شارع القناص: فسحة العين والأذن يؤمنها: الهادي السنوسي.. الأغنية التونسية تستغيث (1): هؤلاء «يقتلون» الأغنية ويمشون في جنازتها... وأباطرة التنظير يقولون ما لا يفعلون! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 23 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
24
2018

شارع القناص: فسحة العين والأذن يؤمنها: الهادي السنوسي.. الأغنية التونسية تستغيث (1): هؤلاء «يقتلون» الأغنية ويمشون في جنازتها... وأباطرة التنظير يقولون ما لا يفعلون!

الاثنين 7 ماي 2018
نسخة للطباعة
شارع القناص: فسحة العين والأذن يؤمنها: الهادي السنوسي.. الأغنية التونسية تستغيث (1): هؤلاء «يقتلون» الأغنية ويمشون في جنازتها... وأباطرة التنظير يقولون ما لا يفعلون!

يلاحظ المتابع للحياة الفنية في تونس أن الحديث عن الأغنية التونسية حاضر أكثر من الأغنية ذاتها! وهذا يعكس فعلا واقعا معيشا يتطلب التحليل لغاية الوصول إلى الحلول التي قد تنعش أغنيتنا المهددة في حاضرها ومستقبلها.
وأعتقد أن الفرصة مواتية والوسط الموسيقي يستعد للإقدام على تجربة جديدة من خلال موسم الموسيقى التونسية كي نستعرض بعض الظواهر التي أدت إلى وضع الركود الكبير الذي يعانيه القطاع...
رأس الفتلة أدعياء الحكمة
سعيا مني إلى وضع المسألة في إطارها الطبيعي فإني أبادر تلقائيا بالإجابة على السؤال الإنكاري الذي يطرحه بعضهم والقائل: هل عندنا أغنية تونسية؟
وجوابي واضح وبسيط.. نعم الأغنية التونسية وجدت وتوجد وستظل موجودة رغم ما يعتريها من سحاب وضباب بفعل أطراف وجهات مختلفة ومتعددة تسعى جاهدة للإبقاء على أجواء الشك والاضطراب لتحافظ على مكانتها مدعية احتكار الحكمة لوحدها في مجال لا يعترف عادة بالاحتكار.
وهذا يجرني إلى طرح السؤال الأهم: ما الذي ينخر جسد الأغنية عندنا؟.. سؤال يدفع إلى الغوص في بحر بلا نهاية بحكم تعدد الطروح والشروح.. ولأن وراء كل فعل فاعلا معلوما حتى وان كان ضميرا مستترا تقديره هو، فان الفاعل المستتر في الفعل الغنائي عندنا تقديره هم، أي بصيغة الجمع.
وهذا مؤداه أن وراء الوهن الذي يعتري أغنيتنا أكثر من فاعل يساهمون بصورة أو بأخرى في تسريب العلة إلى جسدها المتهالك!
ولئن تطول قائمة «الفاعلين» في هذا الباب، فإنه لا مناص لمن يبحث في أصل المسألة ومفصلها من استعراض بعضها، حتى تتبلور مسؤولية كل طرف في راهن الأغنية وما يحوم حولها من دواوير الضرب والتحقير.
ويأتي على رأس هؤلاء أدعياء الحكمة والماسكين برأس الفتلة وهم كثر ويزدادون إصرارا على المغالاة في مواقفهم خوفا من خفوت أصواتهم وفقدان مواقعهم التي أصبحت مهددة بموجة الجيل اللاحق.. ولقائل ان يقول ما ضر أن توجد مثل تلك الفئة التي قد تمثل إحدى الضمانات النظرية للحفاظ على الثوابت وإنارة السبيل؟
نظريا لا شيء يحول دون قيام مثل تلك الجماعات على غرار ما حدث في حقب متفاوتة وبصيغ متفاوتة القيمة والنجاعة ولكن ليس من الموضوعية في شيء أن يتحول بعضهم إلى أوصياء على الأغنية وأهلها يحددون الأوصاف ويشخصون الأدواء ويصفون الدواء من دون أن يدخلوا دائرة الفعل بل يكتفون بالوقوف على الربوة وهذا أسلم في نظرهم ولكنه أظلم لأغنية تبحث عمن يسندها عوض أن يشرّحها ويقددها!
وفي هذا الصدد شد اهتمامي منذ مدة ما يردد بتواتر وما جرى على لسان أحد الموسيقيين في احد البرامج الإذاعية والذي تحدث فيه بإطناب عن الفترة الذهبية للأغنية، حتى بدا الأمر إنجازا وإعجازا لا قبلهما ولا بعدهما.. وهو بذلك يقول إنه صانع الربيع وإن ما جاء بعده غيوم شتاء مخيف وصقيع!
إنني لا أقصد التنقيص من قيمة ما قدمه هذا الملحن وغيره ولكني ضد المبالغة في تقييم المنجزات وتقزيم أفعال الغير.. وإني لأتساءل أين صحابو مثلا اليوم والأمس؟ فهل استنفذ كل طاقته وخرج من دائرة الإبداع أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟
إن الكلام سهل ويسير ولكنه يمضي ويذوب تحت أضواء الفعل كما يذوب كلام التنظير تحت وطأة الواقع.. كما أن الحرص على استعمال «القنابل» الهوائية لتفريغ الساحة والظهور في ثوب البطل الأوحد في فترة ما لا يمكن أن يشطب بجرة لسان ما أنجزه الآخرون في الفترة ذاتها أمثال عبد الرحمان العيادي ومحمد علام وعز الدين العياشي وحمادي بن عثمان ولزهر شعير والناصر صمود ومن الأصوات مثل صلاح مصباح الذي سطع نجمه بألحان تونسية لحما ودما وعبد الوهاب الحناشي وعدنان الشواشي والشاذلي الحاجي.. وأكتفي بهؤلاء حتى لا يذهب في ظن بعضهم أني أبالغ في التصدي لما يردده صاحبنا وأمثاله على مدى سنوات صمتهم الطويل الرهيب!
جبهة الصمود والدعم بلا قيود!
وأصل إلى معبر آخر من المعابر التي ظلت موصدة في وجه الراغبين في العبور إلى الضفة الأخرى للأغنية وأقصد جماعة التصدي باسم الدفاع عن الهوية التونسية الرافضة لكل محاولات التطوير في المضمون والأسلوب..
وقد أباحت لنفسها ـ أي تلك الجماعة ـ أن تسن ضوابط مجحفة على مستوى الدعم الموجه للأغنية تحت غطاء المحافظة التي ذكرت.. وقد أدى ذلك إلى انحسار الإنتاج.
وقد أبدت الجماعة تلك قدرة فائقة على تثبيت الذات كجبهة للصمود والتصدي من خلال الهيمنة على مواقع النفوذ الموسيقي وتبادل الأدوار للإيهام بإحداث التغييرات والحال أن المسألة لا تعدو أن تكون سوى فصول من مسرحية يرفض أبطالها أن ينزل عليها الستار!
وهذا خطأ جسيم آخر يرتكب في حق الأغنية عندنا باسم المحافظة على الأصالة والحال أن الأغنية الأصيلة لم تغب يوما عن الساحة رغم بروز موجات من الإنتاج المثير للجدل شكلا ومضمونا... ففي خضم التألق الذي عرفته أغنيتنا انتشرت عديد الأغاني «الهابطة» بكل المعاني كما حدث في الشرق حيث برزت «أشرب قازوزة» و»طيارة فوق» وغيرهما إلى جانب أغاني العمالقة أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وغيرهم..
فالرداءة تشكل القيمة المضافة للجودة، بمعنى أنها توفر الفرصة للمقارنة وانتقاء الثمرة الطيبة من الفاسدة.. لذلك فإن لغة التصدي في مجالات الإبداع غير قابلة للتعريف والأصل في الفن أن يكون حرا على أن تتم الغربلة بصفة طبيعية حيث يكون البقاء للأصلح..
وهذا يؤكد أن الفن بصفة عامة والموسيقى بوجه أخص لا يعترفان بالقيود والحدود وكل محاولة عكسية لن تؤدي في النهاية إلا إلى إشاعة الإحباط في أوساط المبدعين..
فلا أحد يمكنه القيام بدور الوصي على الأذواق.. فالساحة وحدها قادرة على الغربلة الذاتية لما يتوفر فيها من دون اعتبار لوصايا أدعياء الحكمة الفنية...
وفي اتجاه موصول أحط الرحال في باحة نقابة الموسيقيين التي جاءت كما يدعي أصحابها ومن تبعهم من التنظيمات المشابهة لتخليص حرير الأغنية وأهلها من أشواك التهميش وانتشالها من براثن الضياع..
وقد استبشر أهل المغنى بهذا الحدث الذي تحقق بعد نضالات كلامية وإرهاصات دامت سنوات... وقد ذهب في الظن أن بعد العسر يسرا وأن الطبيب المداوي قد حل ليعالج الداء ويقدم الدواء!
وبمرور الأيام بدأت تتضح معالم «النضالات» النقابية التي تلخصت إلى حد الساعة في القضية الأم والأهم:
قضية الدعم وما أدراك ما الدعم! وعقدت الندوات وتعددت التصريحات ولم يبق إلا تنظيم المسيرات.. وكأنما أصبح الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى أصحاب الشأن الموسيقي جاعلين من الدعم فكّاكا للعقد وحلالا لما انعقد.. أما ما تبقى من مشاكل القطاع فهو غير ذي قيمة أو اعتبار أمام قضية القرن!
والحال أن الدعم في نظري هو أحد الأسباب المساهمة مباشرة في الركود الملحوظ في هذا الميدان واقتصار النشاط الموسيقي على الحد الأدنى أي في حدود ما يتطلبه الحصول على الدعم المطلوب..
ومما يزيد في التعجب من أمر النقابات الموسيقية بأنواعها أن نجد على رأسها من عرف عنهم تنظيرهم الذائع وحرصهم الشائع على الدفاع الشرس عن الأغنية الراقية والكلمة السامية... إلا أن ما يحدث على أرض الواقع يناقض تماما ما ينطقون به..
وأتوقف عند هذه الفاصلة من مجموع الأسباب الذاتية لما تعانيه الأغنية التونسية على أمل أن أواصل في العدد القادم بإذنه تعالى استعراض العناصر المتبقية من تلك الأسباب..

 

زقزقة: «حفران»
قالت إحدى المذيعات
«حفـرولــي» وأغـرقـوني بالـوشـايـات
قالت العصــفــورة:
لقد تعودنا بهذه النغمة ولغة الحفريات كلما تعلق الأمر بالاستغناء أما الصحيح فيبقى في الخفاء وعلمه عند الحفارين الأذكياء.. وبيني وبينكم «الحـفـران» لا يطيح إلا بالبناءات الآيلة للسقوط..
ويـــــــزقـــــــــــزق

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة