رسالة المكاشفـــــــة الصادقــــــــــة من الأستاذ هشام قريسة إلى الأستاذ أنس الشابي(2/2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Aug.
24
2019

رسالة المكاشفـــــــة الصادقــــــــــة من الأستاذ هشام قريسة إلى الأستاذ أنس الشابي(2/2)

السبت 4 أوت 2018
نسخة للطباعة

تنشر "الصباح" الجزء الثاني من رسالة الأستاذ هشام قريسة التي رد فيها على ما نشره الأستاذ أنس الشابي في عدد من الصحف التونسية وعلى ما اعتبره قريسة تهجما على أساتذة جامعة الزيتونة، وفي ما يلي نص الرسالة.

 

"ثالثـــــــــا: وأمّا قولك إنّ الشّيخ الزيتوني هو الذي درس وفق مناهج التعليم الزيتوني وحفظ المتون وأجرى امتحاناته على شيوخها وأنّ عدد من بقي ممّن يحمل هذه الصفة، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة..إلى آخر ما ذكرت، فلو كان هذا الكلام صحيحا، لانقطع العلم وضاعت على الخلق الحجّة، ولم يقم بأمر الدّين - بعد هؤلاء الذين ذكرتهم – أحد، فإن للّه عبادا لا يزالون على المحجّة البيضاء، ولو انقطعت المشيخيّة – كما زعمت – وأنّها خلت إلاّ من أفراد قلائل، سيرحلون بعد زمان قصير، فإنّ قائم الشّرع، سيصير – لا محالة – إلى تَبَابٍ، خاصّة وأنّك نزعت عن أساتذة جامعة الزيتونة وسم "المشيخيّة" الذي لا يدلّل في نظرك، إلاّ على الحاصلين على الألقاب العلميّة من جامع الزيتونة المعمور، ولو كان ما تدّعيه صحيحا، لكان المتخرّجون من جامعة الأزهر، ومن جامعة القرويين ليسوا شيوخا ولا تنطبق عليهم "المشيخيّة" وكذلك الحال من الأساتذة والباحثين في الدّين في جميع بلدان العالم الإسلامي، فإنّهم اليوم يدرّسون علوم الدّين في الجامعات الحديثة، وفق المناهج المعاصرة ولم يقل أحد عنهم إنّهم ليسوا علماء ولا مشايخ.

ولقد كانت هذه الألقاب وأمثالها، متداولة بين الخلق من سلف هذه الأمّة وخلفها، فمنهم من جمع من أوصاف العلم أكثر من لقب ومنهم من تفرّد ببعضها، ومنهم من غاص على درر العلم وسبر، ومنهم من تشطّأ، ومنهم من جمع أكثر من باب من أبواب العلم ومنهم من اقتصر، ومنهم من علم وعلّم و"أعلم" أي صار العلم له علامة. ومنهم من هو دون ذلك. وفي حديث مسروق بن الأجدع، التابعي الجليل، قال: "لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم فوجدتهم كـــ"الإخاذ"، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ" (البيهقي: السنن الكبرى ح 110).

وإنّ جمع أوصاف متّصلة بالعلم، لا يعني أن كلّ من ينتسب إلى الزيتونة هم على وزّان واحد من هذه الرّتب، فإنّ للخلق مراتب لا تنتهي في الدرجات، كما هي مراتبهم متفاوتة في الدين والإيمان والعمل الصالح والفضيلة، ولكن يقتدي آخرهم بأوّلهم، ويتنبّه أدناهم بأعلمهم.

رابعــــا: وقولكم: أمّا من ينسبون أنفسهم إلى الزيتونة، افتراء فليسوا منها وإن ادّعوا ذلك، لأنّهم متّهمون بانتحال صفة لتحقيق منافع، لا حق لهم فيها وما أكثرهم هذه الأيّام... إلى آخر ما ذكرت، هكذا إذا، تصدر هذه الأحكام العامّة، الظالمة التي كلّها حقد ونقمة وعنصريّة.

إنّ لفظة "من" ينتسبون إليها افتراء، تفيد العموم، وعلّلت ذلك بأنّهم منتحلون، غاشون، لأجل منافع، فإن عرف شخص في جامعة ما بانتحال، أو مارس غشّا، أو تزويرا في بحث فهل يعني أنّ كلّ من انتسب إلى تلك الجامعة كان على تلك الهيئة، فإنّه لا يزال في النّاس، في أعصر النبوّات وغيرها، وفي مختلف مظاهر الحياة الإنسانيّة، المدنيّة والبدويّة على السواء، من هو نظيف اليد واللّسان والجنان، ومنهم من هو حالك الدّنس في ذلك فلا تشاغب بالشاذّ على المتكثّر، المعروف.

نعم نحن ننتسب إلى الزيتونة، صدقا وحقّا، الجامعة التي أقررت بنفسك بأنّها قد انتهت فقلت – وبعد الاستقلال تمّ توحيد التّعليم، الأمر الذي أنهى تماما وجود الزيتونة كمؤسسة تعليميّة - وتقولها بكلّ بجاحة، واغتباط، أنّها انتهت تماما، بل أقول لك لم تنته، ولن تنهيَ ما دامت نفوس أبيّة تنبض بالإيمان، وخابت أمانيّك أن يكون هذا الاستقلال الذي ذكرته قد أنهى العلم الشّرعي بتونس، ولن ينبئك في هذا الأمر مثل خبير، فقد جاء في الحديث الصحيح، الذي خرّجه مسلم في كتاب "الإمارة" أنّه لا تزال طائفة من أهل الغرب (وفي رواية من أهل المغرب) قائمين على الحقّ حتّى تقوم الساعة، ويقيني أنّ بلادنا أو طائفة منها معنيّة بهذا المقام، بل جامعة الزيتونة، أو الجامعة الزيتونية كما سمّيت بعد الاستقلال هي وريثة الجامع الأعظم، ولسْتُ مثلك أَنْسِبُ التصرّفَ القبيح إلى الاستقلال – الذي سيبقى رمزا في قلوبنا – أن يكون هذا الحدث قد طوّر التّعليم وحدّثه ووحّده، لا أن يكون أنهاه تماما، كما زعمت، وإنّه من عدم التّوفيق، أن تذمّ الاستقلال من حيث لا تشعر فإنّ العالم الإسلامي، بعد خروجه من الاستعمار والهيمنة العسكريّة احتاج إلى تطوير المعرفة، فأنشأ الجامعاتِ العصريّةَ، بهندسة وعمارة جديدة، وبرامج علميّة حديثة، بإدخال العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة المختلفة المعضّدة للبرامج الدينيّة، فجامعة الزيتونة جامعة عريقة في علومها، حديثة في مناهجها، متطوّرة بما أدخلت من علوم المنهجيّة والإعلاميّة واللّغات العالميّة، جامعة خادمة للحضارة، متساوقة مع التاريخ الثقافي والديني لتونس، ولذلك لمّا ضعف التّعليم الزيتوني في بلادنا بفعل حملات التشكيك والتغريب والتجفيف، أصابنا – بعد الثورة – جحافل الفرق الغالية والمتشدّدة، فلقد كانت هذه الجامعة سدّا منيعا أمام جموح "الحركة الوهابيّة"، وما تأسّس على مثالها من "القاعدة"، و"الدواعش"، و"أنصار الشريعة" وغيرها، ولم تكن أنت الذي وقفت في وجه هؤلاء، فقد نعلم ما كنت فيه وما جرى اشتغالك عليه، بل نحن زمرة الزيتونة الذين وقفنا لهم، ودافعنا عن مدرستنا السنية، المالكية السمحة ولا يعني اشتغالنا بالعلم والتّدريس، أن نكون غائبين عن واقعنا، أو غافلين عمّا يُحاك لنا ويدبّر، لإقصاء قيم الإسلام من حياتنا، فإنّه من البلاهة بمكان أن نشتغل بآخرتنا، ونسلّم دنيانا لغيرنا، ولسنا على منهج النصرانية أن نقول ما لله، لله، وما لقيصر لقيصر، فالكلّ لله: النّسك والأعمال والحياة والممات، خالصا له، وإنّما للعبد قيصرا كان أو خادما، الاجتهاد والبذل والإحسان في كنف الله وطاعته.

إنّ هذا الضّلال في الفكر المسيحي هو الذي أفسد الدّين في الأرض، فكلّ ملحد فيه، يطلب من معتنقي الأديان أن ينجحروا إلى المعابد، حتّى تخلو لهم الأرض لإعلان السّيادة والسّعي بالفساد فيها وإنّما ديدننا قول نبيّنا صلى الله عليه وسلّم : "إنّما جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"، بمعنى أنّ الأرض كلّها صالحة لإقامة معالم الإيمان ومظاهر الدين.  

               

 

إضافة تعليق جديد