بالمناسبة: «نحكيها لحفار قبري»! - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الأربعاء 19 سبتمبر 2018

تابعونا على

Sep.
20
2018

بالمناسبة: «نحكيها لحفار قبري»!

الأحد 12 فيفري 2017
نسخة للطباعة

من فاته الاطّلاع على المقال التّحقيقي "الطّريف" والمفزع الّذي نشر بعدد الأمس ـ السّبت 11 فيفري ـ وتحديدا بالصّفحة 7 من جريدة "الصّباح" فما عليه إلا أن يتدارك أمره ـ فورا ـ ويعود ويطّلع عليه.. ومن أنذر فقد أعذر!

نقول ـ من أنذر فقد أعذر ـ اعتبارا لكمّ الحقائق الصّادمة والمؤسفة الّتي تضمّنها هذا المقال التّحقيقي الّذي بعث به للجريدة مراسلنا بولاية منّوبة وتحدّث فيه عن "حالة" ووضعيّة المقابر الكائنة بالدّوائر البلديّة المختلفة التّابعة لهذه الولاية.. حالة وصفها بالمزرية نظرا لما تعرفه هذه المقابر من إهمال ومن اكتظاظ ومن تجاوزات أخلاقيّة أحيانا..

عن حالة الاكتظاظ ـ مثلا ـ يقول مراسلنا ـ من بين ما يقول ـ "في ولاية منّوبة تشهد المقابر حالة من الاكتظاظ المفزع حيث يتفاجأ المتساكنون أحيانا بقرار بلدي يأمر بغلق مقبرة بعينها ووقف الدّفن فيها مثلما حصل مع مقبرة دوّار هيشر الّتي تمّ إغلاقها منذ ثلاث سنوات ممّا اضطرّ المواطنين إلى حمل جثامين موتاهم إلى مقابر أخرى بعيدة لدفنها فيها مثل مقبرة صنهاجة أو مقبرة سيدي عمر.. وقس على ذلك مقابر أخرى كائنة بمنطقة برج العامري وطبربة وغيرها.."

على أنّ أطرف ما في المقال ـ ربّما ـ هو ذكر الكاتب لما قال أنّها "ظاهرة مثيرة" تتمثّل ـ والكلام له ـ في إقدام بعض المتساكنين على الاستحواذ ـ مسبقا ـ على مساحات معيّنة بمقبرة من المقابر وبناء "قبور وهميّة" فوقها وذلك من باب "الحجز المسبق" في انتظار ـ طبعا ـ أن يموت الميّت منهم ـ بعد عمر طويل أو قصير لا يهمّ ـ فيكون قبره "يستنّى فيه".. ما يعني ـ أخي القارئ ـ أنّه إذا ما قصدت يوما إحدى المقابر الكائنة بولاية منّوبة أو غيرها من الولايات ووجدت شخصا ـ رجلا كان أو امرأة ـ واقفا على أحد القبور في حالة تجمع بين الخشوع والحزن وسألته عمّا إذا كان هذا القبر هو لعزيز عليه ـ مثلا ـ فلا تتفاجأ ولا تفزع إذا ما أجابك بكلّ برود بأنّ صاحب هذا الضّريح هو ذاته الواقف أمامك وأنّه جاء ـ فقط ـ ليتفقّد قبره..

أمّي ـرحمها اللّه ـ كانت كلّما سمعت حكاية واقعيّة عجيبة من هذا "النّوع" أو عاشت بنفسها حادثة غريبة تقول مندهشة "هذي نحكيها لحفّار قبري" وهي تريد بذلك التّعبير عن مدى استغرابها ممّا سمعت أو رأت.. من بين الحكايات الّتي أعتقد جازما أنّ الوالدة كانت ستحكيها لحفّار قبرها لو أنّها رحمها اللّه سمعتها أو عاشتها ليس فقط حكاية هذا "الحجز المسبق" للقبور الّتي رواها مراسلنا في ولاية منّوبة وإنما أيضا ـ وهنا نستأذنكم لأنّنا سندخل "هدرة في هدرة" ـ حكاية هذا التّكاثر والتّناسل الغريب للأحزاب السّياسيّة في فترة ما بعد الثّورة.. علما أنّ الوالدة ـ رحمها اللّه ـ لم تكن تعرف من أسماء الشّخصيّات السّياسيّة على مدى الخمسين سنة الأولى من دولة الاستقلال والى غاية خروجها من هذه الدّنيا الفانية سوى اسمين كبيرين..

الأوّل هو اسم الرّئيس الحبيب بورقيبة ـ وكانت تناديه "سي الحبيب" ـ وذلك لاعتبارات معلومة فهو الزّعيم وهو القائد وهو الرّئيس..

أمّا الثّاني فهو اسم رئيس مكتبه أو رئيس ديوانه المرحوم علاّلة العويتي ـ وليس غيره ـ وذلك اعتبارا ـ من جهة ـ لقربه ـ شخصيّا ـ من الرّئيس بورقيبة واعتبارا ـ من جهة أخرى ـ لكثرة تردّد اسمه (علاّلة العويتي) على ألسنة أفراد العائلات الفقيرة الّتي كانت تقصد مكتبه بديوان الرّئاسة طالبة تمكينها من بعض الإعانات الاجتماعيّة..

أتخيّل لو أنّ الوالدة هذه لا تزال إلى اليوم تعيش بيننا وتشاهد بأمّ عينها هذا التّكاثر والتّناسل الغريب للأحزاب السّياسيّة.. وأنّني جالس إلى جانبها ذات ليلة أتابع نشرة الأنباء الرّئيسيّة على ما يسمّى "الوطنيّة (1)" وصادف أن ذكر اسم واحد من رؤساء هذه الأحزاب السّياسيّة كأن يقع ذكر اسم محسن مرزوق أو الهاشمي الحامدي ـ على سبيل الذّكر لا الحصر ـ وعنّ لها أن تسألني من يكون هذا السيّد الّذي ذكر اسمه فأقول لها أنّه رئيس حزب سياسي يطمح لأن يكون ـ في يوم من الأيّام ـ رئيسا للجمهوريّة مثل بورقيبة وأنّه من الوجوه السّياسيّة الجديدة..

الأكيدة أنّها امّا ستقول لي "وجه يخمّلك ويخمّلو" أو أنّها ستمطّط شفتيها وتتمتم قائلة "هذي نحكيها لحفّار قبري".

 محسن الزّغلامي

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد

مقالات ذات صلة