تلاعب في الاختبارات ومحاباة: الفساد ينخر منظومة التوجيه المدرسي - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

تابعونا على

Dec.
14
2017

تلاعب في الاختبارات ومحاباة: الفساد ينخر منظومة التوجيه المدرسي

السبت 2 ديسمبر 2017
نسخة للطباعة

التدخلات.. المحاباة.. والمحسوبية.. يبدو أن هذه الكلمات الثلاث أضحت اليوم كلمات العبور في شتى المجالات ليستفحل بذلك الفساد ويستشري في جل القطاعات ويطال أكثر القطاعات حساسية: قطاع التربية وتحديدا منظومة التوجيه المدرسي.

ليكون بذلك التلاعب والمحاباة من بين العناصر الحاسمة في عملية التوجيه المدرسي بما يخل بمصداقية العملية برمتها وبمبدإالإنصاف وتكافؤ الفرص بين المترشّحين. من هذا المنطلق وبما أن منظومة التوجيه برمتها اليوم تحت مجهر الإصلاح التربوي فان القائمين على الإصلاح مدعوون إلى القيام بمراجعة جذرية لهذه المنظومة ولا سيما تعزيز مبدأ الشفافية في عملية التوجيه بما يفضي الى القضاء على مثل هذه الممارسات.

كشف التقرير السنوي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لسنة 2016عن شبهة فساد في وزارة شؤون الشباب والرياضة تتعلق بتوجيه تلاميذ الى شعبة الرياضة حيث تلقت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عريضة إبلاغ عن شبهات فساد تتعلق بقيام مسؤولين بوزارة الشباب والرياضة من بينهم المدير العام للتربية البدنية والتكوين بإلحاق تلاميذ بشعبة الرياضة بولاية نابل على أساس انتمائهم لرياضة النخبة في حين أنهم لا ينتمون لهذا الصنف ولم يتحصّلوا على مراتب تخول لهم الالتحاق بشعبة الرياضة اثر مشاركتهم في الاختبارات التطبيقية مما أدى الى خرق مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين كل التلاميذ. كما تفيد العريضة أيضا بوجود شبهة تتعلق  بتلاعب  في نتائج الاختبارات التطبيقية بالنسبة الى دورة 2016 وعديد الدورات السابقة.

فبالنسبة الى إلحاق التلاميذ بشعبة الرياضة بولاية نابل كشف التقرير عن التلاعب بنتائج اختبارات وترتيب تلاميذ بشعبة الرياضة بولاية نابل كما ورد بالتقرير أيضا حرمان ناشطين بالمنتخبات الوطنية ومتحصّلين على ميداليات وشهائد في تظاهرات محلية ووطنية ودولية من الالتحاق بشعبة الرياضة فضلا عن إدراج أسماء تلاميذ - لا ينتمون للنخبة الوطنية ولا تخوّل لهم نتائج الاختبارات التطبيقية الالتحاق بشعبة الرياضة - بقائمة التلاميذ الملتحقين بهذه الشعبة.

هذه الممارسات جعلت الإطارات التربوية والمختصين في المجال يطلقون صيحة على اعتبار أن التلاعب بالتلاميذ هو تلاعب بمستقبل البلاد كما أن مثل هذه الممارسات تخل بمبدإ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.  

وفي هذا السّياق أورد المربي سعيد الجديدي أن الهياكل المعنية مدعوة وأكثر من أي وقت مضى كي تضرب بيد من حديد من اجل ردع مثل هذه الممارسات معتبرا أن ما ورد بتقرير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ستكون له تداعياته لاحقا على صورة الرياضة في تونس.

ومن جانب آخر، اعتبرت المربيّة عواطف العلوي أن الفساد في التوجيه المدرسي يتجاوز مجال الرياضة بما أننا اليوم نقف على ممارسات مخجلة أبطالها "الأولياء" الذين يستميتون من اجل توجيه أبنائهم إلى بعض الشعب "الراقية" في نظرهم على غرار شعبتي الرياضيات والعلوم التجريبية رغم أن التحصيل العلمي لأبنائهم هو تحصيل هزيل جدا لا يخول لهم الالتحاق بهذه الشعب.

 وفسرت المربية في هذا الإطار أن الأولياء يتحملون مسؤولية كبرى في تفشي مثل هذه الممارسات بما انهم يلجأون طوعا إلى الرشوة والمحسوبية  من اجل "ضمان مستقبل" أبنائهم على حد قولهم. داعية في هذا السياق إلى تكريس ثقافة الردع والعقاب حتى لا تساهم مثل هذه الممارسات في القضاء على مبدإ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، وحتى لا تكون لها تداعيات وخيمة على صورة تونس وإشعاعها في مجال التعليم.

من جهة أخرى وفي قراءته لظاهرة استفحال الفساد والمحسوبية خاصة في قطاعات حيوية على غرار التربية ومدى انعكاس ذلك على سير المنظومة التربوية برمتها، اعتبر الخبير في علم الاجتماع التربوي طارق بلحاج محمد في تصريح لـ "الصباح" أن التوجيه المدرسي والجامعي  يعتبر آلية من آليات تعديل وتنظيم مسالك التكوين وترشيدها عبر الأخذ بعين الاعتبار جملة من المعطيات والحقائق منها رغبة التلميذ وقدراته العلمية والمعرفية وحجم الشغورات في الشعب والمسالك الموجودة بما يراعي ويتماشى مع مبادئ الإنصاف والاستحقاق وتكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.

 

صعوبات وتجاوزات  

 

واعتبر بلحاج محمد أن هذه الفلسفة العامة للتوجيه المدرسي والجامعي كثيرا ما تعيش بعض الصعوبات والتجاوزات والمآزق عند تنفيذها على أرض الواقع مما يجعلها لا تستجيب مائة بالمائة لمبدإ الاستحقاق وتكافؤ الفرص. وفسّر المتحدث في هذا الإطار أن دخول الأولياء بقوة على الخط لدرجة إكراه أبنائهم على شعب دون أخرى، والتهافت على شعب بعينها يعتقد أنها شعب "راقية" أو ضامنة للمستقبل المهني يجعل التنافس على أشده بين الجميع. ومن هذا المنطلق يقع الإقبال أكثر على الشعب ذات نسب النجاح العالية وكذلك الشعب العلمية والتقنية وأيضا على شعبة الرياضة بما لا يتماشى أحيانا مع طاقة استيعاب هاته الشعب ولا مع رغبات ومؤهلات التلاميذ..

و فسر المتحدث في هذا الإطار انه حين يشتد التنافس يتغير قانون اللعبة لتكون المحاباة والتدخلات والمحسوبية أحد العناصر الحاسمة في التوجيه المدرسي والجامعي بما يخل بمصداقية العملية برمتها وبمبدإ الإنصاف وتكافؤ الفرص بين المترشّحين. ويظهر ذلك جليا من وجهة نظر  المتحدث خاصة في الشعب التي تتطلب اختبارات مبدئية قبل القبول النهائي بها على غرار شعبة الرياضة فعلى سبيل المثال يقع التلاعب بالأعداد المسندة للمترشحين بما يحرم الأكفاء ويعوضهم بآخرين أقل كفاءة. وأورد المتحدث في هذا السياق انه تم  منذ الثورة رصد وتداول العديد من الملفات حول موضوع التلاعب بالتوجيه المدرسي والجامعي حامت فيها الشبهة حول مسؤولين كبار ونقابيين ووزراء سابقين مما أضر بصورة ومصداقية التوجيه المدرسي والجامعي على حد قوله.

 

دعوة للنقاش

 

  كما أوضح المختص في علم الاجتماع التربوي أن الإشكاليات التي تواجه التوجيه تبقى من الحجم الكبير، وبالتالي يجب أن يكون طرح هذا الموضوع دعوة لفتح نقاش عميق بشأنها في هذه المرحلة التي تعرف فيها المنظومة التربوية مراجعات عديدة.

وقال بلحاج محمد في هذا الشأن: "نعتقد أنه لا مخرج اليوم من هذه التعثرات المتعددة المستويات إلا بإعادة النظر في منظومة التوجيه، أهدافا ومبادئ ومقاربات وشركاء وتدخلات من أجل التأسيس لمنظور جديد يبرز بشكل واضح ودقيق ومنصف دور كل طرف في هذه العملية بما يضمن الإنصاف والمصداقية".

منال حرزي 

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد