رأي: هل تعيش تونس أزمة أمن غذائي؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 19 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
20
2018

رأي: هل تعيش تونس أزمة أمن غذائي؟

الثلاثاء 6 فيفري 2018
نسخة للطباعة
رأي: هل تعيش تونس أزمة أمن غذائي؟

بالاشتراك بين المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية الذي يديره الوزير الأسبق السيد ناجي جلول ومركز الجامعة العربية الذي يرأسه الوزير الأسبق السيد عبد اللطيف عبيد، نظّمت ندوة فكرية علمية احتضنها مقر الجامعة خلال الشهر الماضي، خصصت لتقديم نتائج الدراسة الإستراتيجية التي أنجزها المعهد حول الأمن الغذائي وحقيقة التهديدات التي تعرفها فلاحتنا في علاقة بالتحولات المناخية الكبرى التي يعرفها العالم. وهي تحولات من المتوقع أن تؤثر سلبا على بلادنا خاصة مشكلة التصحر ومشكلة ندرة المياه وقلة مخزوننا المائي ومشكلة الطاقة وضرورة المرور إلى مصادر الطاقة البديلة والمتجددة في تحلية مياه البحر لتعويض النقص من كمية الأمطار التي نحتاجها ومشكل البذور المستوردة والتي جعلتنا في تبعية فلاحية وجعلت أمننا الغذائي مرتهنا لبلدان ما وراء البحار.

مسألة كان أثارها الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي حينما نبه إلى ضرورة استرجاع بذورنا التي فقدناها وضرورة التخلي تدريجيا عن الاعتماد على المشاتل المستوردة التي تكلفنا فقدان أمننا الغذائي وفقدان سيادتنا الوطنية ودعا إلى الشروع في تكوين بنك للجينات التونسية في مجال الفلاحة لاسترجاع بذورنا الأصلية وهي مسألة يوليها معهد الدراسات الإستراتيجية أهمية كبرى بعد أن وقف على حقيقة التهديدات التي تتعرض لها الفلاحة التونسية وحجم المخاطر التي تعيق تحقيق الأمن الغذائي.

في هذا اللقاء تم التعرض إلى المآزق التي تعرفها فلاحتنا وهي قضايا يجب الاشتغال عليها مستقبلا لتحقيق الأمن الغذائي والتقليل من حجم التبعية الغذائية. ومن هذه المخاطر ضعف الاستثمارات الفلاحية وتخلف استعمال المكننة والآلات المتطورة وانخفاض استعمال عدد الجرارات لكل 100 كلم مربع.

ضعف الاستثمارات وتأخر استعمال المكننة يعتبران من بين الصعوبات التي تعيق فلاحتنا عن التطور، غير أنه ورغم هذه الصعوبات فإن المخاطر الأكثر تهديدا  للأمن الغذائي هي تراجع جودة التربة وفقدانها الخصوبة المطلوبة (46% من الأراضي خصوبتها محدودة) والتصحر وارتفاع درجات الحرارة في الخمسين سنة المقبلة ومشكل ندرة المياه وقضية شحها وسوء التصرف فيما يخزن من مياه الأمطار وهي قضية بدأ العالم يهتم بها خاصة إذا علمنا أن الكثير من الدراسات الإستراتيجية قد أعلنت أن الحروب القادمة ستكون من أجل المياه .. هذا دون أن ننسى مشكل توريد البذور المصنعة التي بالإضافة إلى أنها تستنزف مقدراتنا المالية ومخزوننا من العملة الصعبة وتجعلنا في وضع التبعية الدائم فإنها تجعل عملية المراقبة والمتابعة لهذه البذور المعدلة صعبة وتفرض علينا شراء الأسمدة اللازمة لها والأدوية الخاصة لمقاومة كل الأمراض المصاحبة لهذه البذور وهي قضية خطيرة على أمننا حينما نكون غير قادرين على مراقبة ما نورده .

كل هذه القضايا تناولتها الدراسة الإستراتيجية التي أعدها المعهد من أجل وضع خطة مستقبلية لتفادي كل هذه المخاطر الحقيقية التي تعيق قطاع الفلاحة من أن ينطلق الانطلاقة المرجوة والمطلوبة في عملية التنمية خاصة إذا علمنا أن الفلاحة رغم كل هذه الصعوبات التي تكبلها فهي تعد من القطاعات الأكثر قدرة على الصمود في أوقات الأزمات والمراحل الانتقالية وهذا فعلا ما أظهرته الثورة التونسية التي عرفت تراجع كل القطاعات تقريبا ما عدا قطاع الفلاحة الذي استطاع أن ينقذ البلاد في سنوات الثورة الأولى بوفرة الإنتاج وسمح بامتصاص الأزمات التي رافقتها ..

ولكن رغم هذا الرصد لنوعية المخاطر التي تهدد الأمن الغذائي وهو رصد مهم لكونه يقدم تشخيصا ضروريا لمعرفة حقيقة قطاع الفلاحة وحقيقة المخاطر التي تهدده إلا أنه بقي في مستوى التشخيص ولم ينتقل إلى مستوى وضع الإستراتيجية الواضحة والعملية والدقيقة من أجل تحقيق الأمن الغذائي من خلال تغيير أولويات الاقتصاد وأوليات التنمية. فإذا لم نعتبر قطاع الفلاحة قطاعا استراتيجيا في عملية التقدم والنهوض الاقتصادي وإذا لم نعده القاطرة التي تقود البلاد وليس مجرد قطاع يأتي دوره بعد السياحة والخدمات والصناعة فإننا لن نتقدم ولن نتحول إلى بلد يحقق أمنه واستقلاله الغذائي وهي معركة تخوضها اليوم الكثير من الشعوب التي تعيش نفس وضعيتنا فالدراسة التي قدمت في هذه الندوة على أهميتها وأهمية التشخيص الذي قامت به إلا أنها حافظت على نفس الأولويات ونفس الخيارات في ترتيب القطاعات والحال أن الوضع الحالي الذي تمر به تونس يفرض تغيير الأولويات التنموية والتفكير بطريقة مختلفة تجعل من الفلاحة هي القطاع الأول في عملية التنمية والقطاع الذي يقود الاقتصاد ومن ورائه تأتي بقية القطاعات..

 اليوم لم يعد مسموحا أن تكون السياحة مثلا هي القطاع الذي تعطى له الأولوية في الاستثمارات والقطاع الذي يلقى العناية الأكبر خاصة بعد تراجع النظرة له عالميا وبعد أن اتضح أنه لم يعد بمقدوره أن يلعب نفس الدور الذي لعبه في بداية الاستقلال وزمن بناء الدولة التونسية الحديثة اليوم نحتاج إلى تغيير في الأولويات والترتيب في أهمية القطاعات وإذا ما أبقينا على نفس الخيارات القديمة فإن كل التشخيص الذي قام به المعهد يبقى دون فائدة ودون جدوى إذا لم نستفد من نتائجه في تغيير نظرتنا وأولوياتنا وخياراتنا.

اليوم نحتاج إلى سياسة فلاحية جديدة تعيد الاعتبار لهذا القطاع الذي أظهر أنه قادر على جلب الاستثمار وقادر على تحقيق التنمية وقادر على حقيق الأمن الغذائي لو تم الاعتناء به بالقدر المطلوب وبنفس العناية التي تعطى لقطاع السياحة مثلا.. اليوم نحتاج إلى سياسة تحقق الاكتفاء الذاتي عوض سياسة الأمن الغذائي ونحتاج إلى سياسة تفك الارتباط والتبعية مع الأجنبي الذي يتحكم اليوم في أمننا من خلال امتلاك واحتكار البذور وتحكمه في بيعها لنا بالعملة الصعبة  ومن خلال فرض اتفاقيات دولية للتحكم في فلاحتنا بدعوى الشراكة والتعاون.

اليوم إلى جانب تحدي المياه وخصوبة التربة وهي قضايا نحتاج إلى إعادة نظر فيها على أساس أننا بلد غير مصنف ضمن البلدان الفقيرة مائيا وإنما كل ما نحتاجه هو حسن التصرف في القليل من المياه التي نملكها وكذلك تونس ليست بلدا تربته غير خصبة وإنما على العكس فإن أراضينا خصبة ولكن تم إفسادها بالبذور المعدلة والأدوية المستوردة التي لا تتماشى مع طبيعة التربة وتتسبب سنويا في هدر الكثير من الأراضي فإن التحدي الحقيقي الذي تعيشه فلاحتنا ليس في كل هذه الصعوبات التي تم الحديث عنها في هذه الندوة وإنما في الخيارات الوطنية المفقودة وفي السياسات التي تميل إلى كل ما هو أمن غذائي واستقلال السيادة الوطنية في بعدها الفلاحي وفي القيادات التي تحكم والتي لا ترضخ لإملاءات وشروط المؤسسات المالية العالمية التي تقايضنا بالقروض المالية مقابل اتفاقيات في مجال الفلاحة تمثل تواصلا للثقافة الاستعمارية وتفقدنا استقلالنا وأمننا الغذائي وتجعلنا مرتهنين حتى في لقمة عيشنا.

نوفل سلامة

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة