بعد رفض التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة: انقسام سياسي.. مأزق قانوني.. ومسار عدالة انتقالية متعثر - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
21
2018

بعد رفض التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة: انقسام سياسي.. مأزق قانوني.. ومسار عدالة انتقالية متعثر

الأربعاء 28 مارس 2018
نسخة للطباعة
النائب حسين الجزيري: كلما تعلق الموضوع بالعدالة الانتقالية يحصل صدام
بعد رفض التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة: انقسام سياسي.. مأزق قانوني.. ومسار عدالة انتقالية متعثر

رغم تصويت مجلس نواب الشعب ليلة أول أمس برفض التمديد لمواصلة هيئة الحقيقة والكرامة لنشاطها لسنة إضافية، إلا أنه لا بوادر حقيقية على انتهاء الجدل السياسي والقانوني الذي تطور إلى ملاسنات حادة وتشابك بالأيادي واتهامات متبادلة داخل قبة البرلمان بين مناصر للتمديد ورافض، في مشهد عكس عمق الانقسام السياسي في تونس وأربك مسار العدالة الانتقالية المتعثر بطبعه..  كيف ستؤول الأمور بعد عملية التصويت، وكيف تفاعلت سهام بن سدرين رئيسة الهيئة مع قرار رفض التمديد، وماهي السيناريوهات المطروحة لتجاوز الأزمة والحفاظ على سلامة مسار العدالة الانتقالية وحفظ حقوق ضحايا الظلم والاستبداد..؟
للوهلة الأولى، وبعد المشاهد الصادمة المرافقة للمشاحنات والمناقشات الساخنة للجلسات العامة، وبعد عملية التصويت التي لم يشارك فيها سوى70نائبا(68رفض و2 احتفاظ) بدا كأن أزمة جديدة بدأت ملامحها في التشكل.
فقرار المحكمة الإدارية الصادر مساء أمس زاد الطين بلة، ولم يحسم الجدال القانوني والسياسي والتأويلات المتضادة في مفهوم الفصل 18 الشهير الذي استمدت عليه الهيئة لتبرير قرارها في تمديد عملها بسنة دون الحاجة إلى تزكية من مجلس النواب والاكتفاء بتعليل لا يخضع للطعن وفق رؤية الهيئة ومسانديها.
فصيغة الحكم حمّالة أوجه وقابلة للتأويل والفهم وفق منظور كل فريق، فهو لم يناصر لا الفريق المساند لطلب الهيئة في تمديد مهامها دون الحاجة إلى موافقة صريحة من البرلمان، ولم يقدح في قراءات الفريق الرافض للتمديد وخاصة في أحقية مجلس النواب في النظر أصلا في قرار التمديد من عدمه. فالمحكمة الإدارية أصدرت أول امس قرارها في قضيتي طعن الأول في أحقية الهيئة في اتخاذ قرار التمديد لنفسها دون العودة إلى البرلمان، وفي أحقية مكتب مجلس النواب احالة النظر في قرار التمديد على الجلسة العامة، وجاء فيه:»إن القرار المنتقد صدر في نطاق الصلاحيات المخولة إلى مجلس الهيئة ولا يشكل تعديا على إختصاص المجلس المكلف بالتشريع الذي يحتفظ بكامل صلاحياته بالنظر في قرار مجلس الهيئة التمديد في مدة عمله».
جدل قانوني جديد
 بدا واضحا، وغداة رفع الجلسة العامة الساخنة ليلة أول امس، اندلاع جدل قانوني جديد بخصوص شرعية الجلسة العامة من عدمها. فالكتل البرلمانية التي رفضت التصويت(النهضة والجبهة والديمقراطية)  استندت إلى أن الجلسة العامة باطلة لأنها لم تعقد بناء على توفر النصاب القانوني وفقا للنظام الداخلي للبرلمان الذي ينص على وجوب ان تعقد الجلسة بحضور أغلبية النواب.. وبالتالي فالتصويت في نهاية الجلسة لم يكن قانونيا.
كما انقسمت الكتل والأحزاب السياسية بخصوص شرعية الجلسة العامة وقانونية قرار مجلس النواب بفرض التمديد، فأحزاب النهضة، والتيار، والجبهة، وأحزاب أخرى من خلال بياناتها أو تصريحات قيادييها طعنت في قانونية التصويت وقالت أن مكتب مجلس النواب اشترط الأغلبية المطلقة(109 صوتا) لتمرير قرار التمديد والتصويت عليه، وهو ما لم يحصل في جلسة الاثنين إذ تم التصويت بـ68 رفض واحتفاظ اثنين. في حين ان الحد الأدنى للتصويت يجب ان لا يقل عن 73صوتا..
تجدر الإشارة إلى أنّ نوّاب حركة النهضة والكتلة الديمقراطية وكتلة الجبهة الشعبيّة امتنعت عن التصويت باعتبار عدم القدرة عدديًا على جمع أغلبيّة109 صوتا للتمكّن من المصادقة على التمديد لهيئة بن سدرين أمام تكتّل نواب نداء تونس وآفاق تونس وكتلة الحرة والكتلة الوطنية.
وفي سياق متصل، لا يبدو أن هيئة الحقيقة والكرامة ستذعن لقرار رفض التمديد الصادر عن مجلس النواب، علما  ان مجلس الهيئة قرر عقد اجتماع لتدارس سبل الرد على قرار الجلسة العامة، وتبقى جميع الاحتمالات واردة بما فيها توجه الهيئة نحو رفع قضية جديدة لدى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية الجلسة العامة وفي قرار رفض التمديد..
عودة للصراع الإيديولوجي وانهيار تجربة التوافق..
في الواقع، هناك من يرى أن الصراع على أحقية الهيئة في التمديد من عدمه لا يمكن حصره في مسألة تقنية قانونية فقط، فالمسألة أعمق بكثير. فقد كشفت الجلسة العامة المنعقدة يومي السبت والاثنين الماضيين عورة عديد السياسيين وأججت الخلافات الإيديولوجية والسياسية وكشفت بشاعة الأحقاد الدفينة والاصطفاف الحزبي المقيت.. ووضعت تجربة التوافق السياسي(النهضة+النداء) على المحك بل وكشفت هشاشته وزيفه وإمكانية تحوله إلى الضد بما انه لن يكون بديلا حقيقيا عن استكمال مسار العدالة الانتقالية القادر وحده على لملمة جراح الماضي وغلق ملفات الاستبداد والظلم والتعويض لضحاياه واستيعاب الدروس..
ما يلفت الانتباه، أن ملف التمديد لعمل الهيئة هو في الحقيقة صراع سياسي بامتياز، فرئيسة الهيئة سهام بن سدرين لم يعد مرغوبا فيها من قبل عديد الأحزاب، إذ لم يعد خافيا ان السيدة أصبحت مصدر خلاف وتوتر وانقسام سياسي بشأنها، ولم تعد محل وفاق وفقدت القدرة على التجميع والمصالحة.. إلى الحد الذي أصبحت فيه بعض الأحزاب تنادي باستقالتها كشرط أساسي لقبول التمديد لعملها.. كما اتهمها البعض بالحياد عن مسار العدالة الانتقالية ودخولها في جدال تاريخي وسياسي بخصوص وثائق أرشيفية عن تاريخ تونس ما قبل الاستقلال وفتحها جبهة جديدة من الصراع العلمي- التأريخي.
وبغض النظر عن مآل الصراع القانوني والسياسي على مسألة التمديد وخاصة على مسألة بقاء بن سدرين على رأس الهيئة، لا بد من التذكير ان مسار العدالة الانتقالية لن يتوقف بتوقف نشاط الهيئة لكن هذا المسار يستمد تواصله أولا من التوصيات ونتائج عمل الهيئة الملزمة بإصدار تقريرها النهائي والشامل قبل نهاية فترة عملها القانونية المحددة مبدئيا بـ30 ماي 2018، وثانيا من خلال الأحكام الانتقالية المضمنة بالقانون الأساسي للعدالة الانتقالية.
صندوق الكرامة ورد الاعتبار
وهنا لا بد من الإشارة إلى عنصر أساسي في مسار العدالة الانتقالية ويتمثل في صدور الأمر الحكومي المتعلق»بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله.» وذلك في الرائد الرسمي المؤرخ في2 مارس 2018.
ورصدت الحكومة لفائدة الصندوق اعتمادات في حدود 10 مليون دينار، فيما أقر الأمر الحكومي إمكانية تمويل الصندوق من موارد أخرى مثل نسبة من الأموال المتأتية من القرارات التحكيمية الصادرة عن لجان التحكيم والمصالحة بهيئة الحقيقة والكرامة، والهبات والتبرعات..
ونص الأمر على تشكيل لجنة»حكومية» تصرف في الصندوق تترأسها رئاسة الحكومة من ضمن صلاحياتها»طلب معلومات ولها الحق في الاطلاع على الوثائق التي تمكنها من القيام بأعمالها.» ما يعني ضمنيا أن لها الحق في الاطلاع على جل أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة وكامل أعمالها. علما أن الجدل القائم حاليا يشمل كذلك كيفية التصرف في أرشيف الهيئة «الضخم»مع تداول اتهامات لمجلس الهيئة بوضع أرشيف الهيئة خاصة السمعي والبصري منه في خطر بالسعي للتعاقد مع مؤسسة معلوماتية أجنبية لخزنه وإيداعه رقميا والكترونيا..
تواصل مسار العدالة الانتقالية
ومن الناحية التشريعية، سيكون للسلطة التشريعية سيكون لها - بالتعاون مع السلطة التنفيذية- مهمة التصرف في التقارير الختامية للهيئة وتوصياتها استنادا إلى مضمون الفصلين68 الذي ينص على وجوب ان تسلم الهيئة»كل وثائقها ومستنداتها إلى الأرشيف الوطني أو إلى مؤسسة مختصة بحفظ الذاكرة الوطنية تحدث للغرض».
والفصل 70 الذي ينص على أن»تتولى الحكومة خلال سنة من تاريخ صدور التقرير الشامل عن الهيئة إعداد خطة وبرامج عمل لتنفيذ التوصيات والمقترحات التي قدمتها الهيئة وتقدم الخطة والبرنامج إلى المجلس المكلف بالتشريع لمناقشتها. ويتولى المجلس مراقبة مدى تنفيذ الهيئة للخطة وبرنامج العمل من خلال إحداث لجنة برلمانية خاصة للغرض تستعين بالجمعيات ذات الصلة من أجل تفعيل توصيات ومقترحات الهيئة».
مع الإشارة إلى أن هذا الفصل يتحدث عن»تقرير شامل» وهو أمر يصعب تحققه في ظل الاحتقان والتعطل الحاصل حاليا في مسار العدالة الانتقالية برمته.
المثير للإنتباه أن المشرّع لم يضبط أي نطاق زمني لانطباق قانون العدالة الإنتقالية، ولم يقصر أحكام القانون على نشاط الهيئة بل أرسى مبادئ للعدالة كما اقتضى إحداث دوائر قضائية بالمحاكم الإبتدائية الممتازة لتختص في المجال ذي العلاقة، فتعمل بصورة دائمة وفي استقلالية تامة عن هيئة الحقيقة والكرامة. المهم أنه بانتهاء عمل هيئة الحقيقة والكرامة ينتهي العمل بالفصول التي تعلقت بها من قانون العدالة الإنتقالية..
◗ رفيق بن عبد الله

 

النائب حسين الجزيري: كلما تعلق الموضوع بالعدالة الانتقالية يحصل صدام

تعليقا على ما حدث من تشنجات ومشاحنات بين نواب النهضة من ناحية ونواب نداء تونس من ناحية أخرى خلال جلسة التصويت على قرار التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة ليلة امس الاول، بين حسين الجزيري النائب عن النهضة أن الازمة التي تسببت فيها هذه الجلسة مازالت متواصلة واضاف انه كلما تعلق الامر بموضوع العدالة الانتقالية يحصل الصدام. وذلك لان التوافق حول هذا الموضوع كان ضعيفا وكان هناك ضعف في العقل السياسي الوطني وما حصل ليلة امس الاول يعبر عن بلوغ درجات من القول النهائي للعدالة الانتقالية ومن هنا تأتي حدة الاختلاف وشدته. وأضاف الجزيري في تصريح خاطف لـ»الصباح»:»امام العدالة الانتقالية ظهر التوافق وكأن فيه شيئا من التردد والهشاشة.. ولاحظنا ان هناك ضعفا في الادارة السياسية لملف العدالة الانتقالية.. فالمسألة ليست مسألة تحالفات سياسية بقدر ما هي استداء للماضي». وفسر النائب انه يجب وضع المسألة في اطارها الزمني فالبلاد حاليا تمر بمحلة سياسية دقيقة وهناك خلاف حول الحكومة وخلاف حول مسار الانتخابات البلدية وهناك خلاف شديد على كل المستويات وهناك تداخل للبعد الانتخابي بالبعد النضالي واصبح الكل في هذا الخضم خصما وحكما وكان هناك خلاف حول مسألة النصاب لعقد جلسة التصويت وقبلها كان هناك خلاف في مكتب المجلس حول احالة الموضوع للجلسة العامة ثم كان هناك تاويلات كثيرة للنص القانوني المتعلق بالعدالة الانتقالية وهو ما يفسر اللجوء الى التراشق والخصام. وبين الجزيري ان باطن القول هو ثقل ملف العدالة الانتقالية هذا الملف التاريخي وخلص قائلا:»نحن اليوم في لحظة منعرج لا يمكن تجاوزه الا بروح المصالحة الوطنية وليس بالاستقواء القانوني او السياسي او حتى التاريخي النضالي والاخطر من كل ما حصل هو انه تم ادخال الدولة لأطرافها ومؤسساتها وهيئاتها في هذا المأزق.. واعتبر الجزيري موضوع العدالة الانتقالية امتحانا وطنيا جديدا وذكر انه رأى ان جميع الاطراف لا تجتهد سياسيا بما فيه الكفاية بما يمكن ان يؤدي الى حفظ كرامة الضحايا ويحقق المصالحة ويدرك ما استطاع الى ذلك سبيلا الحقيقة التي تبدو مرة بالنسبة لجميع الاطراف.
◗ بوهلال

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة