في ضيافة معهد تونس للأديان وفضاء التياترو بالعاصمة.. عبد المجيد الشرفي: هناك عناصر تشرّع للحديث عن «الإسلام التونسي» - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 25 سبتمبر 2020

تابعونا على

Sep.
28
2020

في ضيافة معهد تونس للأديان وفضاء التياترو بالعاصمة.. عبد المجيد الشرفي: هناك عناصر تشرّع للحديث عن «الإسلام التونسي»

الخميس 21 ديسمبر 2017
نسخة للطباعة
«للإسلام التونسي» خصوصيات غير موجودة في بلدان إسلامية أخرى بما فيها الأقرب منا جغرافيا - قوانيننا وضعية تسن باسم الشعب وهي خصوصية تونسية
في ضيافة معهد تونس للأديان وفضاء التياترو بالعاصمة.. عبد المجيد الشرفي: هناك عناصر تشرّع للحديث عن «الإسلام التونسي»

يعتبر الأستاذ عبد المجيد الشرفي المختص في الفكر والحضارة الإسلامية ورئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) أن الإسلام وإن كان واحدا من حيث النواة الأصلية أي الوحدانية الربانية ونبوّة محمد فإنه متعدد والتعدد هو السمة الغالبة عليه. وقد سعى إلى توضيح ذلك في مختلف البحوث التي قام بها أو تلك التي تولى الإشراف عليها. وقد جدد التأكيد  على ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها بفضاء التياترو بالعاصمة بدعوة من معهد تونس للأديان الذي أحدث مؤخرا بل وشدد على أن الأمر لا يتعلق بالدين الإسلامي فحسب وإنما يتعلق بالظاهرة الدينية عموما. 

وقد أطلق معهد تونس للأديان بالشراكة مع فضاء  التياترو (بإشراف الثنائي زينب فرحات وتوفيق الجبالي) مبادرة تتمثل في تقديم محاضرة كل يوم  ثلاثاء من الأسبوع الثالث من الشهر تهتم بجوانب تهم الإسلام في تونس. وقد افتتح الأستاذ عبد المجيد الشرفي سلسلة المحاضرات مساء أول أمس الثلاثاء بحضور جمع من الأساتذة المختصين في تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية والمهتمين بالشأن الديني عموما. 

وتولى الأستاذ وحيد السعفي مدير معهد تونس للأديان تقديم الضيف وإدارة النقاش الذي تلا تقديم المحاضرة.  

وإن كان الإسلام متعددا حسب المحاضر فإن الإسلام التونسي هو أحد أوجه هذا التعدد. فالإسلام في المجتمع التونسي رغم ما نرى فيه من تأثر بهذا الإسلام المعولم  الذي يأتينا عبر الإنترنيت والقنوات التلفزيونية هو في جملته إسلام متسامح يقبل الاختلاف والتعدد، والتسامح راجع ليس فقط إلى موقف نظري بل إلى طبيعة المجتمع  وإلى الطبقة المتوسطة التي تتسم بنوع من المحافظة لكنها ترفض التطرف. 

ويضيف المتحدث عن خصوصية الإسلام التونسي فيقول: «إن الإرث الثقافي أو التحديثي الذي عرفته بلادنا ومشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية والأسرة النووية التي أصبحت بديلا عن الأسرة الموسعة واكتساح الفردانية وعقلية الفرد تجعل الإسلام التونسي له ميزات تجعله يختلف عن الإسلام الموجود في عديد البلدان العربية والإسلامية. 

وقد عرض على الحضور مجموعة من العناصر رآها ممثلة للإسلام التونسي الذي لا يمكن إلا أن يتأثر بالبيئة التونسية. والبيئة التونسية هي بيئة مخصوصة ذلك أنه إذا ما نظرنا إلى ماضي الظاهرة الدينية في تونس نلاحظ أن الإسلام في تونس من الناحية النظرية إسلام مالكي اشعري لكن هذا المستوى لا يهم إلا المدن والحواضر فالبوادي والأرياف لم تكن تعرف ما معنى أن يكون الإسلام مالكيا أشعريا لذلك فإن هؤلاء لم يكونوا ملتزمين بتعاليم الإسلام الرسمي الذي هو مدون في الفتاوى وكتب الفقه وغيرها. 

التدين المنسجم مع أنماط الإنتاج 

ويستخلص المحاضر أن أشكال التدين في الماضي كانت منسجمة مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية  ما قبل الحداثة وأن أنماط الإنتاج قبل الصناعية من تجارة وحرف صغرى وغيرها جعلت الأوضاع مستقرة نسبيا وهو ما جعل أشكال التدين التاريخي مستقرة أو شبه مستقرة. ونبه الأستاذ عبد المجيد الشرفي أن ما سبق لا يعني أن أشكال التدين التاريخية في تونس كانت مطابقة لما كانت عليه في عهد النبوة بل هي أقرب إلى ما آل إليه الإسلام بعد انتشاره وتأثر المسلمين بحضارات جديدة وبثقافات أخرى. وانتهى إلى أن هذا الإسلام الرسمي أو الشعبي إسلام يمكن أن نعتبره عفويا أو بديهيا حيث أن الناس كانوا يقبلون الشعائر بشكل بديهي ولم يكونوا يثيرون المشاكل التي نثيرها نحن اليوم. وبالتالي فإن كل المؤسسات في المجتمعات القديمة (اقتصادية سياسية وغيرها) كانت في حاجة إلى هذه الشرعنة أي أن يكون الناس قابلين لهذا التدين بشكل عفوي وهو إسلام مبني على التراتبية والتراتبية في المجال الديني هي تراتبية بين المكلفين بأنفسهم والمكلفين بأنفسهم وبغيرهم أي المعبرين عن الإرادة الإلهية. وكانوا يمارسون وصاية على غيرهم ووصايتهم كانت تعتبر بديهية ومقبولة. 

فئة جديدة يطلق عليها رجال الإصلاح 

هكذا كان الشأن في القديم، والكلام للمحاضر الذي يواصل: «لكن  ظهرت في تونس منذ القرن 19 واقتحام الحداثة بلادنا فئة جديدة غير العلماء التقليديين وهي لا تتكون ضرورة من رجال الدين فرجل مثل خير الدين باشا لم يكن من علماء الدين يطلق عليهم رجال الإصلاح. وقد تواصل الإصلاح في القرن العشرين وهناك عدد من المصلحين من خريجي الزيتونة ومن خارجها كانت لهم رؤى في المواضيع التي كانت حكرا على المؤسسة الرسمية الدينية وحثت المؤسسة الدينية على التطور». 

واعتبر الأستاذ عبد المجيد الشرفي أن ما حصل في تونس من بروز هذه الفئة من المصلحين التي حتمت على علماء الدين أن يعيدوا النظر في العديد من المسلمات هو ظاهرة جديدة  لم تعرفها كل البلدان العربية. 

صحيح هناك ظواهر مشتركة مع بعض البلدان العربية على غرار مصر ولبنان والمغرب لكنها تبقى مختلفة عن الجزائر مثلا التي لم تعرف مؤسسة دينية مثل جامعة الزيتونة في تونس وجامعة القرويين في المغرب والأزهر بمصر. ففي تونس هنالك مؤسسة دينية تقليدية وعلى هامشها محدثون يرغمونها إلى حد ما على تغيير خطابها. 

وعلى المستوى المعيشي هناك تطور هام فيكفي حسب المحاضر أن نعرف أن ما عاشه التونسيون من إتباع للمذهب المالكي قد نمى فيهم الإحساس بأهمية العرف والعرف هو الذي يفسر أن يكون هناك ما يسمى بالصداق القيرواني في تونس وهو الذي يغرس الشعور بأنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ما هو موجود وإن كان ليس مطابقا للنص الديني. 

فالإسلام التونسي لم يعرف طيلة تاريخه، المذهب الحنبلي وظل المذهب المالكي هو مذهب أغلبية التونسيين ولم يعترفوا بمذاهب أخرى إلا بعد الثورة النفطية منذ عهد قريب (منذ سبعينات القرن الماضي). في حين أن كل المذاهب تكون جميعها موجودة أحيانا في بلد عربي آخر.  

واستخلص المحاضر أن هذه الظواهر التي ذكرها والتي يختص بها الإسلام التونسي هي التي تحملنا على أن لا ننظر فقط إلى هذا التطور الذي حصل بل إلى واقع التدين في تونس. 

«الترميق» والإسلام التونسي 

فمنذ البداية كان يغلب على الإسلام التونسي ما سماه بـ»الترميق» ( البريكولاج ) وهو ليس التلفيق كما كان موجودا قديما (أن تدخل أحكام مذهب فقهي في مذهب آخر) بل هو جمع عناصر لا رابط بينها نظريا أو فقهيا. وهو يتمثل في العديد من المظاهر. 

فالتطور الذي حصل منذ الاستقلال مع مشروع التعليم ومجلة الأحوال الشخصية وخروج المرأة إلى الحياة العامة هو أن الأبناء وحتى البنات الذين تعلموا في المدرسة قد لقنوا إسلاما معياريا لا تاريخيا وهو إسلام انتقائي وهؤلاء إسلامهم لم يعد منسجما مع أوليائهم ويجب في نظرهم إعادتهم إلى الإسلام وكأنهم لم يكونوا مسلمين. وكنتيجة لذلك تغيرت العلاقة بين الكبار والصغار وانقلبت الأدوار وإذ بالمتعلمين يصبحون متحصلين على رأس مال رمزي يفرضونه على أبائهم. 

وقدم الباحث مجموعة من الأمثلة للتدليل على ذلك. فقال أن أحد مظاهر التطور والتغيير قبل الاستقلال وحتى الحرب العالمية الثانية كان اللباس الإفرنجي. فقد كان يعتبر بدعة لدى الرجال فالرجل لا يمكن أن يخرج إلى الشارع وهو مكشوف الرأس لأنه بدعة وبالنسبة للمرأة الأمر واضح. ولما خرجت إلى المدرسة فإنها خرجت بلباس عادي لكن منع عليها الفقهاء أن تلبس البنطلون لان فيه تشبها بالرجال واليوم وفي سنة 2017 لا نتصور أن الموضوع كان يمثل منذ 20 أو 25 سنة نقطة من النقاط التي يثار حولها جدل خاصة أن اللباس التقليدي اليوم لم يعد في بيئتنا التونسية إلا لباسا فلكلوريا خلافا للعديد من البلدان العربية (الخليجية بالخصوص) التي تحتفظ باللباس التقليدي. 

الحجاب والبعد الآخر غير الديني 

قدم الباحث كذلك مثال الحجاب أو النقاب الذي اعتبره نتيجة التأثر بما اسماه بالإسلام الآخر كما يمارس في بلدان أخرى لكنه نبه إلى أن الحجاب الذي انتشر في بلادنا لا يجب أن نقصره على الجانب الديني فالحجاب سمح للمرأة باقتحام الفضاء العام بأقل الأثمان. واعتبر الباحث أن الحجاب في تونس يختلف من واحدة إلى أخرى وهو إما يمنع أو لا يمنع وضع المساحيق على الوجه أو ارتداء النساء لباسا خفيفا أوفاتنا وهذا هو «الترميق» أو بمعنى آخر أنك لا تخضع لمنطق واحد وفق تفسيره. وحتى على المستوى النظري فإن النساء يعتبرن أن الحجاب يدخل في خانة الحرية الشخصية لكن متى كان لهذه الحرية معنى بمعزل عن بقية حقوق الإنسان ومن بينها المساواة بين النساء والرجال؟ 

 ولنا أن نشير إلى أن محاضرة الأستاذ عبد المجيد الشرفي قد أثارت العديد من ردود الأفعال وقد عارضه بعض المتخلين فيما يتعلق بالخصوص بمسألة الإسلام التونسي المتسامح الذي يقبل بالاختلاف في حين أن الكثير من الشباب التونسي انضم إلى الجماعات المسلحة والمتطرفة وشارك في حروب باسم الإسلام وقد اشتهر التونسيون بارتكابهم لجرائم وحشية باسم الإسلام. 

وقد تمسك المحاضر في ردوده على التعاليق على محاضرته بما أسماه بالخصوصية التونسية حتى وإن اعترف بوجود بعض المتأثرين بما يسميه الإسلام المعولم أو المتأثرين بما يصفها بالدعاية المأجورة. هناك خصوصية تونسية بدءا من أن قوانيننا وضعية تسن باسم الشعب، وتختص بها تونس دون غيرها وصولا إلى ضرورة أن يتحمل الجميع المسؤولية في إيجاد الحلول للمشاكل الناجمة عن فهم الدين لأنه لا يعتقد أن علينا اليوم أن ننتظر النجاة من علماء الدين ومن الفقهاء. ونادى بالخصوص بمراجعة التعليم الديني لأننا في مدارسنا لا يشعر المتعلّم بالتعدد الفقهي والمذهبي والسلوكي الذي كان. 

حياة السايب 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة