رأي: اتفاق «أليكا».. غياب المفاوض التونسي الواعي بالمخاطر الاقتصادية والمجتمعية (2-2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
21
2018

رأي: اتفاق «أليكا».. غياب المفاوض التونسي الواعي بالمخاطر الاقتصادية والمجتمعية (2-2)

الأربعاء 25 جويلية 2018
نسخة للطباعة
رأي: اتفاق «أليكا».. غياب المفاوض التونسي الواعي بالمخاطر الاقتصادية والمجتمعية (2-2)

بقلم: نوفل سلامة -

إن هذا العرض الأوروبي أو هذا المشروع المجتمعي والحضاري يشكل نوعا من الحيرة والخوف والانشغال للأسباب التالية:
أولا: هذه المفاوضات تكرس هذه المرة علاقات غير متوازنة وغير متكافئة في كل الميادين فهذا العرض يقوم على قاعدة التعامل بالمثل ويجعل الجانب التونسي في وضعية صعبة وغير مريحة وغير متوازنة بعد أن تخلى الاتحاد الأوروبي عن وضعية الشريك المتميز المتمتع بامتيازات ضرورية لمجابهة بنود الاتفاق وإعداد النفس للفترة الانتقالية ومنح تونس مدة زمنية للتأهيل.
ثانيا: هذا الاتفاق يقوم على علاقات مختلة من خلال فرض الاتحاد على تونس فتح السوق التونسية للبضائع والأشخاص والأموال والشركات والاستثمارات الأوروبية في حين يمنع هذا الاتفاق على الاشخاص التونسيين التنقل إلى بلدان الاتحاد بكل سهولة وبصعوبات وإجراءات ديوانية وغياب المعاملة بالمثل والتكافؤ في التفاوض يجعل الطرف التونسي في وضع الضعيف. وهذا يعني أن هذا الاتفاق يفتح الاقتصاد التونسي على السوق الأوروبية الواسعة ولكنه يفتحها بمقدرة تنافسية ضعيفة وبصعوبة في ولوج العمالة التونسية للأسواق الأوروبية في حين أن السوق التونسية صغيرة ويسهل السيطرة عليها واحتواؤها ما يهدد النسيج الصناعي المحلي والعمالة المحلية. وهذا الموضوع له علاقة بالحق في التنمية وبناء اقتصاد يستجيب لحاجيات البلاد لتصبح الخيارات التنموية مسألة لا ارادية وإنما هي توجهات مفروضة من طرف الاتحاد.
ثالثا: الطرف التونسي يدخل هذه المفاوضات الجديدة دون تقييم موضوعي لتجربة الشراكة لسنة 1995 وهي مسألة ضرورية إذ من غير المعقول أن ندخل مفاوضات مصيرية ومؤثرة على مستقبل البلاد من دون تقييم للتجربة السابقة حتى نعرف السلبيات والايجابيات وحتى لا تعاد الأخطاء وحتى لا نعيد انتاج الفشل خاصة وأن تقرير صندوق الدولي قد أقر بأن اتفاق سنة  1995 قد أضر بالنسيج الصناعي التونسي بغلق الكثير من المصانع وطرد الآلاف من العمال بما يعني أن آثار الشراكة الأوروبية كانت كارثية على الوضع الاجتماعي وعلى البطالة وعلى الاستثمارات المحلية الوطنية لذلك فإن عدم تقييم التجربة السابقة هو خطأ استراتيجي كبير ترتكبه الحكومة الحالية وهي تنظر في العرض الأوروبي الأخير.
رابعا: ضرورة القيام بدارسة جدوى العرض الأخير الرامي إلى تحرير قطاع الفلاحة والخدمات ومعرفة ماذا ستربح وماذا ستخسر تونس من هذا الاتفاق خاصة وأن بلدانا مثل مصر والمغرب والأردن قد علقت تفاوضها مع الاتحاد الأوروبي في موضوع الفلاحة لتداعياته الخطيرة على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى عملية التنمية وبسبب عدم الجاهزية للتفاوض لوجود نسيج اقتصادي محلي غير قادر على التفاوض وعلى المنافسة وهنا يطرح السؤال هل أجرت الحكومة التونسية دراسة معمقة لمعرفة مخاطر الاتفاق الأوروبي على فلاحتنا وعلى أمننا الغذائي وعلى مسألة الاكتفاء الذاتي حتى لا نزيد من حالة التبعية للغرب بعد أن يتحرر القطاع الزراعي.
خامسا: في دراسة أجراها مكتب دراسات ممول من الاتحاد الأوروبي لمعرفة انعكاسات ابرام اتفاق شراكة لاستكمال تحرير الفلاحة والخدمات مع تونس قد انتهى إلى أن هذا العرض الأوروبي يحتوي على مخاطر كبيرة في المجال الفلاحي وفي مجال تربية الابقار ومجال زراعة الحبوب ومشتقاته ومن ورائه تنتظر تونس أزمات كبيرة ومن نتائجه انتاج الفقر والأزمات الاجتماعية فالفلاحة الأوروبية هي فلاحة مهيكلة ومدعومة وإنتاجها أكبر 6 مرات من انتاجنا وتتوفر على منظومة حمائية للفلاح الأوروبي ويوجد تعاون كبير بين بلدان الإتحاد في عملية إسناد الفلاحة أثناء الإنتاج والتصدير في حين لا نجد شيئا من هذا الواقع الأوروبي في فلاحتنا بل على العكس يراد لنا أن نرفع الدعم عن المنتجات الفلاحية وهو قطاع ضعيف مما يجعل من قدراتنا التنافسية ضعيفة على كل المستويات والتخوف هو أن يقع احتواء الفلاحة التونسية في منظومة الفلاحة الاوروبية ولعل التجربة المكسيكية في مجال الشراكة في منظومة اقتصادية معولمة دليل على هذه المخاطر فهذا البلد قبل دخوله في منظومة الشراكة مع الدول الأمريكية كان بلدا يعرف فائضا فلاحيا وكان بلدا مصدرا للمنتجات الفلاحية وكان يعرف اكتفاء ذاتيا ولكنه بعد اتفاق الشراكة الذي امضاه أصبح بلدا يستورد قوته من المواد الفلاحية وحاجياته الغذائية وفقد أمنه الغذائي واكتفاءه الذاتي وأصبح بلدا في وضعية تبعية لأمريكا وازداد فيه عدد العاطلين عن العمل بعد أن تخلى عن الكثير من الزراعات ونفس المصير سوف يحصل لنا اذا لم نقيّم التجربة السابقة ولم نجر دراسة جدوى تحرير القطاع الفلاحي للاستثمارات الأوروبية ونفس هذه المخاطر ذكرها مكتب الدراسات على تحرير مجال الخدمات خاصة إذا علمنا أن العرض الأوروبي قد تجاوز الخدمات التقليدية ليشمل الصحة والإعلامية والنقل والتعليم والسياحة وإذا علمنا أن الاتحاد الأوروبي هو أول مجموعة اقتصادية في مجال المبادلات في قطاع الخدمات وهو اليوم يحرص على مزيد فتح الأسواق في هذا القطاع.
سادسا: حرص الجانب الأوروبي على تقوية الاجراءات لحماية مصالحه واستثماراته في حين منع على الجانب التونسي سهولة انسياب التونسيين للبلدان الأوروبية ونص صراحة في مشروع الاتفاق المعروض على منع نقل التكنولوجيا المتطورة وعلى عدم تخصيص نسبة معينة من الأرباح للبحث العلمي أو اقتناء نسبة معينة من الحاجيات من بلادنا أو تشغيل عدد معين من مواطنينا في الاستثمارات الأجنبية بما يعني أن الأجنبي وفق هذا الاتفاق له كامل الحرية في بلادنا في إدارة مشروعه الاستثماري ولكل الحق إن لزم الامر أن يجلب يد عاملة من خارج البلاد وفي صورة حدوث نزاع بين الطرفين فإن الإشكال يحل بواسطة التحكيم الخاص ودون الرجوع إلى القواعد التشريعية المتعارف عليها والتي يستنجد بها في مثل هذه الحالات.
سابعا: وهذا هو الأهم وهو أن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي هذه المرة تفتقد إلى المفاوض التونسي المدافع بشراسة عن المصالح الوطنية والمفاوض الواعي بحقيقة كل هذه المخاطر التي أتينا عليها وهي مخاطر تتجاوز تحرير قطاعي الفلاحة والخدمات وفتح السوق التونسية للمستثمر الأجنبي إلى مخاطر مجتمعية وحضارية وثقافية بإلحاق تونس بالغرب وبالدول الأوروبية بعد تحرير المنظومة التشريعية التونسية وتنقيحها ومخاطر أخرى تتعلق بالسيادة الوطنية ومفهوم الاستقلال ومخاطر تلامس إعادة إنتاج التبعية من جديد والعودة إلى مشروع الاستقلال غير المعلن ومخاطر أخرى تتعلق بجعل العقل التونسي سجين العقل الغربي وأسير منظومته الاقتصادية المعولمة في إنتاج المقاربات والخيارات والاستراتيجيات الوطنية ما يعيدنا إلى مفهوم الترابط والارتباط الذي كرسته وثيقة الاستقلال من وراء مصطلح «interdépendance».
ما يمكن قوله بكل وضوح ودقة هو أن هذا العرض الأوروبي المعروف باتفاقية الشراكة الشاملة والمعمقة يحتوي على مخاطر حقيقية تزيد من حالة الخوف والحيرة على هذا البلد والشك في قدرة من يحكمنا اليوم على إدارة الحكم بكل وطنية ويفرض طرح السؤال الكبير هل نحن فعلا مستقلون؟

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة