رسالة المكاشفة الصادقة.. من الأستاذ هشام قريسة إلى الأستاذ أنس الشابي (1/2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Aug.
24
2019

رسالة المكاشفة الصادقة.. من الأستاذ هشام قريسة إلى الأستاذ أنس الشابي (1/2)

الجمعة 3 أوت 2018
نسخة للطباعة

تنشر «الصباح» رسالة الأستاذ هشام قريسة التي رد فيها على ما نشره الأستاذ أنس الشابي في عدد من الصحف التونسية وعلى ما اعتبره قريسة تهجما على أساتذة جامعة الزيتونة، وفي ما يلي الجزء الأول من الرسالة. 
«إنّ ما أريد تبليغـه في مطلع هذه الرّسالة الموجّهة إلى الأستاذ أنس الشابي، أنّني تردّدت كثيرا في الردّ على مقالاته المتعاقبة في الصحافة التونسيّـة، التي حملت في طيّاتها معنى التهجّـم، والازدراء بأساتذة جامعة الزيتونة، فأردت أن أوقفك على حقيقـة مهمّة. أنّه ليس بيننا وبينك ما يستوجب هذه الخصومة، فإنّنا جميعا منتسبون إلى ثقافة إسلاميّة واحدة ورؤية فكريّة متجانسة، ومدرسة فقهيّة، زيتونيّة واحدة، وإن كنّا نختلف في قضايا ومسائل تتّصل بهذا البناء الحضاري الإسلامي، وإنّما خصومتنا منصبّة، على من عادانا في ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا، مع من خالف هويّتنا، خصومتنا مع من يرى أنّ الإنسان – بفعل الحداثة - قد امتلك الإرادة المطلقة، في أن يتصرّف في حياته كما يشاء وكما يريد، خصومتنا مع من أراد عزل الإله من حياتنا وآدابنا، وتسويد الإنسان مكانـه.
إنّ خلافنا مع الذي يعتبر أنّ فلسفة الدّين والقيم مرحلة تاريخيّـة بائـدة، ظهرت في العصر الميتافيزيقي وأنّنا اليوم في زمان المرحلة «الوضعيّة» أو»الإيجابيّة «كما نبّأ بها الفيلسوف الفرنسي أوغيست كونت في كتابه الموسوم بــ«قانون الحــالات الثلاث» La loi de trois états وهذه المراحل هي على التوالي: المرحلة اللاهوتيّة ثمّ المرحلة الميتافيزيقيّة ثمّ المرحلة الوضعيّـة، بمعنى أنّ الإنسان في هذه المرحلة الثالثة، هو الذي يسطّر نظام حياته حسب إرادته واختياره، وأنّه هو السيّـد في هذا الكون، وأنّ سيطرة القيم الدينيّة قد انقطعت بحلول المرحلـة الوضعيّة التي يعتبرها أصحابها «المرحلة العلميّة» وأنّ كلّ ما سبقها من المراحل، سمتها الوهم والخيال والخوف الذي لا ينقطع من القوى الغيبيّـة.
أيّها الأستاذ، يا سليل الزيتونة، يا من لا يزال ينبض في نفسه احترام نحن المشـايخ، الذين ذكرتهم في آخر مقال حبّرته بعد أن أعلننا «بيان الزيتونة»، ليست المعركة معك، ولا أخال ثقافتك الزيتونيّة تنأى بك عن الاصطفاف معنا، وتحدو بك إلى الالتجاء إليهم، هؤلاء أنصار الوضعانيّة (Positivisme) الذين يرون الإنسان مصدر الحق وغايته، المدرسة التي لا تلقى اعتبارا للقيم والهويّـــة والأعراف والطبائع.
إنّ الاقتراحات التي قُدّمت في تقرير «الحريات الفرديّة والمساواة» كلّها مواضعات لليسار الاشتراكي الفرنسي، منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس ديغول سنة 1968 م، وأنّ ببّغاوات الثقافة في بلادنا يردّدون هذه المخزيات، التي عارضت الدين، والهويّـة، يريدون تغيير الفطرة السّليمة، ولن يحقّقوا ذلك، ففطرة الله لا تتغيّر ولا تتبدّل، لأنّها من جعله ومن سنّته.» فلن تجد لسنّة الله تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا». فاطر، الآية 43. ورغم ذلك لا بأس أن أجيبك عن اختلاجات وقعت في صدرك، قد يكون لي صادق العزم في الكشف عنها.
أوّلا: قلت في مقالك الأخير في «كشف المستور» بتاريخ 06 جويلية 2018 إنّ دور الجامعة يتمثّل أساسا في التّدريس والتّأطير والبحث وليس في إصدار البيانات المتعلّقة بالشّأن العام، وأنّه قد يكون لأساتذة الزيتونة إبداءُ رأيهم بصفة فرديّة، لا أن يتحوّلوا إلى تنظيم يُبدي رأيا موحّدا على شكل الأحزاب السياسيّة، إلى آخر ما هو قريب من هذا المعنى، وأجيبك بأنّ التيار الفكري الحداثي يستقوي بالسياسيّين، والماسكين بالسلطة، وبالإعلاميّين، وبالشحن الإيديولوجي الذي يمارسونه في الجامعات والمنابر الثقافيّة، يكتبون ويؤلّفون ويغسلون أدمغة الناس، ويقترحون وضعَ قوانين وإلغاءَ أخرى. فهل تظنّ أنّه من المفيد، التغاضي عن ذلك، وتسليم الأمر إليهم بلا مدافعة ولا محاججة.
إنّ الخوف العظيم أن نكون – إن تغاضَيْنا عن ذلك - قد خَذَلْنا ديننا، وأن يؤول أمرنا إلى مساءلة شديدة يوم القيامة، اليومُ الذي هو حقيقة في نظرنا، ووهُمٌ في نظرهم، إنّه لم يبق من حصون الدّين القائمة في بلادنا، إلاّ جامعة الزيتونة، بعد تهميش دور المفتي، وبعد أن أصبح المجلس الإسلامي الأعلى جسدا بلا رأس، وإسما بلا مسّمى، وهيكلا بلا لحم ولا دم ولا أعصـاب، وكان وَهْم الحداثيين أنّ الزيتونة قد انتهت، همُّشت وأنهكت واستنزفت بسياسات مغرضة متعاقبة قادها اليسار الحاقد، الانتهازي، فآل ما توهّموه إلى سراب، فكان حالنا – كما قال أبو الطيب المتنبي :
 كم قد قتلت وكم قدْ متّ عندكم
 ثمّ انتفضت فزال القبر والكفن
وأمّا رأيي في وزارة الشؤون الدينيّة فإنّها وزارة مهمومة، مثقلة بحاجات إطارها الديني من الأيمّة والوعاظ والقائمين على بيوت الله الذين قصرت أيديهم عن تحقيق حاجاتهم اليوميّة الضروريّة. ولولا إحساس بالدّين في قلوبهم، لا يزال ينبض، لهجروا القيام على المساجد، فجازاهم الله خير الجزاء على استمرار الشعائر في هذا البلد الذي عرف بالسماحة وجميل التديّن.
يا أستاذ أنس: إنّ المنافحة عن الدين، لم تعد فرضا كفائيّا، لأنّ قيام البعض به، لا يُغني شيئا أمام جحافل المتألبين في الداخل والخارج، يحتاج الأمر إلى اصطفاف وتعاون وأن نستلهم الحجج من بعضنا، البعض، وإنّ جامعة الزيتونة هي المعقل الأخير، وإنّه إذا استبيحت، انتهى كلّ شيء ولذلك أصدرنا عن موقف واحد، ورأي واحد، نرجو به ثباتا إلى يوم الدين.
ثانيا: وأما قولك :»إنّ البيان لم يتوقّف عند حدود ذكر الأساتذة، بل تجاوز ذلك إلى إيراد صفتين أخريين هما «علماء الزيتونة ومشايخها» وتساءلت – ساخرا – من هم هؤلاء «العلماء» وذكرت أنّ هذا التّوصيف لا يحمل معنى التواضع وأنّه لا يصحّ وصف الأساتذة بالمشايخ...» إلى آخر ما ذكرت.
وأجيبك بأنّ هذه الأوصاف «أساتذة و»مشايخ» و «علماء» إنّما هي من قبيل الألفاظ المفردة الدالّة على شيء واحد، أي أنّها تحمل على معنى الترادف لتأكيد شيء أو إثباته، فإن لم تُحْمل على معنى الترادف، اعتبرناها من الألفاظ المتباينة التي تتباين بالصفات، ولكنّ القصد منها شيءٌ واحد، من باب المشاكلة، فإنّنا في سجال مبدئي، حضاري خطير، نحتاج فيه، إلى حشد هذه التّسميات لتقوية مرجعيّتنا الدينيّة، وخلق نوع من الاطمئنان إلى كلامنا عند الناس.
وأقول لك: إنّ لقب «الأستاذ» وإن كان لفظا معربا في لغة العرب فإنّه يدلّ في عرف الناس اليوم، على المتمكّن من علم معيّن، المتحصّل فيه على شهادة علميّة، فإن ترقّى في التحصيل سمّي «دكتورا» وهو المتحصّل على شهادات الدراسات العليا. وأمّا لفظ «مشايخ الزيتونة» جمع شيخ، وهو في أصل اللّغة: من استبان فيه الكبر، وظهر عليه الشّيب، وهو من جاوز «الخمسين» وقيل هو من جاوز «السّتين» واستعير اللفظ، لبيان طول المداومة في القراءة والتدريس والإقبال على كتب العلم، فكأنّه لـمّا شَاخ في السنّ، شَيَّخَ في العلم، أي تقدّم فيه، وهو لقب عاديّ لا يدلّل على جَهْبَذيّة ولا إمامة ولا تبريز في التحصيل. وليس  لجامعة الزيتونة، في شهاداتها «شهادةُ التبريز» رغم استحقاقها لها. كما هو الحال في جامعات الدنيا كلها ولا أراك تستكثر على أهل العلم من الزيتونة هذا اللقب إلاّ أن تكابر فيه. 
وأمّا وصفهم ب«العلماء» فإنّي أرى في نبرتك معنى الهزءة، لأناس انتموا إلى هذه الجامعة وتخرّجوا منها، كما تخرّجت أنت منها، فلا أرى لك أن تكون عاقّا لها، منكرا لنجابتها، فإنّها لا تستحقّ ذلك، وإنّ الأمر قد حسم. فلم يبق لنا إلاّ هذا المعلَمْ، الذي سنصونه رغم ضعف بهاره واتقاده، فلعلّ الله يبعث إليه من يزيل صدأه ويلمّع شأنه.
إنّ صفة العلم دائرة بين تسميات متفاوتة، أعلاها «العليم» وأدناها «العالم، وأوسطها «العلاّم» أو «العلاّمة» ونحن نعتنا أنفسنا بأدناها، والعلم نقيض الجهل، فلو لم نتّسم بلقب العالم لكان ما حصّلناه من الشهائد باطلا، ولكان الذين أجازونا «سفهاء» لأنّهم لم يقدّروا درجة ما حصّلنا، ولكان الذين أجازوك  كذلك، لأنّهم هم الذين أجازونا، أو أجازوا أكثرنا، فانظر إلى أي حدّ سيوصلك إيغالك في  اللمز، سيوصلك إلى نقض كلّ شيء، وإبطال كلّ حقيقة.
فإن أضيف لفظ «العلم» إلى فنّ ما، زِيدَ في تخصيصه وتضييقه كقولنا فلان عالم بالشرع، أو عالم بالسنة أو بالكتاب، كان الذي حصّله جانبا من العلم، ونحن لا ندّعي معرفة العلوم الفلسفيّة أو العقليّة، وقد يكون تحصيلنا لعلوم الدين باعتبار الكلّ لا باعتبار الفرد، ونحن وإنّما تكلّمنا في خصوص ما عرفنا».
(يتبع)

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد