في الذكرى الثالثة لرحيله.. محمد فرج الشاذلي مُربيا وأديبا ومثقفا - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 16 نوفمبر 2018

تابعونا على

Nov.
17
2018

في الذكرى الثالثة لرحيله.. محمد فرج الشاذلي مُربيا وأديبا ومثقفا

الجمعة 21 أفريل 2017
نسخة للطباعة
في الذكرى الثالثة لرحيله.. محمد فرج الشاذلي مُربيا وأديبا ومثقفا

بقلم: رشيد خشانة(*)

كان الطفل يعمل في النشاط الفلاحي مع والده في قرية رفراف أواسط الخمسينات من القرن الماضي. لمحهُ المعلم فتوجه إلى والده ناصحا إياه بتسجيل ابنه في المدرسة... فتجاوب الفلاح. وما لبث الطفل، بعدما بات شابا أن التحق بمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية في عام 1967 في خطة مساعد مخرج. كان اسمُهُ حمادي عرافة. وكان اسم المربي محمد فرج الشاذلي الذي غادرنا في أفريل 2014.

التربية ... رسالة أولا

ظل الأستاذ محمد فرج الشاذلي على مدى حياته شديد الإيمان برسالة المُربي، قوي الشغف بتعليم الأجيال، لا تتبدل حماسته إن كان معلما في قرية صغيرة أم وزيرا للتربية. وأتاح له تنقله بين مناطق البلاد معرفة دقيقة بهذا القطاع، إذ عمل مربيا في قمرت ورفراف وسيدي بوسعيد، ثم مديرا بداية من 1957 في كل من باجة ومنزل تميم وقرمبالية، قبل تسميته في 1968 مديرا للتعليم الابتدائي. ثم جمع بين هذه الخطة وخطة متفقد عام للتعليم الثانوي في اللغة والآداب العربية. كما كانت له مساهمة بارزة في إعداد عدة كتب مدرسية.

مع مطلع السبعينات كشف سي فرج عن قدرات غير معروفة من قبل في شخصيته، وهي الميزات القيادية التي تجلت خلال توليه منصب رئيس ديوان وزير التربية القومية ورئيس اللجنة الوطنية لليونسكو في1971، ومن ثم رئيس ديوان وزير الشؤون الثقافية محمود المسعدي ومدير إدارة الآداب بالوزارة سنة 1973. وبالنظر لنجاحه في تلك المهام بدأ التفكير في تسليمه حقيبة التربية القومية، وهي الخطوة التي قطعها الرئيس بورقيبة فعلا في أفريل 1980 (حكومة المرحوم محمد مزالي)، وقد استمرَ في هذا المنصب إلى ماي 1986. واستطاع من هذا الموقع أن يُحقق إصلاحات كبيرة لا يتسع المجال لاستعراضها، ونكتفي منها بالنزر القليل وفي مقدمتهاإطلاق تجربة المعاهد النموذجية من أريانة، وقد انتهج المعهد التدريس باللغة الانكليزية قبل أن يُعاد إلى الفرنسية بعد سنوات قليلة. ومن مآثره أيضا إقرار تحية الراية الوطنية كل صباح في المعاهد والمدارس، وهو الذي أشرف على وضع مشروع إصلاح المدرسة الأساسية، غير أنه ذهب إلى البرلمان ليُطلعه على المشروع مُوضحا أنه يتطلب اعتمادات مالية لا تملكها الدولة آنذاك، مما يقتضي إرجاء تطبيقه، وفعلا تمت مباشرة تنفيذه بعد مغادرته الوزارة.

رُبما لاهتمامه الشديد بإنجاز مثل تلك الإصلاحات كان فرج الشاذلي شغوفا بالاطلاع على التجارب التربوية في العالم العربي والعالم، وهو ما أتيح له من خلال عضويته بالمجلس التنفيذي للأليكسو، وترؤسه للجنة الوطنية للأليكسو واليونسكو. وتعدى نشاطه تونس ليشمل الدفاع عن الثقافة الفلسطينية إذ كان رئيسا للجنة التونسية للمحافظة على التراث الفلسطيني.

شهادة من عبد الملك

إلى جانب هذا البُعد التربوي تميَز الراحل بولعه الشديد بالأدبين العربي والأجنبي، وخاصة القصة والقصة القصيرة. ونشر الكثير من إبداعاته سواء في شكل قصص أو مقالات أدبية مثل «ألسنا أخوين؟» (قصة 1961) و»نخلة المجنون» (قصة 1965) و»بين طه حسين والمسعدي» (مقال 1980). وبالرغم من أنه مُقلٌ، فقد لفت انتباه الذواقة أنور عبد الملك فأدرجه ضمن القصاصين العرب البارزين في القرن العشرين. لم يكن أنور عبد الملك ناقدا أدبيا ولا مبدعا روائيا أو شعريا، إلا أنه برع في وضع مختارات (أنتولوجيا) من الفكر السياسي العربي المعاصر مُترجمة إلى الفرنسية في كتابه الشهير الذي يحمل الاسم نفسه (1). ومن ثم وضع مع راول ولاورا مكاريوس ثلاثة كتب هي «منتخبات من الأدب العربي المعاصر- الرواية والقصة» مُترجمة إلى الفرنسية (2)، إلى جانب مجلد منفصل للدراسات وثالث للمقالات. دخل فرج الشاذلي هذه الموسوعةمن الباب الكبير إذ ترجم أنور عبد الملك إحدى قصصه إلى الفرنسية، مع تعريف مُكثف بالكاتب ومؤلفاته، وكان أحد التونسيين القلائل في تلك «المختارات القصصية»،إذ لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

المثقف الموسوعي

لم أعرف سي فرج قبل التقاعد، لكن صداقة متينة انعقدت بيننا في العشرية الأخيرة من حياته الحافلة بالتجارب، فوجدتُ فيه مثقفا موسوعيا حريصا على متابعة آخر المؤلفات المنشورة بالعربية والفرنسية. وبالرغم من استمرار ولعه بالتربية فإن دائرة اهتمامه كانت أوسع من المجال التربوي. ولو لم يكن زاهدا في الكتابة لأهدانا مُبدعا مُتميزا باللغتين. واعترافا بما قدمه للمدرسة التونسية تم إطلاق اسمه على المعهدين النموذجيين بالمنستير وأريانة.

---

(1) Abdel-Malek (Anouar), La pensée politique arabe contemporaine, Ed. du Seuil, Paris 1970, 382 pages

(2) Abdel-Malek (Anouar),Makarius Raoul et Laura, Anthologie de la littérature arabe contemporaine, Ed. du Seuil, Le roman et la nouvelle, Paris Mars 1964

(*) صحفي وكاتب تونسي

إضافة تعليق جديد