رأي: من يريد القضاء على القضاء؟ - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Mar.
18
2019

رأي: من يريد القضاء على القضاء؟

الاثنين 24 أفريل 2017
نسخة للطباعة
رأي: من يريد القضاء على القضاء؟

بقلم: رضا بن سلامة-

ابن خلدون يرى أن «العمران البشرى لا يتحقق إلا في ظل العدل، «لأن الظلم مؤثر في السلوك البشري يضعف النفس ويجعل مزاجها مريضا واهنا، ويهدم قيم الخير في الطبيعة النفسية، ويؤدي ذلك إلى الانقباض عن الكسب وذهاب الآمال في تحصيل الأموال، فيقعد الناس عن الأعمال والكسب وتكسد مجالات العمران، ويخرج السكان من الأمصار، فيؤدي ذلك إلى تراجع العمران وفساد الإنسان».

أعظم العقول البشرية اتفقت على أنه لا يمكن لمجتمع أن ينهض ولا لدولة أن تقوم بوظائفها إلا باستتباب العدل ونظافة القضاء. ورغم أنه ليس من السهل الحديث عن القضاء، لكن من لا يعلم في تونس أن 99،99 في المائة من القضاة هم نزهاء وصالحون، يشرفون هذه المهنة ولا يمكن لأي شخص أن يرشيهم رغم قلة ذات اليد حتى ولو وضع كل أموال الدنيا بين أيديهم.

بقيت نسبة ضئيلة جدا تُمثل 0,01 في المائة، تلبس مع ذلك مسوح الفضيلة وتثير في نفس الوقت حيرة المواطن التونسي فتكاد تُفقده الثقة في قضائه وقضاته، لأنه ليس هناك ظاهرة أكثر قسوة وأكثر اشمئزازاً من ظاهرة فساد القضاء في مجتمع ما. ومن المرجح أن ما رواه الجاحظ عن القاضي الذي زلقت رجله يتعلق حصرا بالصفر فاصل صفر واحد : «كان جحا في نزهة مع أصحابه، وبعد الطعام انصرفوا إلى بركة كبيرة يغسلون بها أيديهم فصادف أن زلقت رجل القاضي فوقع في البركة، فتسابق الرفاق لانتشاله قائلين: هات يدك.. هات يدك.. فلم يمد القاضي يده.. فصاح بهم جحا: لا تقولوا له هات فإنه لم يتعود سماعها، ثم تقدم منه وقال: خذ.. خذ يدي، فأخذ القاضي يده وأمسك بيد جحا ونجا» !

والحقيقة، حتى هذه النسبة المتناهية العدد من القضاة يبدو أنها ليست موجودة في بلدنا، فالقاضي عندنا ليس بظالم ولا ينحاز لطرف من أجل مصلحة، وليس مُتغطرسا بل يحاول حل النزاع بين المتخاصمين ويحترم مواعيد حضوره وانصرافه ولا يتأخر أو يؤجل الجلسة إلا لظرف طارئ وهو ما ندر، ولا يستغل نفوذه بشطط في استعمال السلطة، ولا «يفبرك» القضايا والملفات ولا يعطي الحق للظالم بل ينصف المظلوم. لذلك لا نفهم كيف أن البعض يطالب بمحاسبة القضاة (من أين لك هذا) بتعلة أنهم أضربوا في كافة محاكم البلاد، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المادية وبإصلاحات في القطاع. ويحسدونهم على ما يحصلون عليه بعرق الجبين. أليس القضاة بشرا!

إذا تطرقنا على سبيل المثال إلى موضوع الاستثمار، فالقضاء هو الضمان الأساسي للمستثمر وليس حزمة الحوافز والإغراءات التي تمنحها مجلة الاستثمار الجديدة. هو الجهة الوحيدة القادرة على تحويل وعود الدولة إلى واقع ملموس. فالمستثمر الجاد الأجنبي والمحلي على السواء لا تُحفزه الإعفاءات أو الامتيازات بقدر ما تُحفزه استقلالية وحيادية ونزاهة القضاء. كما أن ترسانة السياسات والاستراتيجيات والقوانين والإجراءات التي أعدتها الحكومات لمكافحة الفساد والتي تشمل فيما تشمل المعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية التي أبرمتها تونس والمكرسة لمكافحة الفساد، والهيئات والأجهزة الرقابية والمحاسبية بمختلف مسمياتها... تعتمد أساسا في نشاطها على عنصر واحد فقط وهو القضاء. فبدون هذا القضاء المُحايد والمستقل والنزيه الذي رُزقنا به تنعدم كل الفرص لمكافحة الفساد والوقاية منه، مهما حاولت الدولة استعمال الوسائل الأخرى المُتاحة لمقارعته. فأيها القضاة لـ99،99 في المائة طهروا قضاءنا وقضاتنا النزهاء الشرفاء أصحاب السيرة النقية والسريرة البيضاء من الـ0,01 في المائة، ضعفاء النفوس، حتى لا يتحول قضاؤنا إلى «قضاء وقدر» !

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة