بورتريه: الشاهد ومعركة الحيتان الكبيرة - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Mar.
18
2019

بورتريه: الشاهد ومعركة الحيتان الكبيرة

الأحد 28 ماي 2017
نسخة للطباعة
بورتريه: الشاهد ومعركة الحيتان الكبيرة

 

نجح يوسف الشاهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية بسرعة قياسية في الرفع من شعبيته من خلال قراره القاضي بالإطاحة بأكبر "حيتان" الفساد والتهريب حتى انه ولأول مرة منذ الثورة تشهد ساحة القصبة تجمّع حشود من المواطنين في وقفة مساندة لساكنها.

 ليكون الشاهد بذلك "شاهدا على عصره" في مكافحة هذه الآفة التي اكتوى بنارها التونسي على امتداد عقود والتي استشرت أكثر عقب الثورة حتى ساد اعتقاد بأن الفساد أضحى أقوى من الدولة. لكن بقرار جريء وشجاعة غير معهودة لدى الرجل ضرب الشاهد بيد من حديد "كبرى الحيتان" ليعيد خلط الأوراق من جديد مذهلا بذلك خصومه قبل أنصاره. 

فسلسلة الإيقافات التي طالت "أباطرة الفساد" مع وضعهم في الإقامة الجبرية  جعلت رجل القصبة  يحصد في وقت قياسي إعجابا وتأييدا  منقطع النظير- فحتى وإن كان ما قام به الشاهد يندرج في صلب مهامه باعتباره ينفّذ إحدى أهم بنود وثيقة قرطاج فانه يحسب للرجل انه كان أول رئيس حكومة بعد الثورة يشرع في مكافحة الفساد فعلا وليس قولا - مما جعله يظهر في صورة  الرجل الهمام حتى أن  رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة أهداه على أمواج إحدى الإذاعات الخاصة أغنية "أنت معلّم". 

ولد يوسف الشاهد في 18 سبتمبر 1975 في تونس العاصمة وقبل أن يصل إلى سدة الحكم  في  27 أوت 2016 كان يشغل منصب وزير التنمية المحلية في حكومة الحبيب الصيد ثم تم ترشيحه لاحقا من قبل رئيس الجمهورية لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية ليكون بذلك أول رئيس حكومة شاب بعد الاستقلال يصل إلى سدة الحكم  وعمره اثنين وأربعين سنة. 

يملك الشاهد سجلا حافلا بالتكوينات الأكاديمية حيث، تحصل على شهادة مهندس في الاقتصاد الفلاحي من المعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس سنة 1998 كما تحصل على الدكتوراه  في العلوم الفلاحية، من المعهد الوطني الفلاحي بباريس في 2003، بعد أن سبق وتحصل سنة 1999 على شهادة الدراسات المعمقة في اقتصاد البيئة والموارد الطبيعية.

كما شغل الرجل مناصب هامة فقد عمل  من 2000 إلى 2005 كخبير دولي في السياسات الفلاحية لدى عدد من المنظمات الفلاحية الدولية كالاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.

واختص منذ سنة 2003 بمتابعة السياسات الفلاحية بتونس والمغرب بالتنسيق مع وزارات الفلاحة بالبلدان المذكورة كما وتولى وضع وتخطيط سياسات التعاون في ميدان الأمن الغذائي وتطوير الشراكة الفلاحية بين تونس والولايات المتحدة، كما شغل أيضا خطة أستاذ مساعد بجامعة "ران 1" بفرنسا من 2002 إلى 2003، قبل أن يشتغل أستاذ من 2003 إلى غاية 2009، بالمعهد الأعلى الفلاحي بفرنسا..

لكن عكس هذه السجل الحافل أكاديميا كان أداء الشاهد السياسي باهتا مقلقا  إلى أبعد الحدود رغم محاولاته تبني خطاب وسياسة اتصالية مغايرة، ومع ذلك لم ينجح الشاهد في شد الانتباه  إليه فقد كان لا يختلف من حيث أداءه كثيرا على من  تعاقبوا على القصبة عدا انه كان أصغرهم سنا. 

وتوقع  آنذاك منتقدوه  أن الرجل  سيكون في أفضل الأحوال مجرد شهاب قصير العمر فإطلالات الشاهد التلفزية عادة ما كانت تكشف عن أن  حكومته "لا حول ولا قوة لها" وأنها أبعد ما تكون عن مجابهة أمهات القضايا الحارقة بما في ذلك مكافحة الفساد في ظل تأكيد بعض الأطراف بأن الرجل مكبّل ولن يستطيع إلا تعقيد الأمور ممّا جعل  المؤرخ عبد الجليل التميمي يعتبر في حواره الأخير لـ "الصباح"، "أن الشاهد  مسيطر عليه من قبل المافيات المالية والاقتصادية"، زد على ذلك  فقد حصدت حكومته انتقادات لاذعة فيما يتعلق بمشاريع القوانين المثيرة للجدل التي كانت تريد  الحكومة تمريرها  والتي اعتبرتها بعض الإطراف "شبهة" على غرار مجلة تنقيح المحروقات فضلا عن مشروع قانون يتعلق بالخردة.

وفي هذا الخضم كان الاعتقاد سائد  أن الشاهد أبعد ما يكون عن رجل الدولة الذي يقرأ له ألف حساب حتّى أن  رجل الأعمال شفيق جراية أحد الموقوفين الموجهة إليه تهم خطيرة تجرّأ على القول في إحدى القنوات التلفزية الخاصة بأن الشاهد غير قادر حتى على سجن ماعز.

لكن في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الرجل يحتضر سياسيا –بالنظر إلى أن حكومته  كانت  على صفيح ساخن حتى أن بعض الأطراف شرعت في العد التنازلي لها في ظل الدعوات المتكررة إلى تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة - انتصب الرجل واقفا متخذا قرارا فاجأ من خلاله الرأي العام، بالشروع في محاربة "الحيتان الفاسدة" فعلا عبر سلسلة من الإيقافات من الوزن الثقيل طالت أسماء اعتقدت للأسف أنها لن تمس، ومثلت هذه الخطوة صدمة ايجابية أضحى من خلالها الشاهد حديث القاصي والداني".

 بعدها ظهر الشاهد في تصريح صحفي مقتضب صرح من خلاله "انه في الحرب على الفساد ليست هناك خيارات إما الفساد أو الدولة وإما الفساد  أو تونس وأنا مثل كل التونسيين اخترت الدولة واخترت تونس"، تصريح ألهب صفحات التواصل الاجتماعي من خلال التعليقات المساندة للرجل مما جعله يحظى بحزام شعبي يسانده في مكافحة الفساد حزام تدعّم أكثر بعد  أن لمس جديّة الشاهد في مضيه قدما في تطهير البلاد من خلال مصادرة أملاك الموقوفين. فنسي جزء كبير من الرأي العام الذي كان بالأمس من أشد منتقدي حكومة الوحدة الوطنية غضبه وسخطه على أدائها وتأخرها في تحقيق مطالبه لعل ابسطها وأهمها القضاء على معضلة الغلاء الفاحش في الأسعار. ونسي تقريبا  كل شيء: البطالة، التهميش سنوات الانتظار دون أن يجني  ولو ثمرة  واحدة  من ثمار الثورة  واصطف يساند و"يهلّل" للرجل  فلأول مرة يلمس الرأي العام ومنذ ست سنوات أن هناك إرادة فعلية للتغيير.

هذه الحرب التي يخوضها الشاهد على الفساد حصدت أيضا مساندة  اشد منتقديه من المعارضة حتى أن محمد عبو القيادي بالتيار الديمقراطي  الذي يعتبر من أكثر المعارضين شراسة لحكومة يوسف الشاهد توجه إليه مخاطبا على أمواج إحدى الإذاعات الخاصة قائلا: "عليك مقاومة الفساد بشكل جدي وعليك المواصلة.. وستجد الشارع وعددا من الأحزاب إلى جانبك وستجعل منك زعيما"، مضيفا أن أمام الشاهد فرصة لدخول التاريخ وعديدة هي التصريحات من مختلف المشارب السياسية التي تساند الرجل في معركته على غرار القيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي الذي أكد في معرض تصريحاته الإعلامية "انه لا يجب ترك يوسف وحيدا مع الذئب".

نجح الشاهد بسرعة البرق في قلب موازين القوى فقد سحب البساط ممن كانوا بالأمس يحيكون له المؤامرات لإبعاده عن كرسي القصبة على حد قول البعض وممن كانت تتعالى أصواتهم معيبة عن هذه الحكومة تغافلها وتغاضيها عن محاربة الفاسدين. 

ما  قام به الشاهد  يمكن اعتباره لحظة فارقة في مسار الرجل السياسي كما  يمكن اعتبارها أيضا  نقطة تحول في تاريخ البلاد التي استفحل واستشرى فيها الفساد بما يجعله يبلغ مرحلة الداء فظهر الشاهد في صورة رجل الدولة الذي انطلق في اقتلاع الفساد من أعتى جذوره فشكل بذلك حزاما شعبيا بات يسانده في معركته بعد أن كان لا يحظى بالثقة.

صحيح أن ما قام به الشاهد يحسب له فحتى وان فشل في معركته مع "الحيتان" فيكفيه انه أول من بادر جديا في إعلان الحرب على الفساد وهذا في حد ذاته يمثل نقطة تحسب له. 

 ولكن بعيدا عن منطق الفشل والنجاح، فالأكيد أن الطريق أمام الشاهد   ستكون مزروعة بالأشواك فإخطبوط الفساد قد طالت أصابعه جميع الأجهزة والمؤسسات لكن أيّا كانت الصعوبات والعراقيل على الشاهد مواصلة الطريق وان تعذر عليه  أو بالأحرى تم الضغط عليه من اجل إطلاق سراح الموقوفين فعليه مصارحة الشعب أو الخروج من الباب الكبير وعدا ذلك فان صعوده الصاروخي سيعقبه سقوطا مدويا قد يقضي على  مستقبل الرجل سياسيا..

◗ منال حرزي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة