رئيس هيئة مديري بنك الأمان ورئيس الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية لـ«الصباح»: ليس من السهل في الظرف الحالي إعداد قانون مالية بكل أريحية - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأحد 10 ديسمبر 2017

تابعونا على

Dec.
11
2017

رئيس هيئة مديري بنك الأمان ورئيس الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية لـ«الصباح»: ليس من السهل في الظرف الحالي إعداد قانون مالية بكل أريحية

الثلاثاء 21 نوفمبر 2017
نسخة للطباعة
●دعم التصدير وتحسين مناخ الاستثمار سيحسن آليا قيمة الدينار - المطلوب ليس إلغاء صندوق التعويض إنما إعطاء التعويض لمستحقيه - أتعجب من تردد الدولة في جعل الخوصصة حلا لإعادة الفاعلية للمؤسسات العمومية وتدعيم الميزانية
رئيس هيئة مديري بنك الأمان ورئيس الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية لـ«الصباح»: ليس من السهل في الظرف الحالي إعداد قانون مالية بكل أريحية

 حاوره سـفـيان رجـب -

تعيش تونس اليوم واقعا اقتصاديا صعبا أثر على الوضع الاجتماعي ومناخ الأعمال والاستثمار.. هذا الواقع كان له بالتأكيد انعكاس على مشاريع ومخططات الدولة ظهر من خلال مشروع قانون مالية اقل ما يقال عنه انه صعب وسيزيد من الضغوطات والأعباء على المؤسسة والمواطن على حدّ السواء مما يمكن أن يكون له انعكاس مغاير لما تطمح إليه الحكومة... حول هذا الوضع الاقتصادي الصعب وما آل إليه الدينار من انهيار ومؤتمر الاستثمار الدولي الذي احتضنته تونس مؤخرا كان لـ«الصباح» هذا اللقاء مع السيد أحمد الكرم رئيس هيئة مديري بنك الأمان ورئيس الجمعية المهنية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية. 

*  يبدو أن مشروع قانون المالية لسنة 2018 لم يلاق استحسان ومساندة الخبراء الاقتصاديين.. فما رأيكم في هذا المشروع وماذا ترون فيه من ايجابيات وسلبيات؟

ما يعاب على مشروع قانون المالية أنه ركزّ على إجراءات متعددة يصب أغلبها في الرفع من الضرائب والأداءات والإتاوات.

وفي الواقع ليس من السهل في الظرف الحالي أن يتم إعداد قانون مالية بكل أريحية، فالضغوطات المتعددة الناتجة عن تفاقم مصاريف التسيير ومصاريف التعويض وضروريات تسديد الدين الداخلي والخارجي جعلت احتياجات المالية العمومية كبيرة جدا خاصة وأنه بات من الضروري للضغط على العجز وبالتالي للحد من تطوّر المديونية التي بلغت نسبة 70 %.

* ولكن هل يعني هذا أنه لا وجود لحلول أخرى لإدخال الاستقرار على الميزانية؟

 أعتقد أن ما تم نسيانه، أو ما لم يتم التمكّن منه، هو وضع إجراءات للحد من التبذير وإيجاد موارد مالية غير جبائية. من ذلك مثلا أنه كان من الممكن تطبيق الإصلاح الذي أعتقد أن الجميع متفق عليه فيما يخص صندوق التعويض، هذا الصندوق الذي يعوض حاليا الاستهلاك مهما كان مقداره ومهما كان المنتفع به تونسيا أو أجنبيا مقيما أو غير مقيم.

ونؤكد في هذا الصدد أنه لا يمكن ولا يستحب إلغاء صندوق التعويض. إنما المطلوب هو أن يعطي التعويض لمستحقيه فقط، وأن يوفّر بشروط تمكن من الحد من التبذير، وكلنا يعلم مثلا كمية الخبز المبذرة يوميا من قبل المستهلك. والاقتراح في هذا الميدان هو أن تعطى منحة للعائلات التي تستحق الدعم وأن تحرر في المقابل وتدريجيا أسعار المواد المدعمّة وهكذا يتمكّن المواطن من استعمال المنحة لشراء ما يحتاجه دون أن يكون لذلك تأثير على دخله الأصلي.

وقد جرّبت هذه المنظومة في العديد من الدول منها مصر التي رغم عدد سكانها ووضعيتها الحرجة اقتصاديا واجتماعيا تمكنت من النجاح فيما يتعلق بمنظومة الدعم الجديدة وفي الحد من التبذير. وهكذا يتم الحفاظ على المناخ الاجتماعي في ظروف تعقّل الاستهلاك وترشّده مع ما يتولّد عن ذلك من انحصار في تدخل الميزانية في صندوق التعويض وتقلّص في الحاجة إلى رفع ضرائب جديدة.

وفي نفس السياق هناك العديد من الإجراءات الجبائية التي أثثت قوانين المالية السابقة لم يتم تفعيلها رغم مردوديتها المالية ومنها مثلا إجراء «الخزائن المسجلة» caisse enregistreuse والذي أتى به في قانون المالية 2017 ولكنه لم يفعّل وقس على ذلك العديد من الإجراءات الأخرى.

وقبل فرض ضرائب جديدة كان من الواجب مراجعة ما وافق عليه مجلس نواب الشعب في السنوات السابقة وتفعيله حتى وان أدى الأمر إلى تصحيح بعض الإجراءات لمزيد عقلنتها. والمهم هو تطبيق القانون مما يوفر موارد إضافية تغني عن إجراءات جبائية جديدة غير شعبية وذات مضاعفات سلبية على رجوع الثقة والاستثمار والنمو.

ويمكن أيضا أن تعطي الدولة الأهمية القصوى لاستخلاص الديون الجبائية المثقلة على المؤسسات والأشخاص والمقدرة بالعديد من مليارات الدينارات وهذه الديون المثقلة أًصبحت نافذة ويمكن توجيه الموظفين للقيام باستخلاصها مع منحهم مكافأة في شكل نسبة من الموارد التي تدعم ميزانية الدولة. والأرقام الأخيرة بينت أن هناك ما يقارب 2,8 مليار دينار ديون جبائية حديثة وبالتالي هناك احتمالات مرضية لاستخلاصها.

 وكان من المستحسن أيضا أن تشمل أبواب مداخيل الميزانية كل ما يمكن أن يتأتي من خوصصة المؤسسات العمومية. هذه المؤسسات التي تعمل في سوق تنافسية وتمثل بعجزها المتواصل وبمشاكل إدارتها عبئا كبيرا على الدولة التي هي حاليا غير قادرة على أن تضخ فيها أموالا متزايدة لتعديل عجزها المتواصل.

* من المعروف أنكم من أكثر الداعمين لخوصصة المؤسسات العمومية.. فماذا يمكن ان يقدم هذا الحل لميزانية الدولة واقتصادها؟

أتعجب من تردد الدولة في أن تجعل من الخوصصة حلا جذريا لإدخال الفاعلية على هذه المؤسسات. وقد كان الأمر كذلك في الحركة الاقتصادية الإصلاحية التي تمت سنة 1986 والتي كان من ضمن ركائزها الهامة الخوصصة، مما جعل أموالا كبيرة وطنية وأجنبية تدخل السوق بالدينار والعملة الأجنبية وساهمت في إعطاء دفع جديد لهذه المؤسسات.

وقد تم في هذا النطاق خوصصة ما يقارب على المائة مؤسسة دون أن يكون لذلك أي تأثير سلبي على التشغيل بل بالعكس فان المؤسسات المخوصصة دعمت إنتاجها وحسنت نتائجها وشغلت يدا عاملة جديدة وساهمت في دفع التصدير. وكان لها فضل كبير في الانتعاشة الاقتصادية التي شهدتها تونس آنذاك، فلماذا التردد في إعادة نفس التجربة التي ستدرّ على الدولة موارد جديدة وتعطي دفعا حقيقيا لهذه المؤسسات الاقتصادية ويجعلها عاملا فاعلا في السوق دون أن تحتاج لمعاضدة الدولة بل تصبح مؤسسات رابحة توظف عليها ضرائب تدعم الميزانية... 

وكل هذه الإجراءات إذا ما سطرت بحكمة ستغنينا عن الزيادة في الضغط الجبائي الذي يمثّل خطرا على السلم الاجتماعية ولا يساعد على دفع الاقتصاد. وفي كل الحالات كان من الأفضل التدعيم المستمر لميزانية الدولة عن طريق اتساع قاعدة الضرائب عوض الرفع في نسبها.

* هذا يجرنا إلى الحديث عن واقع الدينار التونسي اليوم وما يعيشه من تدهور.. فما سبب هذا الانهيار وهل من حلول للحد منه؟

الدينار التونسي ككل عملة مهما كانت طبيعتها ليس إلا مرآة عاكسة لوضعية الاقتصاد، فإذا كان الاقتصاد مختلا مهترئا لا ضوابط له لا يمكن للدينار إلا أن يتأثر بذلك كما هو شأن كل عملة أخرى.

أما إذا كان الاقتصاد قويا متزنا يتم فيه التحكّم في الموازنات الأساسية وخاصة عجز الميزانية والعجز الجاري، يصبح بالتالي قبلة للمتعاملين والمستثمرين يساهمون في دفع النمو، وسيكون لذلك تأثير ايجابي على الدينار، فيقوى ويشتد عوده. فان تم القيام بالإجراءات الضرورية لتدعيم التصدير وإدخال الإصلاحات التي تحسن مناخ الاستثمار فستتحسن آليا قيمة الدينار.. وإذا ما تركت الأمور على حالها ولم يتم الاهتمام كما ينبغي بتحسين الإنتاج والإنتاجية فلا يمكن أن يلام الدينار على تدهوره.

* وماذا عن واقع الاستثمار الوطني والأجنبي وأهمية المؤتمر الدولي للاستثمار الذي احتضنت بلادنا مؤخرا حلقة جديدة منه؟

الاستثمار، كما أسلفت، مرتبط بالمناخ الاقتصادي وهو بنفسه مرتبط بجدية الإصلاحات وبالحرص على تطبيق القانون. ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن اتخاذ إجراءات سريعة يمكن أن تعيد الثقة للمستثمرين. وهذا يتطلب سياسات واضحة وجريئة وخاصة تركيزا على بعض الأولويات. فالاستثمار يمكن أن ينهض إذا ما اهتممنا بالسوق الإفريقية وهي سوق واعدة يمكن أن تصبح مجالا حيويا لمستقبل الاقتصاد التونسي.

ويمكن للاستثمار أن ينطلق إذا ما تم الاهتمام ببعض القطاعات ذات المزايا التفاضلية كالنسيج والجلود والقطاع الكهربائي والإلكتروني بما فيه مكونات السيارات والطائرات، وهي قطاعات لنا فيها خبرة كبيرة ومختصون من مستوى راق وقدرة تنافسية واضحة.. وقد مرت هذه القطاعات بأزمة ما بعد الثورة، ولكن يمكن إعادة إحيائها بشروط جديدة وسياسات حكيمة تراعي حاجيات السوق والمستهلك العالمي. ويمكن الاستئناس في ذلك بتجربة البرتغال الذي أعاد الحيوية من جديد لقطاعي النسيج والأحذية بعد الأزمة العاصفة التي مرا بها.

 كما يمكن التركيز على قطاع الخدمات الذكية ولنا في تونس سبق في مجال الصحة ومجال تكنولوجيا المعلومات ومجال التعليم العالي. فإذا ما نسقّنا سياستنا في ميدان الخدمات الذكية يمكن لتونس أن تصبح مركزا إقليميا لكل هذه النشاطات المصدرة والمشغلة للإطارات والمطلوبة حاليا على المستوى العالمي.

ومع تدعيم علاقاتنا مع أوروبا يمكن أن نحسن معرفتنا للدول الجديدة التي هي بصدد تحديد مستقبل العالم. ونذكر منها الصين التي أصبحت ثاني اقتصاد عالمي وأول مصدر عالمي وأول سوق أصبح لهذا بعد استراتيجي نظرا لقوتها الاقتصادية. الصين وضعت، مثلا، برنامج طريق الحرير الذي مكنّ وبواسطة أموال كبيرة تعدّ بمئات المليارات من الدولارات من إحياء طريق جديدة تربط بين الغرب والشرق عبر طرقات سيارة تربط بين آسيا وأوروبا وسكك حديدية تصل إلى مدريد وموانئ تنطلق من المدن الصينية إلى البندقية. وقامت الصين باستثمارات كبيرة في عديد الدول منها أثيوبيا (بناء سكك حديد ومدن صناعية) وجيبوتي       (مطار وميناء) وأخيرا المغرب عبر تشييد أعلى عمارة في القارة الافريقية في الرباط وعبر إقامة مدينة ذكية تضمّ في مرحلة أولى 50  الف ساكن وعبر إنشاء منطقة صناعية كبرى بين مكناس وفاس لاستغلال الاتفاقيات التفاضلية بين المغرب وأوروبا لتصدير البضائع... 

إن ما أنجزته الصين في 53 دولة افريقية يمكن أن تقوم به وبسرعة في تونس إذا ما اعددنا الظروف الملائمة لذلك وإذا ما رحّبنا بالأشقاء الصينيين وتفهّمنا أولوياتهم وأهدافهم وكل ذلك مع مراعاة مصلحة وأهداف الاقتصاد التونسي.

* وأين مؤسستكم «بنك الأمان» في كل هذا التمشي وهذه الخيارات؟

 بالفعل، في هذا الإطار، أمضى بنك الأمان اتفاقية مع أكبر بنك تجاري في العالم ألا وهو المصرف الصناعي والتجاري الصيني وتنص هذه الاتفاقية على تمويل المشاريع التونسية المنتصبة في بلادنا أو حتى التي يقوم بها الباعثون التونسيون في القارة الإفريقية. وبنك الأمان هو أيضا بصدد مناقشة خط تمويل جديد مع أكبر بنك استثماري وطني في العالم ألا وهو بنك التنمية الصيني لفتح خط تمويل تحّول ضمنه الأموال في شكل قروض لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة لتدعيم مشاريعها.

إضافة تعليق جديد