مبادرة رئيس الجمهورية حول المساواة في الإرث يمكن الغاؤها من طرف المحكمة الدستورية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 14 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
15
2018

رأي قانوني

مبادرة رئيس الجمهورية حول المساواة في الإرث يمكن الغاؤها من طرف المحكمة الدستورية

السبت 18 أوت 2018
نسخة للطباعة

بقلم: القاضي والدكتور في القانون الدولي فريد بن جحا

أثار تقرير الحريات الفردية والمساواة ومبادرة رئيس الجمهورية حول سنّ قانون المساواة في الإرث جدلا كبيرا في أوساط المجتمع التونسي وقد كتب في هذا الإطار القاضي والدكتور في القانون الدولي لحقوق الإنسان وأستاذ حقوق الإنسان بالمعهد الأعلى للقضاء وصاحب مؤلفات "كونية حقوق الإنسان"، "حقوق الإنسان بين العالمية والعولمة" فريد بن جحا رأيا قانونيا ينشر على أعمدة "الصباح" في عددها الصادر اليوم.

" الطرح مغلوط من الأساس باعتبار أن المسألة حسمت على الصعيد الدولي منذ سنة 1993 على اثر المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي انعقد بفيانا والذي حسم الجدل بين مناصري كونية حقوق الإنسان من جهة ومناصري الخصوصيات والهوية من جهة أخرى.

وقد جاء في التقرير الختامي لهذا المؤتمر أن حقوق الإنسان هي حقوق كونية ومترابطة وغير قابلة للتجزئة وفي حين أنه يجب الأخذ بالخصوصيات الوطنية وتقاليد كل شعب فإنه لا يجب المساس بالحقوق الأساسية للإنسان ولا يجب أن تكون هذه الخصوصيات مدخلا لإلغاء المشترك الإنساني والقيم العالمية.

ولمزيد فهم هذه المسالة لا بد من تحديد القيم الكونية أو الحقوق العالمية التي يجب ضمانها لجميع أفراد البشر أينما كانوا بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو دينهم.

وفي هذا الإطار جاء في الفصل 15 من الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أنه توجد داخل منظومة حقوق الإنسان نواة صلبة لا يجب المساس بها مهما كانت الأحوال ولو في الظروف الإستثنائية أي حتى زمن الحرب وحالة الطوارئ وتتمثل هذه الحقوق الأساسية في الحق في الحياة، الحرمة الجسدية، عدم جواز التعرّض للتعذيب، عدم رجعية القانون الجزائي، وتوفير الضمانات القضائية للمحاكمة العادلة، وقد بين صاحب أطروحة دكتوراه "كونية حقوق الإنسان" القاضي فريد بن جحا أنه باستثناء هذه الحقوق الأساسية فإن بقية أجيال حقوق الإنسان سواء تعلق الأمر بالحقوق المدنية والسياسية كحرية التنقل أو المساواة أو الحق في الحياة أو تعلق الأمر بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية كالحق في التعلم والحق في الصحة... تبقى حقوق نسبية خاصة فيما يتعلق بكيفية تطبيقها في المجتمعات بما يراعي خصوصياتها وتقاليدها وثقافاتها لذلك نصّت جل معاهدات حقوق الإنسان على تقنية التحفظ وذلك للسماح للدول بالإنخراط في المعاهدات الدولية وذلك بقبول بنود الإتفاقية المنسجمة مع خصوصياتها الوطنية مقابل استبعاد بقية البنود التي لا تتماشى وثقافاتها وهويتها.

وبالرجوع الى تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة نجد أنه خاض في مسائل تتعارض مع الهوية الإسلامية التي ضمنها الدستور وحاول الإعتداء حتى على قانون الإتفاقيات الذي ضمن التناغم بين العالمية والخصوصية فاتفاقية "سيداو" (منع التمييز بين الجنسين) سمحت للدول الأطراف بالتحفظ على البنود التي قد تكون في تناقض مع الخلفية الإيديولوجية أو الثقافية بتلك البلدان وقد رفعت تونس جل الإحترازات على هذه الإتفاقية وابقت على بيان وهو بمثابة تحفظ على كل البنود التي تخالف الفصل الأول من الدستور الذي يعتبر الدولة التونسية دولة مدنية دينها الإسلام.

وفي هذا الإطار يتنزل باب المواريث والذي تحفظت تونس على المساواة في اطاره بين الجنسين باعتبار أن الأمر يتعلق بنصوص قرآنية قطعية لا يجوز المساس بها أو التلاعب بها مثلما فعلت جل الدول العربية والمسلمة.

ان محاولة تقنين مسائل تخالف الهوية التونسية والثقافة العربية الإسلامية في مجال الحقوق والحرّيات لا يندرج في إطار عالميّة حقوق الإنسان التي تحترم التنوّع الثقافي وإنّما في إطار عولمة حقوق الإنسان التي تسعى الى فرض نمط غربي مستورد وغرسه في المجتمع العربي وتحقير الثقافات غير الغربية واعتبارها ثقافات متخلفة مقابلة فرض النموذج الأوروبي أو الأمريكي على أساس أنه النموذج الأنسب للمجتمع المتحضر كما أن مبادرة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بسن تشريع يضمن المساواة في الإرث وعرضه على مجلس النواب فيه سوء فهم لقانون الدولة العام ولقانون فيانا حول الإتفاقيات ولفكرة التدرج الهرمي للنصوص القانونية وذلك لأن الدستور كأعلى نص للبلاد نص في توطئته على تمسك الشعب التونسي بتعاليم الإسلام وبالقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية بما يعني أنه مزج بين عالمية حقوق الإنسان الأساسية أي ضمان الحق في الحياة والحرمة الجسدية والمحاكمة العادلة من جهة والموروث الثقافي والهوية العربية الإسلامية من جهة أخرى، مثلما جاء في الفقرة الثالثة من التوطئة التي تؤكّد "التّوثيق لإنتمائنا الثّقافي والحضاري للأمة العربية والإسلامية...والتكامل مع الشعوب الإسلامية" فضلا عما نص عنه الفصل الأول من كون "تونس دولة حرة مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها ولا يجوز تعديل هذا الفصل".

وهذا ما يؤكد أن اقتراح قانون المساواة في الإرث سوف يقع الغاؤه من طرف المحكمة الدستورية في صورة المصادقة عليه وبعد ارساء هذه المحكمة وذلك بالنظر لعدم دستوريته ولمخالفته لتوطئة الدستور وللمادة الأولى المذكورة وذلك بالنظر الى أن مجلة الأحوال الشخصية استنبطت أحكام المواريث من الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية وبالتالي فإن أي خروج عن هذه القواعد الثابتة يعتبر اعتداء على الهوية الإسلامية وعلى الخصوصية الوطنية التي كفلها أعلى نص في البلاد، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن تونس انضمت الى اتفاقية "سيداو" وكان من الممكن لرئاسة الجمهورية أن تلغي كل التحفظات على هذه الإتفاقية بما فيها البنود التي تخالف المادة الأولى من الدستور عوض اقتراح قانون جديد والحال أن الاتفاقية هي أعلى مرتبة من القانون وفي صورة رفع التحفظات والاحترازات والبيان السابق الذكر فلن تكون هناك حاجة لسن قانون في نفس المجال وهو ما يدل على الإرتباك الموجود من الناحية القانونية وعدم التمكن من آليات القانون الدولي العام.

إن كونية حقوق الإنسان لا تتعارض مع الخصوصيات الوطنية بل هي تستفيد من التنوع الثقافي وان بعض الحقوق يمكن ان تكون نافعة في مجتمع ومضرة في مجتمع آخر والدليل على ذلك أن الرجل الغربي أصبح محرجا اليوم عندما يساله ابنه عن طبيعة العلاقة التي تربط بين جاريه المثليين وبالتالي فان محاولة تمرير قوانين دخيلة عن هويتنا العربية الإسلامية مثل عدم تجريم المثلية أو المساواة في الإرث بين الجنسين من شأنه أن يشرع للإنحطاط الأخلاقي والقيمي ولمزيد التعصب للهوية بما يؤدي الى رفض كل منظومة حقوق الإنسان باعتبارها بدعة غربية لتصبح الخصوصيات كلمة حق يراد بها الباطل من أجل فرض الأنظمة التسلطية والإعتداء على الحريات الفردية مضيفا أنه يجب ضمان الحقوق الأساسية للإنسان التي تمثل المشترك الإنساني والتي كفلها الإسلام باعتباره دينا عالميا لكل فئات البشر كالحق في الحياة وحرية الفكر والمساواة أمام القانون وفي العمل والحق في الصحة في حين يجب أن تأخذ بعين الإعتبار الخصوصيات الوطنية والثقافة المحلية في خصوص ضمان الحقوق غير الأساسية بما فيها الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية تناغما مع ما أقرّته الإتفاقيات الدولية التي تسمح بالتحفظ على بنود المعاهدات المخالفة للثقافة الوطنية وكذلك تطبيقا لتوصيات مؤتمر فيانا 1993 الذي يشجع عالمية حقوق الإنسان مثلما وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لسنة 1966 في حين يرفض عولمة حقوق الإنسان التي تسعى الى فرض نموذج ثقافي موحد هو النموذج الغربي مقابل الغاء كل الثقافات وربط ذلك بالمساعدات والمعونات الإقتصادية هذا الى جانب ما اقره الدستور التونسي في توطئته من ضرورة الإلتزام بمبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية ويقصد بمصطلح السامية الحقوق التي تمثل النواة المركزية داخل منظومة حقوق الإنسان أي الحقوق الأساسية المتعلقة خاصة بالحق في الحياة والحق في الحرمة الجسدية الى جانب الحق في الصحة والتعليم وحرية التنقل واحترام حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل في مجالات التعليم والعمل وحتى في الميدان السياسي والتي تجعل المرأة التونسية رائدة لا فقط في المجتمعات العربية بل حتى أمام نظيراتها الأوروبية.

               

 

إضافة تعليق جديد