تحليل إخباري: إلى أين تسير تونس؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - السبت 23 سبتمبر 2017

تابعونا على

Sep.
24
2017

تحليل إخباري: إلى أين تسير تونس؟

الثلاثاء 12 سبتمبر 2017
نسخة للطباعة
تحليل إخباري:  إلى أين تسير تونس؟

بقلم: نور الدين عاشور -

سؤال ظل مطروحا منذ 14 جانفي 2011  ومازال قابلا للطرح بعد مرور ست سنوات وذلك  بقطع النظر عن تداول الحكومات وما أفرزته من «تحولات» على الخارطة الحزبية، إنه السؤال التقليدي:إلى أين تسير تونس؟

من الطبيعي جدا أن يُطرح السؤال لأنه قلما نجد أوضاعا تجنب الطرح، فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية لم تفلح برامج الحكومات في الحد منها والتحركات الاجتماعية كانت ساهمت في تراجع الإنتاج والتصدير في  بعض القطاعات والنخبة السياسية غارقة في «السياسة» وفي أوضاع أحزابها وعينها حاليا على الانتخابات البلدية والتشريعية أما المواطن فمازال يشكو غلاء الأسعار.

رفع المعنويات 

قد يصبح المشهد مألوفا بفعل مرور السنوات فيما أن تجربة الانتقال الديمقراطي لم تفض إلى تغييرات يمكن للمواطن العادي أن يلمسها وبالتالي يظل السؤال مطروحا وإن بدرجة أقل حدة، لكن مجرد العودة إليه بين الفينة والأخرى يعني أننا مازلنا في مرحلة انتظار أولى الخطوات للخروج من الأزمة الاقتصادية ومن تبعاتها الاجتماعية والنفسية بصفة عامة.

لقد اتضح أننا في أمس الحاجة إلى رفع المعنويات في زمن التوتر النفسي واليأس والفردانية وغيرها من أمراض وسمات العصر حتى أصبحنا نتعمق في البحث عن سر نجاح  الآخرين  وننسى همومنا ومشاكلنا، أمثلة عديدة تبدأ من المغرب ولا تنتهي في  ماليزيا، لذلك ما ينقص التجربة التونسية هو الخروج من المأزق وبعبارة أخرى التدارك، أما كيف ومتى، فذلك متروك للأحزاب الحاكمة والمعارضة على حد سواء.

ولعل التحوير الحكومي الأخير كشف مرة أخرى أننا مازلنا نواصل البحث عن طريقة للخروج من الأزمة بما يجعل النموذج التونسي متكاملا، وها هو يوسف الشاهد يعرض خطة اقتصادية وإصلاحات كبرى على أمل أن تواصل أية حكومة مقبلة في بنفس السياق دون الحاجة إلى إعلان خطة خاصة بها وسلسلة من الإصلاحات تراها ضرورية من وجهة نظرها. هذا على الصعيد العملي، لكن التحوير في حد ذاته لا يمكن أن يكون بمعزل عن أهداف سياسية.

حكومات.. تحويرات ومواعيد انتخابية

لا يمكن للأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي أن تغض الطرف عن الانتخابات البلدية المقبلة والانتخابات الرئاسية والتشريعية لعام 2019، ونفس الأمر ينطبق على بقية الأحزاب، ذلك أن أول انتخابات بلدية لها مغزى خاص سواء من حيث المشاركة أو الفوز بالمقاعد البلدية، وبالتالي أمامنا سنتان انتخابيتان نأمل أن لا تلهيا النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ومن سوء الحظ أن إجابة أولية عن السؤال :إلى أين تسير تونس؟ قد يصبح بين الفينة والأخرى نحو حكومة جدية أو تحوير وزاري أو موعد انتخابي وذلك بالنظر إلى تجربة السنوات الماضية. وما يهم هنا أن نخلق تقليدا يتمثل في تواصل تنفيذ برنامج الحكومة بقطع النظر عن المواعيد الانتخابية.

وإذا كانت حكومة الشاهد حكومة حرب على الإرهاب والفساد فإنها أيضا حكومة انتخابات أي أن أداءها وتحديدا أداء وزرائها  المنتسبين إلى أحزاب كفيل بالتأثير على شعبية تلك الأحزاب ولو بدرجة أقل نظرا إلى خصوصية الحكومة المنبثقة عن وثيقة قرطاج والأهم أيضا أنها نتاج توافق بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي.

التوافق.. خصوصية تونسية؟

وهنا نجد أن تونس قد تواصل السير في نهج التوافق، دائما بين نداء تونس وحركة النهضة وهو ما يعني ضمنيا، على الأقل إلى حين تعديل الدستور بخصوص النظام السياسي، وجود ثنائي حاكم وحوله بعض الأحزاب وهو ما يفقد الحياة السياسية عنصر المنافسة والتداول على الحكم وبروز أحزاب جديدة مع تنوع توجهاتها الإيديولوجية.

ورغم أن التحالف بين النداء والنهضة لم يثمر سياسية اقتصادية واضحة المعالم إلا أنها تبقى ذات توجهات ليبرالية  تشترك فيها مع أحزاب أخرى باستثناء الجبهة الشعبية وخاصة في غياب أدبيات لأحزاب يمكن تصنيفها ضمن عائلة الديمقراطية الاجتماعية خصوصا مع تلاشي الأحزاب اليسارية بالمفهوم التقليدي المتعارف عليه.

وليس بغريب حينما تنتقد الجبهة الشعبية، مثلا، السياسية الليبرالية للحكومة وتحديدا ما تسميه بإملاءات  صندوق النقد الدولي لكن مشروع الجبهة الاقتصادي لم يبرز سوى في الحملات الانتخابية بينما الخطاب اليومي لقيادات الجبهة لا يعطي صورة واضحة عن البديل الاقتصادي، وحتى عمق الأزمة الاقتصادية وتعقيداتها  لم تعد تمكن الجبهة من تقديم برنامج اقتصادي يمكن للمواطن العادي استيعابه وأكثر من ذلك يمكن تطبيقه على أرض الواقع ويكون مقبولا لمختلف الأطراف الاجتماعية.

إننا أمام حقيقة تؤكد تواصل انتهاج تونس سياسة اقتصادية ليبرالية لعقود أخرى في غياب البدائل لكن يبقى هناك أمل في كيفية توظيف هذه الليبرالية في المسار التنموي، خاصة أن يوسف الشاهد أقر بضرورة تغيير المنوال التنموي وهي مسألة لا تبدو سهلة على الصعيدين النظري والعملي إذ هناك تراكمات تعود إلى أكثر من خمسين سنة وعقليات شبت على أوضاع ومصالح معينة وفئات لها مصلحها التي أضحت في عداد الحقوق المكتسبة.

العدالة الاجتماعية

من السهل جدا الحديث عن العدالة الاجتماعية لكن من الصعب إيجاد آليات لتحقيقها فالممارسات السلبية عديدة سواء فيما يتعلق بالعلاقة الشغلية أو اللهث وراء الربح السريع أو حتى من زاوية الواجب الضريبي حيث الخلل بين الموظفين والأجراء وأصحاب المهن الحرة، غير أن ذلك لا يجب أن يحول دون البحث في  التجارب والنماذج  الأخرى ولعل تجربة البلدان الاسكندينافية تعتبر أفضل ما هو موجود مقارنة ببقية الدول الأوروبية.

ولو عدنا إلى السؤال: إلى أين تسير تونس؟ سنجد، بالتأكيد، جملة من الإجابات خصوصا المتعلقة بالتفاصيل، أما بصورة عامة فكل الأمل أن تكون وجهة تونس مخالفة لتجربة السنوات الماضية وهو ما يتطلب إنتاج أفكار تتماشى مع الواقع التونسي وبالتالي نخبة مفكرة ومنتجة وليس نخبة متقاعسة عن التفكير والبحث والتجديد.

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد