فتح النقاش مجددا حول دور الثقافة في مقاومة الإرهاب: ما كل ثقافة بناءة.. وخطر ثقافة رديئة أكبر من منافعها - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 19 جويلية 2018

تابعونا على

Jul.
20
2018

فتح النقاش مجددا حول دور الثقافة في مقاومة الإرهاب: ما كل ثقافة بناءة.. وخطر ثقافة رديئة أكبر من منافعها

الأربعاء 11 جويلية 2018
نسخة للطباعة
◄ الثقافة في المطلق سلاح قوي ضد الظلامية لكنها في السياق التونسي سلاح ذو حدين - المنتوج الثقافي اليوم يستبله العقول وهو معلّب غايته ربحية نفعية لأصحابه
فتح النقاش مجددا حول دور الثقافة في مقاومة الإرهاب: ما كل ثقافة بناءة.. وخطر ثقافة رديئة أكبر من منافعها

 فتح النقاش مجددا بعد عملية عين سلطان  الإرهابية الأخيرة بولاية جندوبة بالشمال الغربي حول دور الثقافة في مقاومة الإرهاب بل أثير جدل حام حول الموضوع بعد قرار وزارة الثقافة بتعليق الأنشطة الثقافية حدادا على أرواح شهداء الوطن من الحرس الوطني الذين سقطوا أثناء ممارسة عملهم بعد عملية غادرة استهدفتهم مباشرة.

وقد صادف أن كان افتتاح مهرجان الحمامات الدولي في اليوم الموالي لليوم (نفذت العملية يوم الأحد) الذي ارتكبت فيه المجزرة ضد أعوان الحرس الوطني   ووقع تأجيل عرض الافتتاح استجابة لقرار وزارة الثقافة الذي شمل كل الأنشطة التي تنظمها الوزارة، مما أذكى النقاش واحتد الجدل حول صواب القرار من عدمه ولم يفوت البعض الفرصة دون إدانة وزير الثقافة الذي ارتكب خطأ منهجيا من وجهة نظرهم وسقط ولو دون قصد منه في لعبة الإرهابيين أعداء الفن والحياة.
وعموما تراوحت الآراء بين موافق على قرار وزارة الثقافة بتعليق الأنشطة الفنية انطلاقا من قناعة بأنه ليس من اللائق أن نحتفل ودماء الشهداء لم تجف بعد وبين رافض للقرار من منطلق أن إلغاء الأنشطة الفنية والثقافية كما سبق وذكرنا، إنما يدخل في خانة الاستسلام للإرهابيين الذين يبحثون عن إشاعة أجواء من الحزن والإحباط بين التونسيين تمهيدا لتحقيق مخططاتهم الظلامية.
نظريا، وإن كنا نتفهم من ينادي باحترام حزن الأمهات والأسر اللواتي فقدن للتو شبابا في مقتل العمر ونتفهم كذلك حاجة التونسيين إلى الشعور للحظة بوجود سبب يوحدهم في خضم التجاذبات والمشاحنات والصراعات اليومية التي تشهدها الساحة الوطنية ولو كانت لحظة حزينة ومؤلمة وموجعة، فإن منطق الاشياء يقول أنه وجب الحذر من الوقوع في فخ الإرهاب الذي يسهل عليه تطويع مجتمع يائس وبائس وجاهل ومتخلف ويعاني من تصحر ثقافي. منطق الأشياء يقول كذلك أنه وجب  تشجيع  كل فكر ينتصر للحياة وينشر قيم الفرح،  ومن هذا المنطلق يمكن القول أن الرافضين لقرار وزارة الثقافة بإيقاف الأنشطة الثقافية إلى حين بعد عملية عين سلطان الإرهابية  وإن كان القرار مشروعا لأنه يرتكز على قيمة التضامن ومشاركة التونسيين أحزانهم، محقون في إظهار تخوفاتهم من انعكاساته   السلبية على سيرالأنشطة الثقافية التي تشهد نسقا تصاعديا في فترة الصيف. 
فالقرار من وجهة نظرهم يقرأ في عدة مستويات:
أولا، إنه يعتبر في خدمة الإرهابيين الذين يريدون قتل إرادة الحياة لدى التونسيين باتباع مجموعة من الخطوات تؤدي إلى تحقيق أهدافهم وأولى هذه الخطوات إشاعة الخوف وجعل التونسيين يلزمون بيوتهم ويهجرون المسارح وقاعات السينما وكل الفضاءات الثقافية.
ثانيا، إن قرار ايقاف الأنشطة الثقافية ولو إلى حين بسبب الحادثة المأساوية يعبر عن مفهوم الدولة للثقافة التي تختزلها في مجموعة من الإحتفاليات في حين أن الثقافة أوسع بكثير من ذلك، فهي تلك القيم والافكار والسلوكات والرؤى والنظرة للحياة التي بها يتميز المجتمع والتي يمكن بمقتضاها أن نقيس مدى انفتاح المجتمع على العصر واعتزازه بالانتماء إلى الوطن وتفاعله مع الآخر وتشبعه بالقيم الكونية.
ثالثا، إن تعليق الأنشطة الثقافية من شأنه أن ينجر عنه خللا في برمجة التظاهرات التي تستنزف جهودا وأموالا دون أن ننسى خيبة الأمل لدى الجماهير التي تبرمج مسبقا سهراتها ونحن ندرك أنه ليس من الهين برمجة السهرات بالنسبة للعائلات فالأمر يتطلب اعدادا مسبقا ماديا ومعنويا وأحيانا استعدادات لوجستية كاملة من نقل وتموين لا سيما وأن مهرجانات مثل قرطاج والحمامات مثلا تستقطب جماهير من خارج العاصمة ومن خارج مدينة الحمامات...
كل ذلك معقول في المطلق. ونظريا، إن الانتصار للثقافة هو الخيار الأمثل لمجتمع مثل المجتمع التونسي الذي يعاني من ويلات الإرهاب ومن واجبنا أن نستعمل كل الوسائل المتاحة لمقاومته، والثقافة هي من بين الأسلحة القوية التي يمكن أن نشهرها في وجه هذا الغول الذي تمكن للأسف من التسلل إلى بلادنا عبر أطراف من الداخل ومن الخارج مهدت له الطريق حتى تغلغل في مناطقنا الحدودية لا سيما منها  الشمالية الغربية، لكن السؤال بأي ثقافة يمكن مقاومة الإرهاب؟
نعم إن الإشكالية تطرح خاصة إذا ما لاحظنا المشهد الثقافي في تونس حيث تسود الفوضى وحيث يصعب أن نتحدث عن منتوج ثقافي في مستوى التطورات التي يشهدها المجتمع وفي خطورة المرحلة.
فعلى المستوى الكمي، لدينا مهرجانات بالمئات وقد تمت مضاعفة عدد المهرجانات التي تشرف عليها الدولة مباشرة فصارت المهرجانات تتوالد سنويا بكثرة فتحولت أيام قرطاج المسرحية وأيام قرطاج السينمائية بمقتضى السياسة الجديدة إلى سنوية بعد أن كانت تنتظم مرة كل سنتين بالتناوب وتم تدعيمها بأيام قرطاج الموسيقية وأيام قرطاج الشعرية وأيام قرطاج الكوريغرافية وأيام قرطاج التشكيلية وأيام  قرطاج لأدب المهجر في انتظار تظاهرات أخرى مماثلة أو مشابهة إلى  درجة بات يطرح فيها السؤال كيف يمكن للدولة مواجهة مصاريف كل هذه التظاهرات، وكل واحدة منها تتطلب نفقات وموارد بشرية هائلة؟
وقد افتتحت بلادنا في بداية العام مدينة الثقافة وهي مؤسسة ضخمة وانجازا مهما لكنها تتطلب بدورها إمكانيات مادية وبشرية هائلة وتحتاج إلى جهود كبيرة حتى يستوطنها الفن والفكر وحتى تتحول إلى معقل للثقافة والأهم من كل ذلك حمايتها من المصير الذي عرفته أغلب دور الثقافة التي تحولت مع مرور الوقت إلى بنايات مهجورة من الجماهير وخالية تقريبا من الأنشطة التي تستقطب أهل الفكر والثقافة.
 وقد أخذت الدولة ممثلة في وزارة الثقافة على عاتقها مسؤولية إيصال الثقافة إلى كل التونسيين وهو ما نتج عنه تعميم المهرجانات في كل ركن تقريبا من البلاد.
 لكن، هل يمكن القول أنه بتوفير كم معين من المهرجانات والتظاهرات الثقافية والتكثيف في عدد المهرجانات الصيفية وفي عدد الندوات والملتقيات التي تكاد لا تنتهي والمحافظة على منظومة الدعم، هل يمكن القول أن بلادنا كسبت المعركة الثقافية؟
 إن الملاحظ للمشهد الثقافي العام في تونس ينتهي إلى الإقرار بأن معكرتنا ليست معركة كمية وإنما هي معركة  مضمون. 
فالمسألة ليست مرتبطة بعدد التظاهرات حتى وإن كانت الأمور نسبية لأن الأنشطة الثقافية ليست موزعة بشكل عادل على الجهات كما أن العديد من الجهات بما فيها تلك التي تعتبر محظوظة نسبيا لا تملك بينة أساسية ثقافية محترمة ولا تتوفر بها أنشطة ثقافية مهمة، وإنما هي معركة مضامين.
نحن في بلادنا لا نقدم  للأسف منتوجا ثقافيا يمكنه التأثير في المجتمع ويساعد على التغيير والتطور المنشود. فالثقافة، إن كانت لا تساهم في تنمية الذوق العام وفي التربية على الذوق السليم وعلى الإحساس بالجمال تكون ثقافة رديئة وتكون مساوئها أكبر من مزاياها بل وتكون خطيرة. ولعل المتأمل للسلوك العام في تونس يلاحظ أننا تخلفنا كثيرا حتى عمّا كان عليه الأجداد. فالتونسي اليوم إنسان متهور في أغلب الأحيان ومستهتر بالقوانين وميال للعنف المادي والمعنوي. وكل ذلك هو نتيجة ثقافة جديدة دخيلة تركّز على القشور وتتجاهل كل ما هو جوهري في الإنسان، أي قيم الخير والمحبة. فالثقافة في تونس تختزل اليوم في المهرجانات المتشابهة والمتكررة التي يمكن تشبيه أغلب عروضها ببساطة بحفلات الأعراس على الأسطح وهي تستنزف الجيوب دون أن تقدم مادة قادرة على تنقية الإنسان من الأدران. إنها تختزل في عروض «الوان مان شو» التي تعد على عجل وعلى العروض الكوميدية التي لا تحمل من الكوميديا  إلا الإسم وفي العروض الموسيقية التافهة وفي المهرجانات المدعومة من الخارج لأهداف مشبوهة وحتى البرمجة التلفزيونية الرمضانية التي كانت تعتبر متنفسا موسميا، أصبحت اليوم سببا في المزيد من خيبات   بمنتوجها الرديء ومضمونها العنيف... 
علينا أن نعترف بأن الثقافة في تونس أو ما يصطلح عليه بأنه   ثقافة لا يمكن أن يقوم بدور في مقاومة الإرهاب. إنه منتوج يستبله العقول ويعمل على تسطيحها وهو منتوج معلّب غايته ربحية نفعية لأصحابه.
صحيح، هناك محاولات جدية وهناك تجارب جديرة بالإحترام لكنها تبقى قليلة ومهمشة وسط مناخ محكوم بالرداءة وبالمستوى الهزيل وبالضحك على الذقون في أغلب الأحيان.. وحتى وإن صادف وتكرّم علينا   التلفزيون العمومي ببرنامج ثقافي في برمجة فقيرة عادة من المواد الثقافية، فإننا قلما نظفر ببرنامج جيد في شكله وفي مضمونه..
ذلك هو قدرنا ووضعنا، حيث تغيب الثقافة النيّرة ويغيب الكتاب ويغيب الحوار الفكري ويغيب النقاش العميق الذي يساعد على البناء وتحل بدلها البرامج التهريجية والمهرجانات التي تحولت إلى   مصدر رزق لعدد معين من الفنانين العرب والأجانب وبالعملة الصعبة... 
وإذا ما عدنا إلى إشكاليتنا وسؤال قدرة الثقافة على مقاومة الإرهاب، فإننا  نقول أن الثقافة في المطلق هي سلاح وسلاح فتاك ضد التخلف والجهل وضد الفكر الظلامي، لكنها في السياق التونسي قد تكون سلاحا ذو حدين بمعنى أنها قد تعود علينا بنتائج عكس ما هو منتظر منها تماما.
◗ حياة السايب

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد