مجهر «الصباح»: مارد على تونس أن تكسب وده اطلبوا الاستثمار ولو في الصين - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الخميس 21 سبتمبر 2017

تابعونا على

Sep.
22
2017

مجهر «الصباح»: مارد على تونس أن تكسب وده اطلبوا الاستثمار ولو في الصين

الجمعة 19 ماي 2017
نسخة للطباعة
120 مليون سائح صيني ثري يزورون العالم.. ما نصيب تونس منهم؟

بقلم: حافظ الغريبي -

صورتان مختلفتان إلى حد التناقض تحملاهما الذاكرة الجماعية التونسية عن الصين.. الأولى تحتفظ بها ذاكرة الكهول والشيوخ من أبناء هذا البلد والثانية يكاد يتقاسمها الجميع، تحفظ الأولى مشاريع متميزة أنشئت في عهود سابقة على غرار السدود والطرقات وحزام حماية مدينة صفاقس من الفيضانات وتحفظ الثانية تلك البضائع التي تغزو أسواقنا وتدمر اقتصادنا والتي ينطبق عليها المثل الشعبي القائل «إذا عجبك رخصه..» بما يوحي أن الصين بلد موسوم بالغش وبالتخلف وبالعيش من جهود بقية الأمم المبدعة.. بلد مغلق على نفسه يعيش وفق نظام شيوعي يحرم سكانه من فرص المبادرة والاستثمار ومراكمة النجاح والمال ويروّج للسلع «المضروبة»..

غير أن الزائر إلى الصين، وأنا كنت احدهم، يكتشف نهضة اقتصادية قل أن شهدها بلد آخر في ظرف وجيز، نهضة غيرت وجه البلد من بلد الفقراء إلى بلد الأثرياء الذي يراوح فيه المعدل العام للأجور 3 آلاف دولار، نعم 3 آلاف دولار وفق ما أكده لنا مسؤولون هناك، رقم مثير لكن له ما يفسره، فعندما تشاهد أسطول السيارات الفارهة التي تجوب كبرى مدنه ونوعية ناطحات السحاب التي تعلو شوارعه الواسعة إلى حد تكاد فيه لا تختلف عن الطرقات السيارة تقف على أهمية النهضة التي تعيشها البلاد، فالجسور تعانق السماء على امتداد عشرات الكيلومترات دون أن تلامس طرقها الأرض وتربط جزرا تبعد عشرات الكيلومترات باليابسة، وله ما يفسره كذلك عندما تشاهد محلات لآلاف الماركات العالمية والتي يصعب أن تشاهد مثيلا لعددها بأي بلد في العالم. 

لقد تغيرت الصين تماما من بلد شيوعي منغلق إلى بلد رأسمالي منفتح على المبادرة الخاصة يتيح للصينيين أن يبعثوا مشاريعهم الخاصة وان يستثمروا وان ينتدبوا بعقود عمل مماثلة لعقود عمل الغرب، محدودة في الأمد مرتفعة القيمة بما يدخل ليونة في التسيير ويساعد على استقطاب الكفاءات التي تغيّر مواقع عملها كل ثلاث إلى أربع سنوات باحثة عن فرص أفضل.. في المحصلة باتت مدن الصين الكبرى أرقى من أفضل العواصم والمدن العالمية تتوفر على أحدث التكنولوجيات وعلى اكبر علامات وسلسلات الفنادق والمطاعم والمقاهي والملاهي العالمية.. خلاصة القول أصبح للصين ما لا يقل عن 120 مليونا بين ثري ومترفه قادر على أن يكون ضمن أفضل السياح إذ بمقدور الفرد الواحد أن يحوّل رسميا 40 ألف دولار لقضاء عطلته خارج بلاده، فكيف لتونس أن تستفيد منهم ومن النهضة الصينية عموما؟ 

سؤال راودني على امتداد زيارتي للصين سيما وسياسيوها يريدون إحياء طريق الحرير بنسخة جديدة تقوم على مبدأ الربح المشترك، فالصين مستعدة لتمويل وتنفيذ المشاريع الضخمة بقروض ميسرة وبكفاءات متميزة وبالاعتماد على أحدث التقنيات، وهي المنافس الرئيسي للمستعمرين القدامى للقارة الإفريقية بل تجدها تجاوزتهم في الاستثمارات.. وهي كذلك سوق سياحية وفيرة العدد بل من أفضل الأسواق العالمية. 

ولقد مكن السماح بالتبادل التجاري بالعملة الصينية من فتح باب التصدير على مصراعيه للتونسيين مقابل التخفيض من كلفة الإنفاق بالدولار على الواردات الصينية، وسيمكن فتح باب صرف العملة الصينية في البنوك التونسية واستخدام بطاقات الدفع أن تم تجاوز الإشكالات التقنية من رفع نسق التدفق السياحي على تونس.. وحتى لئن تضاعف خلال مطلع السنة مقارنة مع السنة المنقضية فانه مرشح لبلوغ أضعاف ذلك خلال المدة القصيرة القادمة لو وقع الترويج الجيّد للوجهة التونسية والإعلام بالقدر الكافي عن إمكانية صرف العملة الصينية في تونس وكذلك إذا ما تهيّأت فنادقنا لاستقبال الوافدين عبر توفير الأكلة الصينية التي تبقى محركا أساسيا لقدومهم. 

ولئن بدأت بعض المصانع الصينية المتخصصة في تركيب السيارات تفكر في فتح فروع لها بتونس فان نقل التكنولوجيا الصينية إلى تونس بات أمرا ملحا نظرا لتطور التقنيات من جهة والكلفة المنخفضة من جهة ثانية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الصينيين كسبوا خبرة فائقة في تطوير الفلاحة وفِي إنجاز الجسور والطرقات السيارة المعلقة وفِي النقل الحديدي سيما في مجال القطارات الفائقة السرعة لذلك فبإمكانهم المساهمة في التنمية بكلفة أفضل مما توفرها الدول الأوروبية.

وتعتبر تونس لدى الصينيين موقعا استراتيجيا لإطلاق أنشطتهم التجارية نحو أوروبا مستفيدين من اتفاقية الشراكة التونسية مع السوق الأوروبية إذا ما فكروا في بعث مشاريع استثمارية مع التونسيين سيما وان البنوك الصينية مستعدة للتمويل بفائض مقبول كما تمنح الصين للتونسيين فرص التكوين الأكاديمي في مختلف المجالات وتوجد حاليا بالصين كفاءات تونسية في مجالات البحوث العلمية على مختلف مشاربها بعضها تبوأ مكانة أكاديمية مرموقة.

لقد آن الأوان لسياسيينا أن يولوا وجوههم نحو الصين ولقد جانبوا الصواب عندما أوفدوا وزير الثقافة لقمة المنتدى الصيني العالمي، والتي حضرها زهاء الثلاثين رئيس دولة وعشرات رؤوساء الحكومات، في الوقت الذي يفترض أن يضم فيه الوفد وزراء التنمية والمالية والصناعة والتجارة كأدنى تمثيل، فالصين اليوم مؤهلة لان تكون أول قوة اقتصادية ومالية في العالم بل تسعى لذلك بخطى حثيثة ودون ضوضاء، ولئن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا العلم ولو في الصين فانه آن الأوان أن نطلب أكثر من ذلك منها.

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة