الباحث المنصف وناس لـ«الصباح»: يتوجب التمييز بين من يطالب في إطار الشرعية.. ومن يخرب للقضاء عليها - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 19 جوان 2018

تابعونا على

Jun.
20
2018

الباحث المنصف وناس لـ«الصباح»: يتوجب التمييز بين من يطالب في إطار الشرعية.. ومن يخرب للقضاء عليها

الجمعة 12 جانفي 2018
نسخة للطباعة
الشخص غير المدمج اجتماعيا وتنمويا شخص ليس لديه ما يخسر.. ولا ينتظر أشياء كثيرة من المجتمع - الاحتجاجات لم تعد شأن الدولة والحكومة بمفردهما
الباحث المنصف وناس لـ«الصباح»: يتوجب التمييز بين من يطالب في إطار الشرعية.. ومن يخرب للقضاء عليها

وضع محتقن يتصاعد نسقه من يوم الى آخر يكشف حالة من عدم الرضاء العام لدى المواطن التونسي، اتسعت رقعته تدريجيا فشمل اغلب جهات البلاد وترافق في عدد المناطق ومن احياء العاصمة باعمال شغب ونهب وسرقة وحرق لمؤسسات عمومية ومراكز امن وسيارات خواص.

تم التعامل معه عموما من زاوية امنية فتمت قراءته بضبط عدد الايقافات وحجم الخسائر او سياسيا وقعت مساندته من قبل احزاب المعارضة او رفضه والسعي الى تجريمه والتقليل من حجمه من حزبي النهضة والنداء.

"الصباح" في قراءتها لما يجري التقت بالباحث في علم الاجتماع ومدير مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية منصف وناس الذي كان له مقاربة اجتماعية سوسيولوجية فسرت وحللت وفككت تلك التحركات الاحتجاجية وذلك السلوك العنيف الذي يرتقي الى الجريمة ..

كيف يقرا علم الاجتماع ما تعيشه البلاد منذ ايام من موجة تحركات اجتماعية تخللها تجل واضح لمظاهر الجريمة؟

ليس خافيا على احد وجود خلافات سياسية بين الحكومة واطراف سياسية معينة كما انه ليس خافيا على احد أيضا ان بعض رجال الاعمال يعتبرون ان قانون المالية الجديد قانونا ماسا بمصالحهم ومن هنا حصل هذا التوتر الذي يعبر عن وجود قراءات مخالفة لمشروع قانون المالية ويعبر ايضا عن واقع اجتماعي يجب اخذه في الحسبان.

وفيما يتعلق بما سجل من عمليات نهب وحرق هناك تعايش بين ما هو احتجاجي وما هو استغلال الاحتجاج وتوظيف للاحتجاج لممارسة العنف وهذا التعبير غير المنظم الميال للعنف والمساس بالمؤسسات يفسر حسب قوله بـ5 معطيات متكاملة هي:   

  1 - ان تونس هي بلد الهجرات الكثيفة من الداخل باتجاه المدن الكبرى على غرار تونس العاصمة وصفاقس وسوسة، بدأت من المرحلة الاستعمارية وتواصلت بعد الاستقلال وخاصة في مرحلة التعاضد التي عرفت هجرات كثيفة تقدر بـ700 الف شخص هاجروا من اريافهم نحو المدن فضلا على ما ارتبط بالمرحلة الليبرالية من موجات هجرة جديدة.  ولذلك تكونت في ضواحي المدن الكبرى كتلة بشرية مهاجرة غير مدمجة وبقيت غير مدمجة في سياق المجتمع وغير مستفيدة من عائدات التنمية ومولدة من حالات من الاقصاء والتهميش فتجد الاب مقصيا ومهمشا وينتج ابنا مهمشا.

2 - لم تتكرس فكرة التمييز الإيجابي للمناطق والجهات بما فيه الكفاية منذ الاستقلال في حين كان من الضروري العمل على ايجاد هذه المراجعة التنمية وتمييز المناطق التنموية الفقيرة إيجابيا حتى تتوقف عن انتاج ظواهر الهجرة الداخلية والاقصاء.

3 -  تضخم المدن في تونس وجاذبيتها قياسا بالتخوم والمناطق الفقيرة ولذلك تحصل هذه الهجرات ويتوالد تدريجيا شعور بعدم الاشباع التنموي والاقتصادي.

4 - غياب هذا الحرص على إيجاد أنماط تونسية في مجال التنمية المحلية والجهوية في الوقت الذي كان ممكنا فيه ان نوجد نمطا تنمويا متوازنا في مستوى الجهات والمناطق للحد من ظواهر التفاوت والشعور بعدم الاندماج والاستفادة من مردود التنمية.

5 -  ازدياد ظاهرة الانقطاع المدرسي الى حد انها وصلت سنة 2017 الى 113 الف تلميذ منقطع عن الدراسة خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، علما وانها ظاهرة ولود أي مولدة لظواهر أخرى لا تقل خطورة منها مثل العنف والتهريب الحدودي والتورط في شبكات التسفير الى بؤر التوتر والقابلية للتواطؤ مع الإرهاب ذلك ان الشخص غير المدمج اجتماعيا وتنمويا هو شخص ليس لديه ما يخسر ولا ينتظر أشياء كثيرة من المجتمع يعمد في كل مناسبة احتجاجية الى التخريب والتدمير والحرق والتكسير تعبيرا منه على الاحتجاج، وبدل  ان يكون احتجاجه منظما ومؤسساتيا يلجأ الى اكثر التعبيرات عنفا وتخريبا بحكم ما يستشعره من حرمان من عائدات التنمية.

القاعدة تقول ان تراجع الامن يساوي تقدما للجريمة فهل ان احداث الليالي السابقة يمكن وضعها في هذا الاطار؟

لا يتعلق الامر بتراجع الامن ولكن بحرص على احترام حقوق الانسان وفي مقدمتها الحق في الاحتجاج والتظاهر ولكن هذا الاحترام يشعر بعض فئات المحتجين ان الامر يتعلق بضعف المؤسسة الأمنية.

كيف تقيم التعامل الرسمي مع ما تشهد البلاد من أحداث عنف واحتجاج؟

مهما اختلفنا في تقييم العقود السابقة في مجال التنمية والاقتصاد، بات اليوم من الضروري العمل على إيجاد مراجعة بنيوية عميقة للاختيارات التنموية من اجل مزيد العمل على حسن توزيع عائدات التنمية بين الفئات والجهات افقيا وعموديا والتركيز على التنمية الجهوية والمحلية ولتستهدف الفئات الفقيرة والهشة والمهمشة وهذا هو فيما يبدو لي رهان تونس المستقبل. والمقاربة السليمة تنبني على بعدين متفاعلين ومتكاملين أولا الذهاب الى اقصى مدى ممكن في الحوار مع اتحاد الشغل ونقابة الأعراف ومكونات المجتمع المدني الحريصة على مصلحة تونس واستقرارها وثانيا تطوير استراتيجية التواصل الحكومي حتى تكون ناجعة وفاعلة ومقنعة وحتى نتجاوز التركيز على البعد العنفي فقط. فثمة فئات اجتماعية تطالب ببعض الحقوق ولكن في اطار شرعية الدولة وهيبة الحكومة والتعبير العقلاني المنظم في حين هناك فئات اخرى تبحث على الانتقام وتخريب كل ما هو قائم وتدمير الممتلكات العامة والخاصة.

واستراتيجية التواصل الناجع توجب ان تفرق بين الفئتين وتعزل الفئة الميالة الى الحرق والتدمير وبيان دورها السلبي. وهذا التمييز بين الفئتين ضروري اليوم حتى نجد من جهة طرفا نتحاور معه وثانيا حتى نفصل بين من يطالب في اطار الشرعية ومن يخرب حتى يقضي على الشرعية.

هل هذا يعني ان الحكومة فشلت في التعامل مع ما يحدث وعليها تغيير سياسيها الاتصالية؟

السياسة الحكومية بحاجة الى مراجعة حتى نبني شروط النجاعة التواصلية والمطلوب من الحكومة هو بناء سياسة اتصالية مقنعة وناجعة وقادرة على الوصول الى المحتجين فان ذلك من شانه الحد من التوترات وفتح سبل الحوار السلم الاجتماعي لطالما ربطته الحكومة بحوارها وتوافقها مع الاتحاد العام التونسي للشغل في الوقت الذي تؤكد الاحصائيات ان الاحتجاجات غير المنظمة ما انفكت ترتفع وتتطور وتهدد السلم الاجتماعي ؟

السؤال المركزي كيف يمكن ان نبني حوارا ناجعا يخلق فرص التهدئة ويدفع باتجاه الحل والوصول الى محاورة الاحتجاجات غير المنظمة وغير المهيكلة يمكن ان يتم عبر الاتحاد العام التونسي للشغل والقواعد المحلية والجهوية للأحزاب والجمعيات وعن طريق المجتمع المدني. ولذلك لا بد ان نقتنع ان المجتمع المدني بحكم قواعده المحلية والجهوية يمكن ان يعاضد الحكومة في فتح باب الحوار مع الاحتجاجات غير المنظمة وغير المؤطرة والعمل على تكثيف فرص التفاعل بين الحكومة والمحتجين.

وهذه مسالة بديهية ولا يجب ان ننكرها بل بالعكس يجب تطويرها من خلال القبول بفكرة وساطة العمل المدني في علاقة مع الاحتجاجات غير المنظمة، فقد بات اليوم من الواجب ان نخرج من تلك الفكرة الكلاسيكية القديمة ان الاحتجاجات هي شان الدولة والحكومة بمفردهما.

ان محاورات الفئات المحتجة شان يعني جميع التونسيين المنظمين في اطار المجتمع المدني او غير المنظم وعلى كل فرد ان يعمل في جهته ومنطقته على تفعيل سبل الحوار.

وتونس بالنسبة لي زورق في محيط متقلب علينا ان نعمل على تامينه من الداخل بإرادة أبنائه حتى يتجاوز الصعوبات. وتحصينه اعتمادا على إرادة أبنائه حتى يتمكن من الصمود.

ويكفينا ان تونس خرجت من الربيع العربي باقل الاضرار وتمكنت من الحفاظ على جهاز الدولة وعلى الحيلولة دون انهيارها مثلما حصل في بعض المجتمعات الأخرى ولذلك لابد من تحصين هذه المكسب وتثمينها حرصا على تونس.

ريم سوودي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة