مجهر «الصباح».. منشور «الإخراس».. والحكومة «المتقوقعة» - الصباح | Assabah
المـــؤســـس : الحــبـيـب شــيـخ روحه - الجمعة 8 فيفري 2019

تابعونا على

Aug.
19
2019

مجهر «الصباح».. منشور «الإخراس».. والحكومة «المتقوقعة»

الثلاثاء 31 جانفي 2017
نسخة للطباعة

بقلم منية العرفاوي

 

قد يبدو مصطلح "الحكومة المُتقوقعة" مصطلحا غريبا في سياق انفتاحنا على الحريات والديمقراطية، ولكنه بطريقة ما، يعكس هذا المصطلح واقع الحال أو بصفة أدقّ يعكس نوايا الحكومة ورغبتها في التقوقع وفي "الانغلاق"، بعيدا عن رقابة الإعلام وذلك بسدّ منافذ المرافق العمومية في وجه كل باحث عن معلومة خاصّة من الإعلاميين والصحفيين، وهذه الرغبة "المتوقّعة" عبّرت عنها الحكومة بوضوح من خلال المنشور عدد 4.
هذا المنشور الذي يحجّر على الأعوان العموميين الإدلاء بأي تصريح أو مداخلة لوسائل الإعلام دون إذن مسبق من "الرئيس المباشر في العمل"، دون أن يوضّح المنشور ما إذا كان هذا الرئيس يحتاج هو بدوره، لـ"إذن مسبق" ليُدلي بتصريحات إعلامية، ومن سيؤشّر على هذه التصريحات في نهاية المطاف بعد رحلة التسلسل "العبثي" للرؤساء المباشرين، وفق المنطق الحكومي الصرف.. ثم إن الحصول على هذا "الإذن المسبق" وحسب النسق الإداري المتعارف عليه، قد يستغرق أياما، لا يحتملها النسق الإعلامي السريع والمرتكز أساسا على أسبقية الحصول على المعلومة، والذي قد يجد نفسه "عاجزا" على الظفر بأبسط المعلومات من الإدارة كجهة تحتكم على هذه المعلومات وتنتظر "الإذن" لكشفها أمام الرأي العام، والحال أن هذه الإدارة  تنخرها البيروقراطية والتكاسل في تقديم الخدمة للمواطن فما بالك بتقديم "إذن" في الحصول على المعلومة !.
كما يمنع هذا المنشور على موظّفي الدولة ما وصفه بـ"نشر" أو "إفشاء" معلومات عن طريق الصحافة ويحرّم على العون العمومي، القيام بالتصريحات، التي  تتعارض مع التكتم المهني والحفاظ على المصلحة العليا للدولة". وهو ما يعني ضمينا أننا كإعلاميين سنتعامل في المستقبل مع إدارة "خرساء" بمنشور حكومة لأن استعمال مصطلحات هلامية من قبيل "تتعارض مع التكتّم المهني" و"المصلحة العليا للدولة" يفسح المجال عريضا للاجتهادات وللتأويلات الذاتية والموضوعية للأعوان العمومية، فهذه المصطلحات "الفضفاضة" تستوعب كل المفاهيم، وكل مسوّغات، وكل المعطيات المتوافقة والمتضادة في آن.
وبات واضحا من خلال منشور حكومة الوحدة الوطنية، أن تكريس قيم الحرّية ومنها أساسا حرّية التعبير والصحافة وحق النفاذ للمعلومة والديمقراطية كممارسة فعلية،  بعيدا عن "الشعاراتية"، مسألة في غاية الإزعاج، لأن تطبيق هذه القيم التي قد نجدها تتصدّر خطابات السياسيين مردفة بكمّ من العبارات المنمّقة، يتطلّب قناعات راسخة تتجاوز الكلمات الرنانة والوعود الجوفاء في الحملات الانتخابية. كما تتطلّب إرادة سياسية حقيقية، تراهن على التأسيس لمناخ ديمقراطي صلب، وليس على إرادة مزيّفة تكون الحرّيات والديمقراطية، مجرّد واجهة لفكر دكتاتوري يخشى من الحقيقة و من الشفافية.
وان برّرت الحكومة بان هدف المنشور هو السيطرة على "فوضى" خلايا الاتصال ومع التعهّد بتمكين الصحفيين من النفاذ إلى المعلومة وإبلاغها للمواطنين في "أفضل الظروف"  إلا أن هذا المنشور يُجهض كل ظروف الحصول على المعلومة بالنسبة لإعلام يتمسّك بالاستقلالية ولمؤسسات إعلامية ترفض في أغلبها، مهادنة المسؤولين على حساب المواطنين، كما ترفض مقايضة الحقيقة بـ"امتيازات" الولاء والطاعة .
أمّا بالنسبة للحكومة، فان هذا المنشور يسمح لها فعلا بتقديم المعلومة في "أحسن الظروف" بالنسبة لها. لأن انتظار "إذن الرئيس" هو في الحقيقة،البحث عن منفذ لتقديم أو بالأحرى منح معلومة على "قياس" الحكومة، معلومة لا تزعج الحكومة، ولا تعكّر صفو المسؤولين الإداريين، المركزيين والجهويين والمحليين، ولا تقضّ مضجع السياسيين وتجعلهم يشتغلون بأريحية ويقدمون للرأي العام ما يرونه مناسبا من وجهة نظرهم وليس من وجهة نظر الحقيقة المجرّدة، دون مساحيق أو رتوش.
وليس من الخفّي ان كل الحكومات المتعاقبة وباختلاف توجهاتها وألوانها السياسية، ظلّ شغلها الشاغل، إيجاد بطانة إعلامية، تُوالي صنّاع القرار، وتبارك توجهات الحكّام وتدافع عن خياراتهم ان اقتضى الأمر، وفي المقابل تُفرد هذه "البطانة" بكل المعطيات والمعلومات، في إطار توجّه حكومي يرمي أساسا للتحكّم في منافذ المعلومة لتقليص ضغط الرأي العام على هذه الحكومات، التي فشل أغلبها في إدارة الملفات الكبرى وفي طرح بدائل حقيقية لأزمات اجتماعية واقتصادية خانقة.
هذا التصرّف الأرعن لهذه الحكومات يؤكّد أن سقوط الأنظمة الدكتاتورية لا يفضي بالضرورة لظهور مجتمعات فاضلة أو لولادة طبقة سياسية مستنيرة، فسقوط الطغاة هو البذرة الأولى التي قد تطرح لاحقا نظاما حرّا وديمقراطيا، كما يمكنها أن تطرح انتكاسة وعودة إلى الوراء، فأزمنة التحوّل الديمقراطي تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات وكل السيناريوهات لسنوات طويلة، فلاشيء مضمون مع بريق السلطة الذي قد يُعمي البصر والبصيرة، فمن كان يتوقّع أن يرتكب المناضل السابق والناطق الرسمي الحالي باسم الحكومة إياد الدهماني، "الخطيئة الأولى" لزمن الاستبداد الذي قاومه لسنوات..
فالسيد إياد الدهماني الذي ناضل لسنوات في إطار حزب معارض، كان على الدوام ضدّ حجب المعلومة وتكميم الأفواه يجد اليوم نفسه بحكم منصبه الجديد يبرّر سياسية حجب المعلومة ويجد لها تعلات ومخرجات أقّل ما يقال عنها أنها تعلاّت واهية ومخجلة لقيادي في الحزب الجمهوري، وقد ينطبق نفس الأمر على وزير الفلاحة السيد سمير بالطيب، الذي كانت كلّ مواقفه السياسية مناهضة للاستبداد ولفكرة احتكار المعلومة وحجبها، نجده اليوم يصمت إزاء هذا المنشور ويلتزم بتعليمات حكومته، وذكر سمير بالطيب وإياد الدهماني ليس من باب تميّزهما على بقية الوزراء ولكن لأنهما يمثلان المعارضة، كوافد جديد على حكومة الوحدة، هذه المعارضة التي كانت معركتها طوال عقود وجوهر مقارعتها للدكتاتورية،هي حريّة التعبير والحق في النفاذ للمعلومة.
ولا يمكن لمنشور "إخراس" الأعوان العموميين، إلا أن يعكس رغبة محمومة للحكومة في التقوقع، والابتعاد عن "الأضواء" في إدارتها للشأن العام وهذه الرغبة في التقوقع، لا يمكن أن تفسّر إلا بفشل هذه الحكومة في التعاطي مع الحرّية، لأن الحكومات المؤمنة بالديمقراطية تتعامل بشفافية في نجاحاتها وإخفاقاتها.. كما أن حجب الحقائق والمعلومات لن يؤدّي إلا لمزيد من العزلة بين الحكومات والشعوب، ويفسح المجال لانتعاش الإشاعة وانتشار الأراجيف والأكاذيب، كما أنه يفضي بالضرورة إلى تضليل الرأي العام واستغفاله وحتى الاستخفاف به.

كلمات دليلية: 

إضافة تعليق جديد