تحليل اخباري: دموع السيدة الرئيسة.. السياسة والإعلام والفساد... - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Feb.
25
2020

تحليل اخباري: دموع السيدة الرئيسة.. السياسة والإعلام والفساد...

الأحد 2 أفريل 2017
نسخة للطباعة
تحليل اخباري: دموع السيدة الرئيسة.. السياسة والإعلام والفساد...

بقلم: آسيا العتروس-

الأمر لا يتعلق بكذبة افريل ولا بما يشاع في مثل هذا اليوم من كذب أو تجمل السياسيين والنخب، والأكيد أن الدموع التي سالت على وجه رئيسة كوريا الجنوبية المقالة وهي تقاد إلى الاعتقال شأنها شأن أي مجرم لم تكن دموع التماسيح التي يجيدها السياسيون لا سيما في المواسم الانتخابية او في الكوارث الطبيعية لترصدها عدسات المصورين وتكشف الجانب الإنساني فيهم.. الصورة ما كان لها أن تجوب العالم لولا توفر مثلث يجمع أضلاعه الإعلام الحر والقضاء المستقل والرأي العام المتوثب الذي دونه لا مكان للمحاسبة والمساءلة لصناع القرار..

نذكر جيدا ومنذ الساعات الأولى التي تلت تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية كيف وجه اتهاماته العلنية والصادمة للإعلاميين الذين وصفهم “بأنهم أكثر الناس كذبا وتضليلا في العالم”.. وهو هجوم لم يكن الأخير من نوعه قد عزز القناعة بأن الإعلام عدو لأصحاب السلطة المطلقة وان الإعلام الحر المستقل غير مرغوب فيه عندما لا يكون في خدمة أصحاب النفوذ أو يهدد مصالحهم..

الحقيقة إن من شأن الصورة التي تناقلتها مختلف القنوات الإعلامية عن رئيسة كوريا الجنوبية وهي تذرف الدموع بعد اعتقالها أن تعيد إلى السطح العلاقة الجدلية بين السلطة والفساد والإعلام، علاقة قد تتناقض في كثير من الأحيان أو تنسجم في بعض الأحيان ولكن الأكيد أنها تشترك في رسم توجهات المشهد السياسي لكل بلد مهما كان نوع الحكم السائد فيه ودون هذا المثلث قد لا يكتمل هذا المشهد.. الأكيد أن دموع السيدة الرئيسة لم تكن مصطنعة ولم تكن من اجل استعطاف الناخبين أو استمالتهم كما يمكن أن يحدث في الحملات الانتخابية. إنها دموع حقيقية لامرأة بلغت أعلى مراتب المجد والسلطة في أحد أكثر دولالعالم رقيا وتقدما قبل أن تتعثر وتتدحرج من عليائها وتفقد كل هيبة ومكانة لها.. يحدث ذلك بقوة القانون وليس بقانون القوة بما يعكس أهمية ودور واستقلالية المؤسسات في دولة القانون.

أخطأت رئيسة كوريا الجنوبية وهي تدفع ثمن خطئها من حريتها وسمعتها. ولا مجال للحصانة مع من استباح ثقة الرأي العام واشترك تحت أي سبب كان في إهدار المال العام أو استغلال النفوذ وفسح المجال عن وعي أو عن غير وعي لبطانته للعبث بأموال العامة..

من القصر إلى السجن..

من القصر إلى السجن تحت أنظار المصورين الذين كانوا يلاحقونها وينقلون الحدث لا للشعب الكوري الجنوبي الذي كان منحها ثقته وصوت لها ولكن لكل العالم.. فقد كانت تلك اللقطات عابرة لكل الحدود وكانت حمالة لأكثر من رسالة بكل لغات العالم..

الأمر لا يتعلق بكذبة افريل ولا بما يشاع في مثل هذا اليوم من كذب سياسي ولكن بمصير رئيسة كوريا الجنوبية السابقة التي تحولت من القصر إلى السجن بعد أن طالتها وبطانتها اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ ما فتح المجال للتحقيق معها وملاحقتها أمام القضاء بعد تواتر المظاهرات الاحتجاجية والمطالب الشعبية بفتح تحقيق في الغرض أمر استوجب أربعة أشهر قبل المرور إلى محاسبتها ومساءلتها وهو ما أدى إلى استقالتها من منصبها تمهيدا لمحاكمتها.. وبعد جلسات محاكمة ماراطونية استمرت خمسة أيام تحولت الرئيسة السابقة إلى سجينة.

هل كانت رئيسة كوريا الجنوبية ضحية بطانتها؟ تلك مسألة مرتبطة بما حملته التحقيقات الجارية من وثائق إدانة والاهم في الحادثة ما كشفته بشأن ثقافة الكوريين الجنوبيين والعقلية التي تسير هذا الشعب انه لا احد فوق المساءلة مهما كان موقعه. ومن هنا أيضا أهمية دور الإعلام في كشف الحقائق وفي رفع الغطاء عن المستور كلما تعلق الأمر بملاحقة المتنفذين وأصحاب السلطة وفضح ممارسات الفساد سواءمنها الفساد الكبير أو الصغير. ومن هنا أيضا أهمية دور المؤسسات عندما يتعلق الأمر بفتح التحقيقات في ملفات الفساد فلا يكون ذلك عنوانا لقبر تلك الملفات أو محاولة إرضاء الرأي العام قبل تجاهل الأمر..

سلاح الإعلام في مواجهة السلطة المطلقة

 المهم في تفاصيل قضية رئيسة كوريا الجنوبية أنها فسحت المجال لمقربين منها وتحديدا لإحدى صديقاتها باستغلال نفوذها وإجبار شركات صناعية كبرى على التبرع بمبالغ مالية خيالية لمؤسسات مشبوهة تشرف عليها.. اعتقال الرئيسة الكورية تحت أنظار المصورين الذين نقلوا الحدث تحول إلى قضية تجاوزت حدود هذا البلد..
الرئيسة المعنية التي كانت توصف بأنها أول امرأة تصل إلى هذا المنصب أضافت إلى سجلها لقب أول رئيسة تتعرض للمحاكمة والسجن في بلدها وتسقط بذلك إلى أرذل المواقع. وبعد الشلل السياسي والاضطرابات التي عاشت على وقعها كوريا الجنوبية فان مصيرها يبقى أمام القضاء ليصدر كلمته النهائية بشأنها..

وفي انتظار موعد الانتخابات المبكرة المرتقبة في التاسع من ماي القادم يبقى الأكيد أن محاكمة رئيسة كوريا الجنوبية تحتمل أكثر من قراءة وأكثر من تأويل في بلد يشترك في حدوده مع كوريا الشمالية حيث التعتيم المطلق عما يحدث في هذا البلد وحيث حرية الإعلام واستقلالية القضاء ودولة القانون والمؤسسات أمر لا يتنزل في قاموس بيونغ يانغ..، «كل سلطة مطلقة مفسدة مطلقة» هذا ما توصل إليه العلامة ابن خلدون وهذا ما أثبتته مختلف التجارب السياسية عبر العصور لمختلف الدكتاتوريات التي أغرتها السلطة فغرقت إلى الظلم والفساد وأسقطت العدالة الاجتماعية من حساباتها فانتهت إلى غياهب السجون والنسيان..

حكاية رئيسة كوريا الجنوبية حكاية تكررت من حولنا في السنوات القليلة الماضية وتعددت معها الوجوه التي طالما اعتقدت أنها فوق المساءلة والمحاسبة قبل أن تجد نفسها في أفضل الأحوال في المنفى أو خلف القضبان أو على المقصلة وهي تواجه غضب الشعوب.. حدث ذلك مع بن علي الذي اختار الهرب من تونس على تحمل مسؤولياته أمام الشعب وأمام القضاء وحدث ذلك في مصر حيث وجد حسني مبارك نفسه في السجن قبل أن يطلق سراحه بعد ست سنوات وحصل ذلك مع القذافي في ليبيا الذي قتله المسلحون تحت أنظار العالم وحدث في أغلب الدول التي عاشت ثورات وانتفاضات شعبية على الظلم والفساد وبالتالي فان ما حدث في كوريا الجنوبية يبقى النسخة المجملة لمحاسبة أمام القضاء بالطرق التي يكفلها القانون في بلد يقوم على دولة القانون والمؤسسات..

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة