رئيس معهد الحرية والديمقراطية العالمي ل«الصباح»: الاحتجاجات التي أطاحت بالحكومات العربية كان وقودها غياب الأمن الاقتصادي وحقوق الملكية والحريات العامة - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الاثنين 11 ديسمبر 2017

تابعونا على

Dec.
12
2017

رئيس معهد الحرية والديمقراطية العالمي ل«الصباح»: الاحتجاجات التي أطاحت بالحكومات العربية كان وقودها غياب الأمن الاقتصادي وحقوق الملكية والحريات العامة

الأحد 21 أفريل 2013
نسخة للطباعة

◄محمد البوعزيزي افتقد نظاما قانونيا يحفظ حقوق ملكيته.. وهو وضع 200 مليون مثله في العالم

 

◄في تونس 115 مليار دولار من الاستثمارات تعمل خارج إطار القانون

◗أجرى الحوار: سفيان رجب 

هرناندو دي سوتو رئيس معهد الحرية والديمقراطية العالمي ومقره في ليما عاصمة البيرو. اختارته مجلة "ذي تايم" كواحد من أبرز خمس رواد للابتكار في أمريكا اللاتينية للقرن العشرين، وذلك في عددها الخاص في ماي 1999 "قادة الألفية الجديدة"، وورد اسمه في قائمة الأشخاص المائة الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2004.

كما تم اختيار هيرناندو دي سوتو ضمن قائمة أبرز 15 مبتكراً "سيساهمون في إعادة تشكيل المستقبل"، وفقاً لمجلة "فوربس" في إصدارها بمناسبة مرور85 عاماً على إطلاقها. وفي جانفي 2000، وصفت مجلة التنمية الألمانية "التنمية والتعاون" السيد دي سوتو كأحد أهم باحثي نظريات التنمية خلال الألفية الماضية... وصفه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في كلمته الافتتاحية للمنتدى الاقتصادي العالمي 2004 في دافوس على أنه "الخبير الاقتصادي الأهم على قيد الحياة في العالم".

وحالياً، يركز هيرناندو دي سوتو وزملاؤه في معهد الحرية والديمقراطية على تصميم وتنفيذ برامج لتشكيل رؤوس الأموال تهدف إلى مساعدة وتمكين الفقراء في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط ودول الاتحاد السوفييتي الأسبق.

حول الاوضاع الراهنة والتحولات الاقتصادية في بلدان الربيع العربي وتونس تحدث دي سوتو ل"الصباح" في هذا اللقاء.

* قام معهد الحرية والديمقراطية العالمي المتمركز في البيرو مؤخرا بدراسة حول الثورات العربية وواقع شمال المغرب العربي في ظل التحولات الجديدة التي تشهدها المنطقة.. فعن اي شيء أفضت هذه الدراسة وهل هناك مؤشرات جديدة يمكن الحديث عنها؟

- الأبحاث التي أجراها معهد الحرية والديمقراطية بالمنطقة، وجدت الأدلة الكافية على أن ثورات الربيع العربي قامت لتحقيق ما اصطلح على تسميته عالميًّا ب"التوجه نحو اقتصاد السوق". هذا المصطلح قد لا يستخدمه العرب كثيرًا، إلا أن هذا لا ينفي رغبتهم في تحقيق درجة من الأمن الاقتصادي، وما يصاحب ذلك من ضمان حقوق الملكية، والتمتع بالحريات العامة، التي تجعل من تقييدها والحد منها أمرًا غير يسير المنال. إن التحدي الحقيقي يتمثل في ترسيخ تلك الحريات العامة والاقتصادية من أجل توفير الغطاء القانوني والحماية لشعوب المنطقة، وهو ما يعد حجر الزاوية في نجاح أي اقتصاد.

* تم التركيز في الدراسة على تونس كباعثة اول شرارة للثورات العربية والتحولات التي حصلت.. ويبدو ان الدراسة تركزت على الجانب الاجتماعي دون السياسي كسبب رئيسي للثورة التونسية؟

- بالعودة إلى الحدث الذي كان بمثابة الحافز الرئيسي لما عرف فيما بعد بالربيع العربي، نجد أن هذا الحافز يتمثل فيما قام به محمد البوعزيزى، المواطن التونسي، من إحراق نفسه في17 ديسمبر2011، احتجاجًا على مصادرة بضاعته التي كان يقتات من بيعها.

وبالعودة لتقديراتنا نجد أن عددًا يفوق المائتي مليون مواطن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعتمدون في دخلهم على إدارة مشروعات صغيرة لا تتمتع بأي غطاء قانوني في إطار الاقتصاد غير الرسمي. وهذا يعني أن هؤلاء المائتي مليون من ريادي الأعمال بالمنطقة، المتطلعين إلى التمتع بنظام قانوني يحفظ حقوق ملكياتهم، كما في الغرب، يفوق عددهم أعضاء تنظيم القاعدة، الذي يقدّر ب4000 عضو ناشط فقط. بما يعني أنه مقابل كل عضو واحد من أعضاء القاعدة، هناك 50000 ريادي أعمال ممن يسعون إلى التمتع بغطاء قانوني يحفظ حقوق ملكياتهم.

* لكن ما علاقة فاقدي الغطاء القانوني في العمل بتنظيم القاعدة.. مقارنة ودراسة تبدو غريبة نوعا ما؟

- اردت القول ان التهميش والاحساس بالغبن والياس اخطر بكثير من ما يسمى تهديدات القاعدة.. وبالتالي فان المطلوب هو حماية فاقدي الغطاء القانوني اولى من التركيز على التصدي لتغلغل القاعدة.. فمحمد البوعزيزى المحتج البائس لم يكن حالة فريدة، فقد وجدنا حسب الدراسة أن هناك 63 شخصًا-على الأقل- في تونس، وكذلك في الجزائر والمغرب ومصر والسعودية وسوريا واليمن، قد ساروا على خطى البوعزيزى خلال 60 يومًا فقط من اندلاع الثورة التونسية، وحاولوا إضرام النار في أجسادهم احتجاجًا. وكانت تلك هي الفترة الحرجة التي ارتبكت خلالها معظم الحكومات العربية واهتزت بشكل درامي.

وقد نجا 40 % من مجمل من حاول الانتحار، وساهم الكثير من هؤلاء الناجين في إتمام هذه الدراسة التي اهتمت بشكل أساسي بالصعوبات التي تواجه تلك المجتمعات فيما يخص حقوق الملكية والحريات الاقتصادية الأخرى.

وقد تبيّن أن ال63 مواطنًا، الذين أقدموا على إضرام النار في جسدهم، كانوا جميعًا يمارسون أنشطة اقتصادية خارج إطار القانون، كما تبيّن أن دافعهم الأساسي للإقدام على هذا الفعل كان اقتصاديًّا بحتًا، ولم يكن وراءه دافع سياسي أو أي دوافع أخرى.

فعلى سبيل المثال، أفادت مالكة عقار مغربية تدعى فدوى لاروي خلال لقاء تلفزيوني حي أنها تحتج بشدة ضد الإقصاء الاقتصادي، وكان ذلك قبل دقائق من إشعال النار في نفسها أمام مبنى البلدية في الثالث والعشرين من فيفري2011. كما صرّح شقيق البوعزيزى، أن شقيقه أحرق نفسه لإيمانه بأن"الفقراء أيضًا لهم الحق في البيع والشراء".

كما أوضح معظم من أقدموا على الانتحار، أن السبب الرئيسي وراء إقدامهم على ذلك الفعل كان احتجاجًا على مصادرة بضائعهم أو ممتلكاتهم.

وبرغم أن هناك اعتقادًا شائعًا بأن البوعزيزى أحرق نفسه نتيجة صفع عون بلدي له وإهدارها لكرامته، إلا أن صفعة على الوجه لا يمكن –منطقيًّا- أن تؤدي إلى إقدام 60 شخصًا على إحراق أنفسهم، وقد أكّد جميع الناجين من تلك المحاولات – بلا استثناء - أن إقدامهم على الانتحار جاء نتيجة احتجاج يتعلق بملكياتهم الخاصة ويأسهم من استعادتها.

وعندما قمنا باحتساب قيمة ممتلكات تجارة البوعزيزى التي تمت مصادرتها، وجدنا أنها بلغت فقط 225 دولارا (350 دينار تونسي).. ولم يكن يتمتع بأية حقوق للملكية نهائيا، ومن هنا نرى أن التأثيرات السلبية لهذه القضية لم تكن مالية فقط. فلأن البوعزيزي لم يكن محميًّا بموجب القانون، ومن ثم لم يكن يتمتع بأية حقوق أو حماية قانونية، بل كان يعتمد فقط على أهواء السلطات، ونواياها الحسنة في تجاهلها لنشاطه، وحينما سحبت السلطات تلك النوايا المزعومة وصادرت تجارته البسيطة، شعر بالتدمير الكامل، حيث لم يكن هناك أي نظام قانوني يعطيه الأمل في النجاة من الوقوع في براثن الإفلاس.

 

* الدراسة ركزت ايضا على الاستثمارات التونسية وكذلك المصرية واكدت ان الاموال التي تتنقل بصفة غير مقننة في الانتاج والحركة الاقتصادية والاستثمار اكثر بكثير من الاموال المتنقلة في سوق الاوراق المالية.. استنتاج يبدو غير معقول مبدئيا.. فهل من توضيح؟

- نود أن نشير هنا إلى المساحة الضخمة من الأنشطة الإنسانية "التي تعمل خارج إطار القانون" فيما يتعلق بالأصول والمعاملات؛ مما يعني أن جميع الأشخاص داخل هذا الإطار لا يتمتعون بغطاء قانوني يوفر الثقة والحماية لحقوق الملاك، أو يوفر القواعد الثابتة للتسجيل والمحاسبة والتسعير ومن ثمّ التسويات، من أجل حماية التعاقدات وخلق ضمانات ومعلومات دقيقة تمكِّن من توفير الائتمان ورؤوس الأموال. وتأتي الصدمة من أن مثل تلك الأنشطة تمثل جزءًا كبيرًا من اقتصادات المنطقة.

ففي تونس وحدها، نجد أن 85% من المشروعات -التي تقدّر قيمة استثماراتها بنحو 22 مليار دولار- تمثل مشروعات تعمل خارج إطار القانون، كما أن قيمة العقارات التي لا تتمتع بأية حقوق لحماية الملكية، تقدر بنحو 93 مليار دولار إضافية. مما يعني أن هناك ما قيمته 115 مليار دولار من الاستثمارات تعمل خارج إطار القانون، وهذه الاستثمارات تقدّر بما يوازي 11 ضعفًا من مجموع رأس مال سوق الأوراق المالية في تونس عام 2010، و4 أضعاف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس منذ عام 1976. فإذا افترضنا أن حجم الاقتصاد التونسي الذي يعمل خارج إطار القانون في ولاية أمريكية، فإن الناتج المحلي الإجمالي فيها سيفوق نظيره في 17 ولاية أخرى، لكل على حدة.

نفس الشيء بالنسبة لمصر حيث تشير تقديراتنا بجلاء إلى أن قيمة الاقتصاد المصري الذي يعمل خارج الإطار القانوني يبلغ نحو 350 مليار دولار، وهو ما يوازي ستة أضعاف قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر منذ رحيل قوات نابليون عام 1801..

إن هذا يمثل قرينة مذهلة تثبت أن الاستثمارات الأجنبية التي من الممكن أن تضخ في مصر مهما بلغت قيمتها لن تقترب من الإمكانات الاقتصادية الحبيسة في أنشطة تعمل خارج إطار القانون داخل الدولة.

 

* وماذا بعد هذه الدراسة.. وهل قدمتم الحلول الكفيلة بمساعدة حكومات هذه الدول وهل من اتصالات مباشرة بين معهدكم والحكومة التونسية مثلا؟

- لقد نشر معهد الحرية والديمقراطية هذه النتائج، وناقشها عبر البرامج التلفزيونية والإذاعية، وكذلك في مؤتمرات اقتصادية بجامعات دول شمال إفريقيا التي تشهد "سيولة ثورية"، كما أطلق على تلك الاضطرابات التي صاحبت وتبعت ثورات الربيع العربي. غير أن هناك بالفعل علامات مبشرة للمضي قدمًا بمساعدة الحكومة التونسية، فعلى سبيل المثال، قمنا بالتعاون مع منظمة "اتيكا" التي تمثل نحو 300 ألف ريادي أعمال يعملون في إطار القانون واتفقنا على العمل من أجل إحياء حقوق الملكية.

وفي كل الأحوال، فمن غير المتوقع أن ينحصر الغضب الشعبي التونسي حتى يرى أفراد الشعب إصلاحات جادة وحقيقية تحمي ثمار جهدهم.

 

* لكن هل أنتم قادرون كمنظمة غير حكومية على التأثير في هذه الحكومات والمساعدة على الاصلاح ام انكم تعتمدون على مساعدة الدول الغربية المؤثرة؟

- إن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب يخاطرون بفقدان فرصتهم بترميم الأنظمة التي خلقت الفقر والغضب، والتي نمت وازدهرت من خلالها القاعدة وشبيهاتها. ولو ركز الغرب مساعداته واستشاراته على الجهود الموجهة من أجل إنشاء حماية قانونية للملكيات وحقوقها في مجال العمل الخاص والاقتصاد غير الرسمي، لوجدت جمهورًا متجاوبًا ومعجبين جددًا بالملايين.

إضافة تعليق جديد