رأي: اتفاق «أليكا».. غياب المفاوض التونسي الواعي بالمخاطر الاقتصادية والمجتمعية (1/2) - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 24 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
25
2018

رأي: اتفاق «أليكا».. غياب المفاوض التونسي الواعي بالمخاطر الاقتصادية والمجتمعية (1/2)

الثلاثاء 24 جويلية 2018
نسخة للطباعة
رأي: اتفاق «أليكا».. غياب المفاوض التونسي الواعي بالمخاطر الاقتصادية والمجتمعية (1/2)

بقلم: نوفل سلامة -

من القضايا المؤثرة في حياة المواطن التونسي والمصيرية في مستقبل البلاد ومن المواضيع التي حولها قلق وخوف كبيران ولا تلقى من الاهتمام والعناية اللازمة لفهم مضمونها ومناقشة محتواها.. ومن الأسئلة التي لا يملك الكثير من الناس أجوبة لها لضبابية صورتها قضية استكمال اتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي الذي انطلقت المفاوضات بشأنه سنة 2015 بين الجانب التونسي والطرف الأوروبي المعروف باتفاق الشراكة الشامل والكامل والمعمق «الأليكا» وفي محاولة لفتح هذا الملف الذي يراد له أن يبقى دائما مغلقا وأن يدار في فضاءات رسمية ضيقة بعيدا عن أضواء الرأي العام.. وفي محاولة لإجلاء الغموض والحيرة التي تحاصر هذا الملف ارتأت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات تنظيم ندوة علمية صبيحة يوم السبت 30 جوان المنقضي استدعت لها الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي والنقابي السابق عبد الجليل البدوي واحد من القلائل الماسكين بدقائق ملف «الأليكا» ومن الذين يملكون رؤية واضحة عن تداعيات هذه الشراكة التي تدفع إليها تونس دفعا دون وعي كامل بالمخاطر القريبة والبعيدة التي تنتظر هذا البلد وهذا الشعب الذي يستحق وضعا أفضل وأحسن من وضع إعادة انتاج التبعية والاستعمار الجديد والذوبان في منظومة العولمة والاقتصاد الليبرالي المتوحش الذي تكرسه الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
يعتبر الأستاذ عبد الجليل البدوي أن هذا العرض الذي نحن بصدد مناقشته هو امتداد لاتفاق الشراكة الذي أمضته تونس سنة 1995 ولكنه أعمق وأكمل وأشمل ويتجاوز مجرد اتفاق تجاري على الصيغة التقليدية المعتادة ليرتقي إلى مشروع مجتمعي وحضاري من شأنه أن يغير من صورة تونس وملامح المجتمع لذلك وجب الاعتناء به والتعرف على حقيقة مضمونه الذي يتجاوز على عكس ما يروج له استكمال ما تبقى من عناصر الشراكة القديمة والبت في موضوع الفلاحة والخدمات.
لقد تعود الاتحاد الاوروبي ومنذ الستينات من القرن الماضي أن يقدم للحكومة التونسية عرضا بإبرام اتفاق شركة معه يستجيب للمستجدات التي يعرفها فكلما توسع في العدد والتحقت به بلدان أخرى إلا وخرج علينا بمشروع جديد ولكن ما يميز هذا العرض الأخير أنه تجاوز المجال الاقتصادي والتجاري إلى المجال السياسي والتشريعي والثقافي حيث لمسنا حرصا كبيرا على قضية حقوق الانسان وبناء المؤسسات ومسألة التشريعات والقوانين التي وجب أن تكون متفقة مع منظومة القوانين العالمية وما هو معمول به في الدول الأوروبية والتخلي على العلاقات التفاضلية التي تمنح لتونس بعض الامتيازات مراعاة لوضعها التنموي غير المتكافئ مع وضع بلدان الاتحاد الاوروبي وذلك حتى تتمكن من التدارك والالتحاق بمستوى التنمية الأوروبي وتعويضها بقاعدة المعاملة بالمثل والتعامل الند للند وهي وضعية تفاوضية خطيرة تضع تونس البلد الصغير في نفس وضع منظومة الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع أعضاؤه بإجراءات حمائية ووقائية كبيرة بما يعني أن الحكومة التونسية تدخل هذه المفوضات بعلاقة غير متساوية فاقدة لنفس القدرات التنافسية.
هذا الغرض الأخير للاتحاد الاوروبي إضافة إلى تخليه عن فكرة الشريك المتميز والعلاقات المتوازنة المتفهمة لعدم قدرة تونس على مسايرة النسق التنافسي لاقتصاديات الدول الأوروبية وبالتالي منحها هامشا من الحرية في تطبيق الاتفاق أو ارجاء تطبيق بعض بنوده والتمتع بامتيازات خاصة حتى لا يتراجع نسيجها الاقتصادي فقد وسع من مجال التفاوض والتشاور والاتفاق لشمل المواد الفلاحية والخدمات بأنواعها وفتح السوق التونسية للاستثمارات الأجنبية التنافسية وتمكين الاتحاد الاوروبي من المشاركة في دعم الاصلاحات الكبرى التي تعهدت بها تونس مع المؤسسات المالية العالمية وشمل أيضا الحرية الفكرية والصناعية والتجارية والقمرقية والحماية اللاقمرقية والأخطر من ذلك شمل التقارب في المنظومات التشريعية والمكتسبات العالمية في مجال منظومة الحقوق الكونية والقوانين المتفق عليها عالميا بما يعني ضرورة تغيير التشريعات التونسية في جميع الميادين حتى تتفق وتتماشى مع منظومة التشريعات الأوروبية ولهذا سمي هذا العرض الأوروبي للشراكة بالشامل والمعمق لأنه تجاوز المجال الفلاحي وقطاع الخدمات  ليلامس الفكر والثقافة والتشريع ومن وراء ذلك الخصوصية والهوية لتجد تونس نفسها في وضعية التهديد والاضمحلال والذوبان لكل ما هو ذاتي وخصوصي وتقوية الاندماج الكلي في المنظومة الاقتصادية والفكرية الأوروبية من خلال توفير أكبر قدر من الضمان وأوسع ظروف لاستقطاب الاستثمار الأجنبي وحماية للمصالح  الاقتصادية الأوروبية.
وكل هذه النقاط وعددها 12 في هذا العرض الجديد للشراكة مع الاتحاد الأوروبي تصب في اتجاه واحد وهي جعل تونس في وضع التبعية للغرب وارتهانها لمؤسساته المالية ولمنظومته الاقتصادية والتشريعية وهي تبعية ليست بالجديدة حيث تضمنت العروض السابقة صورا أخرى لهذه التبعية لكن هذه المرة فإن الذي سيحصل للبلاد هو إعادة انتاج وضع التبعية الدائمة ما يذكر بوضع الاستعمار والهيمنة التي لم تعد اليوم عسكرية وإنما تحولت إلى هيمنة اقتصادية ومالية وحضارية ثقافية.
وخطورة هذا الواقع الجديد الذي يعمل اتفاق الشراكة الشامل والمعمق على تكريسه في بلادنا هو في تأثيره على استقلال قرارنا السيادي وخياراتنا السياسية والتنموية التي ستصبح مشروطة وكذلك على منوال التنمية الذي سوف يرتهن مستقبلا لدى دوائر القرار الأوروبي التي سوف يصبح لها حق إملاء التوجهات العامة للسياسة التنموية ومنوال التنمية الذي تحتاجه بالبلاد وهذا الأمر بدأنا نلمس بعض مظاهره في مجال الدراسات المتعلقة بإصلاح المنظومة التربوية والجبائية وإعداد منوال التنمية الممولة من طرف الاتحاد الأوروبي فكل هذه البرامج التي تعد استراتيجية وراء مكاتب دراسات تابع للاتحاد ويعمل على تسويق افكاره وبرامجه خدمة لمصالحه.
الخطورة اليوم إلى جانب كل ما قلناه في المجال التنموي والخيارات الاستراتيجية هو التأثير العميق لهذا الاتفاق الجديد على منظومتنا التشريعية والقانونية التي يفرض الاتحاد الأوروبي تغييرها بما يتماشى مع قوانينه وهنا نفهم الحرص الكبير الذي نجده في لجنة الحقوق والمساواة على تقديم مبادرة تشريعية لتغيير قوانين المواريث الشرعية وأحكام الاسرة وإقرار حقوق المثلية والحرية الجنسية للناس والتخلي عن كل ما يمت بصلة إلى الدين الإسلامي وكل ما به رابط بالنصوص الدينية وصلة بالانتماء الحضاري للثقافة الاسلامية بما يعني أن اتفاق الشراكة الأوروبي هذا إلى جانب ما يعرضه من خيارات اقتصادية وتجارية خطيرة على حياة وعيش الفرد التونسي فإنه يعرض مشروعا مجتمعيا وثقافيا وحضاريا جديدا يقطع نهائيا مع موضوع الهوية والخصوصية العربية الإسلامية ليجعل من تونس بلدا تابعا للاتحاد الاوروبي وشبيها بالمجتمعات العلمانية في بلدان ما وراء البحار إن لم يكن طرفا من أطراف جغرافيا بلدان ساحل البحر الأبيض المتوسط .
(يتبع)

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد