رأي: هل هي حرب جادّة على الفساد؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

May.
19
2019

رأي: هل هي حرب جادّة على الفساد؟

الاثنين 29 ماي 2017
نسخة للطباعة
رأي: هل هي حرب جادّة على الفساد؟

بقلم: رضا بن سلامة *

تمرّ تونس بمرحلة فارقة في تاريخها ويُشكّل الفساد الذي يتحدّى الجميع في أسوإ تجلّياته خطرا قاتلا. اختراق هائل عبر الرشوة والمحسوبية والمُحاباة ونهب المال العام والابتزاز، ثم تنمّر من خلال تفشّي التهريب وشراء الذمم وتلويث الاقتصاد وتشويه المجتمع وإحداث الفوضى في الحياة السياسية في تقاطع خبيث مع مُرتزقة الإرهاب الذين تُحرّكهم أياد خارجية لأغراض دفينة. لقد أدلى رئيس الحكومة بتصريح في غاية الأهمية بعد حملة الإيقافات لعدد من أباطرة التهريب، مُعبّرا على ما أضجر المواطنين، ويتعيّن أخذ كلامه على محمل الجد: “إمَّا  الفساد أو الدولة، إمَّا الفساد أو تونس. مع بعضنا نقف لتونس. مثل كل التونسيين اخترت تونس وأقول للتونسيين الحكومة مُتحمّلة مسؤوليتها وسنخوض المعركة إلى النهاية”. علينا جميعا أن نُقرّ بصدق قوله كتحيُّز إيجابي إلى أن يأتي ما يُخالف ذلك، رغم كل المؤاخذات نحوه حول مسائل أخرى، وأن لا نُشكّك في مُنطلقات الحملة. إنها حرب وجوديّة ومصيريّة ينبغي خوضها للانتصار، وهي فرصة نادرة سوف تُساهم دون أدنى شك في تحصين الجبهة الداخلية وبناء جدار ثقة سميك يحمي المجتمع التونسي ويجتثّ أسباب وعوامل انهيار الدولة ويفتح الآفاق للاقتصاد الوطني. 

عندما يُعبّر رئيس الحكومة على تصميمه خوض هذه "الحرب" ويستهلّ ذلك باتخاذ جملة من القرارات في الإقامة الجبرية لمن يُمثّلون رؤوس الفساد، يُفترض أن يكون قد اتخذ منذ مُدّة جميع الإجراءات لإحكام العملية بكافة جوانبها ولضمان إحالات جادّة إلى المحاكم بملفات تُدين حقّا هؤلاء للحكم عليهم، حتى لا نُفاجأ يوما بنقاوة ذمم المُتهمين ونظافة أيديهم بعد مرورهم بساحة القضاء العادل (!)، وبأنّ ما جرى لا يتجاوز مُحاولة امتصاص غضب الشارع واحتجاجاته، أو اكتساب شعبية تحسُّبا لـ2019، فينتهي العرض ويُسدل الستار! لذا فالحذر ضروري. ومن حق الشعب التونسي أن يعرف وبشفافية كاملة مصادر ثروات هؤلاء البشر وما هي مصادرها، وما هي الأنشطة التي حقّقوا من خلالها ملياراتهم... إذ أنّه لن تنجح حرب على فساد تُدار معها مُهادنة وحماية لكل من أفسدوا واستباحوا حقوق وأمن الشعب وأن يتركوا في أماكنهم يواصلون ويستكملون ما ارتكبوه من جرائم وما نهبوه من ثروات وما دمّروه من عناصر للأمن والاستقرار.

الحكومة تعرض نفسها لاختبار حسّاس، وهي مُطالبة بمواصلة الملاحقات الضرورية وإجراء التحقيقات بالتزام الدقة والتحرّي من قبل الأجهزة المُختصّة كي يتم تقديم ملفّات يكون مآلها مضمون لدى القضاء، الذي له دور تاريخي تجاه التونسيين في هذه المرحلة الحرجة، وذلك منذ بداية عرضها إلى حين البت فيها وتنفيذها، طبقا لما تقتضيه قواعد التقاضي والإجراءات المُتعلقة بها وإصدار الأحكام وتنفيذها. آملين أن لا يحدث ما تم اقترافه بخصوص مُجريات قضايا الاغتيالات من تعمّد طمس الحقيقة ولفّ ودوران، فبقيت الأسئلة مطروحة...

إنّ دور المواطن أساسي في الذود عن وطنه وحمايته من أيّ جهة أو مؤسسة تهدف إلى إلحاق الضرر به أو إثارة الفتن، ما يُحتّم إدراك الوعي الكامل بأساليب النقد وإبداء الملاحظات، من دون أن يكون وسيلة سهلة لدعم المناوئين له. وتقوية الجبهة الداخلية، في محيط محفوف بالمخاطر، لا يمكن أن تتحقق إلاّ من خلال تنمية المواطنة الواعية التي تُمَيِّزُ بَيْنَ الرَّدِيءِ وَالْجَيِّدِ، باعتبار أن المواطن شريك أساسي في صناعة مستقبل بلاده. فالإدلاء بالرأي، بصدق وصراحة وموضوعية وتفاعل بنّاء مع المُتغيّرات مُحبّذ. ومن جهة أخرى، على الذين بيدهم إدارة الشأن العام الإنصات والاجتهاد في العمل على تحقيق الأفضل والأصلح لكسب الثقة وتنمية مصداقيتهم لدى عموم الناس، دون مُغالطات أو تلاعب ومراوغة.

نعم، على الشعب والمجتمع المدني أن يُعطي فرصة ودفعا كبيرا لهذه الحكومة ويكون حافزا لشن هذه "الحرب" ومواصلة التطهير. مع التنبيه إلى ضرورة التصدي أيضا لأيّة محاولات لإفشال هذا المسعى من قبل الفاسدين لخلط الأوراق والهروب مرة أخرى من المُحاسبة. 

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة