وصية يمكن القول أنه من المستحيل الوفاء ببعض ما جاء فيها لا سيما فيما يتعلق بالصمت المطبق الذي طالب به بخصوص خبر رحيله..
فكيف يموت حنّا مينه ويمرّ الخبر وكأن شيئا لم يكن وقد خسرت الساحة الأدبية العربية بل العالمية، لأنه لو كان هناك عدل في هذه الأرض لكان حنا مينه أولى بالجائزة من الكثيرين ممن حازوا على  نوبل  للآداب، خسرت اسما كبيرا ومبدعا استثنائيا وقامة أدبية حقيقية وشخصية صاغت قدرها من الصخر وقدمت للعرب نموذجا ايجابيا في كيفية التحدي وكسب المعارك حتى وإن كان كل شيء حولنا شقاء في شقاء.
 وكيف يموت حنا مينه ولا يستطيع من قرأ رواياته وشغف بها على غرار نهاية رجل شجاع وحكاية بحار والشراع والعاصفة والياطر والمصابيح الزرق وعشرات الروايات التي لا تقل قيمة عن تلك التي ذكرناها، أن يقول ولو كلمة يعبر فيها عن امتنانه لمن كان من بين أمهر المبدعين العرب كتابة عن البحر ذلك البحر الموجود في حياتنا بقوة دون أن يكون له نفس الحضور في المدونة الأدبية العربية.
إنه في المطلق، لا عذر  لعشاق الأديب وجمهوره لأن كل القراء العرب كان لهم اطلاع على فحوى وصية حنا مينه الذي غادرنا يوم عيد الأضحى الموافق لـ21 أوت 2018 عن عمر يناهز الـ94 سنة، وكان الكاتب قد كتبها منذ سنوات وتوجه بها مباشرة إلى القراء طالبا منهم أن لا يرثوه وأن لا يبكوه عند رحيله.  كما طالب الكاتب بأن لا يذاع خبر وفاته وأن لا تقام له مواكب تأبين وأن ترافقه بضعة أنفار( مؤجرين) إلى مثواه الأخير فهو كما خط ذلك بنفسه، عاش حياته راضيا وسعيدا وهو يتبنى كل لحظة من حياته بشقائها كفاحها وفرحها وانتصاراتها.
ولكن في قضية الحال يصعب،  بل يستحيل الوفاء بما جاء في توصيات حنّا فيما يتعلق بعدم إشهار خبر رحيله وعذر جمهور القراء أن حنا مينه ومنذ أن ظهرت فيه تلك القدرة والبراعة في صياغة نصوص من  وحي معاناة الكائن الإنساني المكافح حتى صار هناك حبل سري يربط بينه وبين جمهور القراء.
احترام إرادة الكاتب ولكن.....
ولا نخال أن هناك من بين قراء حنا مينه وهم كثر في المنطقة العربية من لا يريد أن  يحترم إرادة  الروائي الكبير، لكن حنا مينه لم يكن انسانا عاديا ولا كانت حياته عادية ولا كانت كتاباته عادية ولا كانت علاقته مع جمهور القراء عادية حتى يمكن الامتثال آليا لرغبته والتكتم على خبر رحيله وكأن الشيء لم يكن،  لذلك وبمجرد انتشار خبر وفاته ورغم أن الكثيرين نشروا الوصية على مواقع التواصل الاجتماعي ولاسيما على الفايسبوك، حتى ترك محبوه العنان لأنفسهم ليعبروا عن حزنهم وعن عميق تأثرهم بخبر رحيل أديب استطاع أن يحرك السواكن وأن ينفذ إلى أعماق القارئ العربي وأن يؤثر فيه تأثيرا كبيرا. فلم يكن حنه مينا يكتب عن تجربة فحسب وكان كما قال هو، قد  خبر صراع الموج حتى صارت كل كتاباته مبللة بمياه موج البحر الصاخب وإنما لأنه كانت لديه ملكة حقيقية في الكتابة والسرد والوصف وكان كاتبا صادقا جدا والصدق تكاد تلمسه في كل سطر من سطور كتبه إلى حد الوجع...   
صحيح كثيرون أرادوا بالمناسبة أن يستعرضوا مدى معرفتهم بكتابات حنة مينه من باب التفاخر بمعرفة أدب هذا الكاتب الشهير، لكن  من يقرأ لحنة مينه عادة ما يتغير.  فأسلوب حنة مينه وعلاقته بالبحر و مقدرته التي تكاد تكون أسطورية على تصوير معاناة الإنسان الذي يعيش على هامش المجتمع، الإنسان الشقي، الإنسان المتعب، الإنسان المكافح، الإنسان الذي تجتمع كل الظروف على أن تكون حياته شقاء في شقاء لكنه يبقى صامدا ولا يستسلم إلى آخر لحظة لا يؤثر في القارئ فقط وإنما يدفعه دفعا إلى مراجعة شيء ما في حياته وفي علاقته بالوجود. 
ولعل حنا مينه من أبرز الأدباء العرب الذين حولوا شخصيات تبدو هامشية في المجتمع إلى أبطال خارقين من بينهم مثلا  البحار وعامل الموانئ...   
أديب البحر بامتياز
والحقيقة، إن كان من حق حنا مينه أن يطالب بأن يقع تجنيبه البكاء والعويل عند الرحيل وله اسبابه وله الحق في ذلك، لكن لا يمكن لحنا مينا الذي انغرس في الذاكرة أن يحرم من عرفه عن قرب ومن اطلع على رواياته التي كتبها بصدق كبير وبمقدرة عجيبة على السرد، من تشييعه بكلمة وفاء. وليس من حق حنا مينه حتى وإن كنا نقول ذلك ونحن ندرك مدى صدقية الكاتب، ليس من  حقه وهو الذي  كون  علاقة حميميّة بينه وبين القارئ جعلته الأكثر انتشارا، أن يصادر حق القراء  في أن يعبروا على طريقتهم عن حزنهم لرحيل رجل تمكن وهو العصامي الذي تعب كثيرا وشقي في حياته ومارس المهن الصغرى والمحتقرة في نظر المجتمع من أن يتحول إلى ظاهرة في الساحة الأدبية العربية وأحد أبرز مشاهير الأدباء العرب.   ليس هذا فحسب وإنما أن  يتحول إلى مدرسة في الإبداع جديرة بأن تدرس وأن تستفيد منها  الأجيال العربية التي تحتاج إلى نموذج إيجابي في شخص حنا مينه يمكن أن يخلق فيها الرغبة في كسب التحديات والمعارك مهما كانت صعوبتها ودرجة خطورتها.
وحنا مينا وكما يعرفه جميع من تابع مسيرته الأدبية أو وقع على البعض من رواياته هو كاتب عصامي من مواليد اللاذقية بسوريا سنة 1924. اشتغل في البداية في مهن صغيرة عديدة وواجه صعوبات جمة قبل أن يحالفه النجاح وتحظى كتاباته باهتمام النقاد. مارس الأديب الراحل الصحافة قبل أن ينشغل عنها بكتابة الروايات وكان انتاجه غزيرا حيث ترك ما لا يقل عن 40 رواية  وأول رواية أصدرها هي المصابيح الزرق التي تدور أحداثها في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن الماضي وتحديدا خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي لسوريا. ولنا أن نشير إلى أن المصابيح الزرق تحولت إلى مسلسل مع العلم أن أغلب روايات حنا مينا قد تحولت إلى مسلسلات وافلام في السينما.
ولمن اراد أن يتبحر أكثر في سيرة الأديب الراحل وأن يطلع بدقة عن تجربته الأدبية نشير إلى أنه صدرت عدة دراسات حول أدب حنا مينه نذكر من بينها مثلا " جمالية المكان في ثلاثية حنا مينا: حكاية بحرا والدقل والمرأ البعيد"(للإيراني مهدي عبيدي) التي أصدرتها الهيئة العامة السورية للكتاب.
وقد قال حنا مينه في مقدمة هذا الكتاب بعد تحية الكاتب: معروف عني أنا حنا مينه، أني أديب البحر وأن هذا الشرف الذي اشتهرت به قد جعل منه رائعة مكتوبة ومحكية، بشكل يصعب على بعض الكتاب العرب المشهورين... فهل نزيد بعدما قاله حنا مينه عن نفسه، اللهم سوى أن الرجل كان وإلى آخر لحظة من حياته عاشقا لسوريا الوطن والأرض ومنبت الياسمين والخير. 
◗ حياة السايب

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد